شرح الموضوع
تعريف بأدب الرحلات وبابن بطوطة، ومقاطع من رحلته عن غزة والخليل والقدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة وعسقلان والرملة ونابلس وعكا.
من رحلة ابن بطوطة
ثمّ سِرنا حتّى وصلنا إلى مدينة غزة، وهي أوّل بلاد الشّام مما يلي مصر، متّسعة الأقطار، كثيرة العمارة، حسنة الأسواق...
أدب الرّحلات
هو واحدٌ من روائع أجناس العمل الأدبي؛ لأنه يوثّقُ كل ما صادفه الرّحالة في رحلاته؛ ويصف الأماكن التّي زارها بدقّة، ويرصد عاداتِ الشعوب وحياتَهم، وينقل المواقف الّتي تعرض لها خلال حلّه وترحاله، والمغامرات الّتي مرّ بها.
وتعدّ كتب الأدب الخاصة بالرّحلات مراجعَ جغرافيّةً وتاريخيّةً وثقافيّةً واجتماعيّةً مهمّةً؛ لأنّها تُتيحُ لقارىء هذه الكتب فرصة معايشة الأقوام الّذين سبقوه بعوائدهم، وأنماطِ حياتهم، وأساليب معيشتهم، فهي بمنزلة مشاهد مصورة بالكلمات بدلاً من العدسات، خاصة إذا امتلك الكاتب أسلوباً أدبياً مشوِّقاً في الكتابة.
ابن بَطّوطة (١٣٠٤ - ١٣٧٧م)
هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم الطّنجي، أبو عبد اللّه، ابن بطّوطة، رحّالة ومؤرّخ، ولد في طنجة في المغرب الأقصى، وفيها نشأ.
خرج من طنجة سنة ١٣٢٥م، فطاف بلاد المغرب، ومصر، والشّام، والحجاز، والعراق، وفارس، واليمن، وغيرها، واتّصل بكثير من الملوك والأمراء، فمدحهم، وكان ينظم الشّعر، فاستعان بهباتهم على أسفاره.
وعندما عاد إلى المغرب أملى أخبار رحلته على ((محمّد بن جُزيّ الكلبيّ)) بمدينة فاس، وسمّاها (تحفة النّظّار في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار)، وقد تُرجم إلى لغات عدّة منها: الإنجليزيّة، والفرنسيّة...وغيرهما.
وقد استغرقت رحلته سبعة وعشرين عاماً، ١٣٢٥- ١٣٥٢م، ومات في مرّاكش.
غزة والخليل وبيت المقدس
«... ثمّ سِرنا حتّى وصلنا إلى مدينة غزة، وهي أوّل بلاد الشّام مما يلي مصر، متّسعة الأقطار، كثيرة العمارة، حسنة الأسواق، بها المساجد العديدة والسّورُ عليها، وكان بها مسجدٌ جامعٌ حَسنٌ، وهو أنيقُ البناءِ، محكم الصّنعة، ومنبره من الرّخامِ الأبيض.
وقاضي غزة بدر الدين السّلختيّ الحورانيّ، ومدرّسها عَلمُ الدّين بن سالم، وبنو سالم كُبراء هذه المدينة، ومنهم شمس الدّين قاضي القدس.
ثمّ سافرتُ من غزّة إلى مدينة الخليل، صلّى اللّه على نبيّنا وعليه وسلّم تسليماً، وهي مدينة صغيرةُ السّاحة، كبيرةُ المقدار، مُشرقةُ الأنوار، حَسنةُ المنظر، عجيبة المَخْبَر، في بطن وادٍ، ومسجدُها أنيقُ الصّنعة، مُحكمُ العمل، بديعُ الحُسن، سامي الارتفاع، مبنيٌّ بالصّخر المنحوت، في أحد أركانه صخرةٌ، أحد أقطارها سبعة وثلاثون شبراً، ويُقال: إنّ سليمان-عليه السّلام- أمر الجنّ ببنائه، وفي داخل المسجد الغار المكرّم المقدس، وفي هذا المسجد ثلاثةُ قبور: قبرُ إبراهيمَ، وقبرُ إسحاقَ، وقبرُ يعقوبَ،- صلوات اللّه على نبيّنا وعليهم-، ويقابلها قبورٌ ثلاثة، وهي قبور أزواجهم.
ثم سافرتُ من هذه المدينة إلى القدس، فزُرت في طريقي إليه تربة يونس -عليه السّلام-، وعليها بَنيّة كبيرة ومسجد، وزرت -أيضاً- بيتَ لحم، موضعَ ميلادِ عيسى، عليه السلام، وبه أثرُ جذع النّخلة، وعليه عمارة كثيرة، والنّصارى يعظّمونه أشدّ تعظيم، ويُضيِّفون من نزل به.
ثمّ وصلْنا إلى بيت المقدس -شرّفه اللّه- ثالثِ الحرمين الشريفين في رتبة الفَضل، ومصعدِ رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم تسليماً، ومَعرجِه إلى السّماء، والبلدةُ كبيرةٌ مُنيفةٌ بالصّخر المنحوت، ولها السورُ العظيمُ، وكان الملكُ الصّالح الفاضل صلاح الدّين بن أيوب، جزاه اللّه عن الإسلام خيراً، لَمّا فتح هذه المدينة هَدَمَ منها السّورَ بعضَه، ثم استنقض الملكُ الظّاهرُ هَدمَهُ؛ خوفاً من أن يقصدها الرّوم فَيَتمَنَّعوا بها، ولم يكن بهذه المدينة نهرٌ فيما تقدم، وجَلبَ لها الماء في هذا العهد الأميرُ سيف الدّين تنكيز أميرُ دمشق».
ذِكرُ المسجد المقدّس
«... وهو من المساجد العجيبة الفائقة الحُسن، يقال: إنّه ليس على وجه الأرض مسجدٌ أكبر منه، وطولُه من شرق إلى غرب سبعمئة واثنتان وخمسون ذراعاً، بالذّراع المالكيّة، وعرضه من القبلة إلى الجَوْف أربعمئة ذراع وخمسة وثلاثون ذراعاً، وله أبواب كثيرة في جهاته الثّلاث، وأما الجهة القبليّة منه فلا أعلمُ بها إلاّ باباً واحداً، وهو الّذي يدخل منه الإمام.
والمسجد كلّه فضاء وغير مُسقّفٍ إلا المسجد الأقصى، فهو مُسقّف في النهاية، وهو من إحكام العمل وإتقان الصّنعة، مُمَوَّه بالذّهب والأصبغة الرّائقة، وفي المسجد مواضع سواه مسقّفة».
ذكر قبّة الصّخرة
«... وهي من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلاً، قد توفّر حظّها من المحاسن، وأخذت من كل بديعةٍ بطَرَف، وهي قائمة على نَشَز في وسط المسجد، يُصعد إليها في درج رخام، ولها أربعة أبواب، والدّائر بها مفروش بالرخام -أيضاً- مُحكم الصّنعة، وكذلك داخلها، وفي ظاهرها وباطنها من أنواع الزواقة ورائق الصنعة ما يُعجز الواصف، وأكثر ذلك مُغَشّى بالذّهب، فهي تتلألأ نوراً وتلمع لمعان البرق، يَحار بصرُ متأمِّلها في محاسنها، ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها».
عسقلان والرملة ونابلس وعكا
«... ثمّ سافرت من القدس الشّريف برسم زيارة ثغرِ عسقلان، وهو خراب قد عاد رسوماً طامسة وأطلالاً دارسةً، وقَلّ بلدٌ جمع من المحاسن ما جمعته عسقلان إتقاناً وحسن وضع، وأصالة مكان، وجمعاً بين مرافق البرّ والبحر».
«ثمّ سافرت منها إلى الرّملة، وهي مدينة كبيرة كثيرة الخيرات، حسنة الأسواق، وبها الجامع الأبيض، ويقال: إنّ في قبلته ثلاثمائة من الأنبياء، مدفونين، عليهم السّلام، وفيها من كبار الفقهاء مجدُ الدّين النابلسي».
«ثمّ خرجت منها إلى نابُلسَ، وهي مدينة عظيمةٌ كثيرةُ الأشجارِ، مُطَّردةُ الأنهار، من أكثر بلاد الشّام زيتوناً، ومنها يُحمل الزّيت إلى مصر ودمشق، وبها تُصنع حلواء الخروب، وتُجلب من دمشق وغيرها، وكيفيّة عملها: أن يُطبخ الخرّوب، ثم يُعصر ويؤخذ ما يخرجُ منه من الرُّب فتُصنع منه الحلواء، ويُجلب ذلك الرُّب -أيضاً- إلى مصر والشام، وبها البِطّيخُ المنسوب إليها، وهو طيّبٌ عجيبٌ؛ والمسجدُ الجامعُ في نهاية من الإتقان والحُسن، وفي وسطه بركة ماء عذب».
ثم سافرتُ على السّاحلِ، فوصلتُ إلى مدينةِ عكّا، وهي خرابٌ وكانت عكا قاعدة بلادِ الإفرنج بالشّام، ومرسى سفنهم، وبشرقيّها عينُ ماءٍ تُعرَفُ بعين البقر، يقال: إنّ اللّه تعالى أخرج منها البقر لآدم، عليه السلام، ويُنزَلُ إليها في درج، وكان عليها مسجدٌ بقي منه مِحرابُه، وبهذه المدينة قبر صالح، عليه السّلام.
القواعد — ثالثاً: البَدَل
نقرأ الأمثلة الآتية، ونتأمّل فيما تحته خط:
المجموعة الأولى:
- أ. تميّز القائدُ صلاحُ الدين بخططه العسكرية في المعارك.
- ب. إنَّ الأميرَ تَنْكيزَ هو من جلب الماء إلى القدس.
- ج. قصيدةُ (حمزة) للشّاعرة فدوى طوقان.
- د. آية من سورة الإسراء (الآية ٩)، والبدل فيها كلمة (القرآن) بعد اسم الإشارة، وتُقرأ الآية من المصحف.
المجموعة الثانية:
- أ. عَلتِ القلعةُ أسوارُها.
- ب. قرأَ الطّلبةُ القصّة نصفَها.
- ج. أبدع الأمويون في بناء الصّخرة قبّتَها.
المجموعة الثالثة:
- أ. أَتْحَفَنا الطائرُ شدوُه.
- ب. شممتُ الوردةَ رائحتَها.
- ج. أُعجبتْ سُهادُ بالمعلمةِ خَطِّها.
المجموعة الرّابعة:
- أ. زار ابن بطّوطة المدنَ الفلسطينية: غزةَ، والخليلَ، وبيتَ لحم، والقدسَ، واللّدَ.
- ب. الكلمة ثلاثة أقسام: اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ.
- ج. فَزِعَ النّاسُ من خطر تلوث المدينة: مائِها، وهوائِها، وطعامِها.
إذا عُدنا إلى أمثلة المجموعة الأولى، حيث الكلماتُ المخطوطُ تحتها وهي: (صلاحُ، تنكيزُ، فدوى، القرآن) وجدنا كُلاً منها تابعاً لما قبلها في إعرابه؛ رفعاً، أو نصباً، أو جرّاً. وأن هذه الأسماء المخطوط تحتها هي ذاتُ الأسماءِ الّتي قبلها، ولذلك اعتبرتْ بدلاً مما قبلها، وعليه فقد عَدَّ النّحاة البدل من باب التوابع؛ وذلك لتبعيته لما قبله في إعرابه. وهذا النّوع من البدل يسمّى البدل المطابق أو بدل الكل من الكل.
وإذا تدبّرنا أمثلة المجموعة الثّانية وجدنا الكلمات المخطوط تحتها تابعة لما قبلها في حركة إعرابها، وأنّها بدل من المبدل منه قبلها، وأن هذا البدل إنما هو بعض من المبدل منه؛ ولذلك سُمّي هذا النوع من البدل بَدَلَ الجزء من الكل، أو بَدَلَ بعضٍ من كل.
وإذا تدبّرنا أمثلة المجموعة الثالثة، وجدنا الكلمات المخطوط تحتها تابعة لما قبلها في حركة إعرابها، وأنها بدل من المبدل منه قبلها، وأنّ هذا البدل إنّما هو من مكوّنات المبدل منه قبلها، أو مما اشتمل عليه المبدل منه، ولذلك سُمّي هذا النّوع من البدل بدل الاشتمال.
وإذا تأملنا أمثلة المجموعة الرّابعة من الكلمات المخطوط تحتها، وجدناها تابعة لما قبلها في حركة إعرابها، وأنّها تفصيل لما سبقها من مجمل المبدل منه. إذ إنّ غزةَ، والخليلَ، وبيت لحم، والقدس، واللّد، هي المدن الفلسطينية الّتي زارها ابن بطّوطة. كما أنّ الاسم والفعل والحرف هي أقسام الكلام، وكذا يقال عمّا في المثال الأخير؛ لذا سُمّي هذا النّوع من البدل بدل التّفصيل.
نستنتج: البدل: تابع يُذكر بعد اسمٍ قبله يوضّحه، ويبيّنُ مقصودَه ويتبعه في حكمه الإعرابي: رفعاً، ونصباً، وجرّاً، وهو أنواعٌ: البدلُ المطابق، وبدل بعض من كل، وبدل الاشتمال، وبدل التّفصيل.