شرح الموضوع
نص نثري على لسان أسير فلسطيني يخاطب رفيقه بما يقوله لأمه عن حاله في السجن، من أدب السجون.
رسالة أسير: لا تقل لأمي
لا تقلْ لأمّي: إنّني غدوتُ أعمى، أتلمّسُ بريقَ عينيها في استحضارِ اللّقاءِ...
نص الرسالة
لا تقلْ لأمّي: إنّني غدوتُ أعمى، أتلمّسُ بريقَ عينيها في استحضارِ اللّقاءِ، إذ هي تراني وأنا فاقدٌ نورَ رؤيتِها،أبتسمُ متحايلاً عليها على شَبَكِ الزّيارةِ، حينما تودُّ أنْ تُرِيَني صورَ إخوتي وأصدقائي وجيرانِ الحارةِ، فهي لا تعرفُ أنَّ المرضَ قَدْ اسْتحْكَمَتْ قَبْضَتُهُ مِنّي، وَدَبَّ سَقمُهُ في عينيَّ، فأصبحتُ كَفيفَ البصرِ، بل إنَّ العَتَمَةَ قد غزتْ جسدي كلَّه. وقرّحتْ تباريحُ الوجدِ خلايا قلبي وجسَدي، وأوجعتْ آهاتُ البعدِ عنكِ لواعجَ صدري، فمَنْ لي غيرُكِ أيّتها العطوفةُ، يا حالمةَ اللّيالي الطّوالِ بِفلْذَةِ قلبِكِ النّائي المعذَّب.
لا تقل لها: إنَّ موعدي مع العلاج قد بدّدتْه سنواتُ الانتظارِ، بعدَ مماطلةِ إدارةِ السّجنِ في عودها الكاذبةِ لي، بزراعةِ قرنيّةٍ منذ سنواتٍ خَلَتْ، تلك الوعودُ التي ما تنفكُّ تستدعي إلى عينيّ كلَّ أسبابِ الرّحيلِ عنِ النّهار، وتحيلُ ضوءَهُما المُبصِرَ إلى ليلٍ مُظلمٍ.
لا تقل لها: إنّ شظايا الرّصاص والقذائفِ التي أُصِبْتُ بها، ما زالتْ تُطَرِّزُ جَسَدي، وأنّ قدمي اليُسرى قد بُتِرَتْ واسْتُبْدِلتْ بها قدمٌ بلاستيكيّة، أمّا اليُمنى؛ فقد تعفّنتْ، وجفّت من الماء والحياة، وليتَ حظّي منهما مثلُ حظِّ الشّاعر إذ قال:
وَكُنْتُ كَذي رِجْلَيْنِ رجلٍ صحيحةٍ ... وَرِجْلٍ رَمى فيها الزّمانُ فشَلَّتِ
لا تقلْ لها: إنّي لا أعرفُ النّومَ، أعيشُ على المُسكّنات، حتّى تخدّرَ جسمي، أتحسّسُ حاجيّاتي، فأرتطمُ بالبُرش الحديديّ، وبزميلٍ ينامُ قربي، فينهضُ ليُساعدَني في الوصولِ إلى الحمّام، اليَقَظَةُ تُؤلِمُني، وما السّبيلُ إلى النّومِ وهوَ لا يأتيني؟ فكيف ينامُ من أمسى من الهمومِ مُبرّحاً، ومن غوائلِ السّجنِ وآلامِهِ مُقرَّحاً؟
لا تقلْ لأمي: إنَّ باروداً وَلَجَ في مقلتيّ في ذلك اليومِ الدّامي، اليومِ الذي شَهِدَ استحالةَ شوارعِ المخيّمِ غَضَبَاً، وتلبُّدَ سمائِهِ بِسُحُبِ العزائمِ التي خلتْها تَسْتَحِثُّني على اللّقاءِ المَحتومِ، وهَرَعْتُ أتحسّسُ طريقي بلا وَجَلٍ، ولم أدرِ أنَّ جُزءاً منّي قد فارقني، حينَ قَنصوني، فطارتْ قدمي في فضاءِ المُخيّمِ، وانبجستْ عيني دماً، وكان آخرَ مشهدٍ لمحتُه قبلَ أنْ أجدَ نفسي فاقدَ الوعي؛ ذلكَ الطّفلَ الذي جاءَ يجري نحوي، حاملاً عَلَماً، وهو يصيح: ((شهيدٌ، شهيدٌ)).
لا تقلْ لأمّي شيئاً عن أوجاعِ الأسيرِ، بل قُلْ لها: إنّني حيّ وسليم، أرى، وأمشي، وأركضُ، وألعبُ، وأقفزُ، وأكتبُ، وأقرأُ...، قل لها: إنّني أحمل وجعي على عُكّازتي، وأرى شقيقي الشّهيدَ قمراً يُنيرُ السّماءَ، يناديني بقوّةِ البرقِ، والرّعدِ، والسّحاب.
قلْ لها: إنْ كان حلمي لا يكفي؛ فَلكِ منّي حنينٌ بطوليٌّ لا يغادرني، ولي منكِ لُغتي، وحليبي، ورموزي على الجدران، أكشطُ بها وجعي كلّما غابَ الضّوءُ من حولي... قلْ لها: إنّي أسمعُ دعاءَكِ الرّمضانيَّ عبرَ الأثيرِ المُنسابَ منكِ إليّ.
قُلْ لأُمّي: إنّ العدوَّ لا يَعبأُ بالزّمنِ، وكيفَ يعبأُ بالزّمنِ، وقد راحَ يحوّلُ السّجونَ إلى أماكنَ لزرعِ الأمراضِ، وإذابةِ الأجسادِ رويداً رويداً؟ حتّى صارتْ حقولَ تجاربٍ على الأحياءِ، الذين سيموتون بعد حينٍ، فلم يَعدْ يبالي إذ تحلّلَ من كلّ إنْسانيّةٍ، وتجرّدَ مِنْ كُلِّ حقّ كَفِلَتْهُ المُعاهداتُ الدّوليّةُ في مُعامَلَةِ الأسرى.
لا تخبرْ أُمّي بأحوالِ الأسرى المرضى، الّذين غَزا الدّاءُ أجسامَهم، وَهُم يُصارعونَ عذاباتِ السّجنِ، وقهرَ السّجّانِ...، وَيَدفعونَ الموتَ، ويقهرونَ المَرَضَ، فينتصرونَ على مِحنتِهم الّتي أرادَها السّجّانُ لهم مثوًى.
قلْ لها: ما زلتُ على بُعدِ ثلاثينَ باباً من البيتِ، أدنو منهُ كلّما طارَ طائرُ الشّوقِ، واشتعلتِ النّارُ في عينيّ، وَلَسَعَتني الأسْلاكُ من بينِ أضلاعِكِ، ونالني فَضلُ دُعائِكِ في الصّلواتِ الخمسِ: (اللهمّ فُكَّ أسرَهم واربِطْ على قُلوبِهِم الصّبرَ والسُّلوانَ).