تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تابعنا على تيليجرامانضم

بكاء طفل

الوحدة الرابعة · اللغة العربية

آخر تحديث:

محتويات الموضوع (٦)

شرح الموضوع

نصّ مي زيادة «بكاء طفل» وقصيدة المتنبّي «واحرّ قلباه» ودرس العطف: أحرفه ومعانيه.

بكاء طفل

سمعتُ الطّفلَ يضحك فاختلجتْ روحي الأثيريّةُ في جسدي الترابيّ. إنَّ صوتَ هذا الرّضيع ليرجِّعُ صدى أصواتِ الملائكة...

بين يدي النّصّ: ماري إلياس زيادة

ماري إلياس زيادة (١٨٨٦-١٩٤١م): أديبة وكاتبة وباحثة، تُعرف باسم مي زيادة، وُلِدَتْ في مدينة الناصرة، وعاشت في لبنان. أتقنت عدّة لغات منها: اللّغة الفرنسية والإنجليزيّة والإيطاليّة والألمانيّة، وامتازت بسعة أفقها، ورصانة أسلوبها، وجمال لغتها. نشرت مقالات وأبحاثاً في كبريات الصّحف والمجلات المصريّة، منها: المقطم، والأهرام، والهلال، وغيرها. لها مجموعة مؤلّفات منها: (مدّ وجزر)، (كلمات وإشارات)، (باحثة البادية)، (ظلمات وأشعة) ومنه اقتبس هذا النّصّ.

بُكاءُ طفلٍ (مي زيادة، بتصرف)

سمعتُ الطّفلَ يضحك فاختلجتْ روحي الأثيريّةُ في جسدي الترابيّ. إنَّ صوتَ هذا الرّضيع ليرجِّعُ صدى أصواتِ الملائكة، وضَحْكتَهُ البريئةَ المطربةَ لَتحثُّ المفكرَ على استكناهِ الأسرارِ الأزليّةِ الغامضة.

ثُمَّ سمعتُ الطّفلَ يبكي فهلعَ قلبي فَرَقاً، وشعرتُ بشيءٍ كبيرٍ يذوبُ فيه، أوّاهُ من بُكاءِ الأطفال، إنَّه أشدُّ إيلاماً مِنْ بُكاءِ الرّجال!

سمعتُ الطّفلَ يبكي، ورأيتُ العَبَراتِ تتحدَّرُ على وجنتيهِ الورديتين، فكانتْ تلك اللآلئُ الذّائبةُ جمراتِ نارِ تكويني.

ظلَّ الطّفلُ يبكي، ودلائلُ العجزِ واليأسِ بادية على مُحيّاهُ الوسيم، ظلَّ يبكي بكاءَ متروكٍ مُنفرد لا يحبُّهُ في الدّنيا أحد. الطّفلُ الحبيبُ يبكي. فكيف أُعيدُ التّألّقَ إلى عينيه؟

ضممتُهُ إليَّ بذراعيَّ اللّتين لَم تضمّا يوماً أخاً أو أختاً صغيرة، وأجلستُهُ على رُكبتيَّ حيثُ لا يجلسُ سِوى الأطفالِ الغُرباء، ورفعتُ عقاربَ شَعرهِ عن جبهتهِ الطّاهرةِ بيَدٍ ترتجفُ كأنّما هي تلمسُ شيئاً مُقدّساً.

... ثُمَّ وضعتُ على تلكَ الجبهةِ شَفتيَّ ساكبةً في قُبْلَةٍ كُلَّ ما يحومُ في جَناني من شفقةٍ وانعطاف. تُرى مَنْ ذا الّذي يُنبِّهُ الانعطافَ والشَّفقةَ بمقدارِ ما يفعلُ الطِّفلُ الباكي؟

صمتَ الطِّفلُ حائراً؛ لأنَّهُ شَعَرَ بأنَّ روحاً تُناجي روحه، صمتَ هُنيهةً، ثُمَّ عاد فحدَّقَ فيَّ بعينينِ مِلؤهُما الحُزنُ والتَّعنيفُ مَعاً. أتعرفونَ كيفَ تحزنُ عُيونُ الأطفالِ؟ أتعلمونَ كيفَ تُعنِّفُ أحداقُ الصِّغار؟ حدَّقَ فيَّ سائلاً عَن أعزِّ عزيزٍ لديهِ، وقالَ بصوتٍ هادئٍ كأصواتِ الحُكَماء: ماما، ماما! صغيرُكِ يُناديكِ فلماذا لا تُجيبين، يا أُمَّ الصّغير؟ لَستِ بالعليلةِ؛ لأنّي رأيتُكِ مُنذُ حينٍ تميسينَ بقدِّكِ تحتَ قُبعتكِ، والجواهرُ تُطوِّقُ العنقَ مِنكِ. أنتِ صحيحةُ الجسمِ، فلماذا لا تُسرعين؟ ألا تَحرقُكِ دموعُ الطِّفلِ الّذي لا تَرَيْن؟ ألا يوجعكِ الشَّهيقُ الّذي لا تَسمعين؟

عودي من نُزهاتكِ الطّويلة، وزياراتكِ العديدة، وأحاديثكِ السَّخيفة، عودي واركعي أمامَ الصَّغيرِ واستميحيهِ عَفواً.

لقد خُلِقتِ امرأةً قبلَ أنْ تكوني حَسناء، وكيَّفَتْكِ الطّبيعةُ أُمّاً قبلَ أنْ يجعلكِ الاجتماعُ زائرة.

تعالَي وانحني أمامَ السّريرِ، سريرِ الصّغير! اسجدي أمامَ هذا المَهدِ الّذي لعبتِ بين ستائرهِ طِفلةً، وحَلُمْتِ بهِ فتاةً، وانتظرتهِ زوجةً، فما خَجِلْتِ أنْ تُهمليهِ أُمّاً؟!

اسجدي أمامَ المهدِ، فإنَّ المهدَ مَحَجَّتُكِ القُصوى، اسجدي أمامَ السّريرِ، ولا تَدعي رَبَّ السّريرِ يَبكي؛ لِئَلّا تَملأَ قلبَهُ مرارةُ الوَحدةِ، حتى إذا ما شبَّ رجلاً تحولتِ المرارةُ كُرهاً وصرامةً.

اسجدي أمامَ السّريرِ، وناغي الصّغير، إنَّ دموعَ الأطفالِ لَأَشدُّ إيلاماً من دُموعِ الرّجال.

النّصّ الشّعري: بين يدي النّصّ (أبو الطّيّب المتنبّي)

أبو الطّيّب المتنبّي (٩١٥-٩٦٥م): أحمد بن الحسين، شاعر عباسيّ، وُلِدَ في كِنْدة بالكوفة، ونشأ في البادية وتعلّم فيها الفصاحة، ثمّ اتّصل بسيف الدّولة الحَمْدانيّ أمير حَلَب، ورافقه في حِلّه وترحاله، وبلغ عنده منزلةً أَوْغَرَتْ صدورَ حُسّاده، حتّى حاولوا الإيقاع بينه وبين الأمير، ففارَقَ سيفَ الدّولة، وبعد أنّ فترت العلاقةُ بينهما، اشتاقَ المتنبّي إليه، فنظم هذه القصيدة يعاتبه فيها عتاباً رقيقاً، مفتخراً بنفسه؛ حتّى لا يظنّ أحدهم أنّه طامعٌ بالمكاسب والمنافع منه.

واحرّ قلباه (أبو الطّيّب المتنبّي)

  1. واحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّن قلبُهُ شَبِمُ ... ومَن بجسمي وحالي عِندَهُ سَقَمُ
  1. مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قد بَرى جَسَدي ... وتَدَّعي حُبَّ سيفِ الدَّولةِ الأُمَمُ
  1. يا أعدلَ الناسِ إلّا في مُعامَلَتي ... فيكَ الخِصامُ وأنتَ الخصمُ والحَكَمُ
  1. وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بناظِرِهِ ... إذا استوتْ عِندَهُ الأنوارُ والظُّلَمُ
  1. يا مَن يعِزُّ علينا أن نُفارِقَهُمْ ... وجدانُنا كلَّ شيءٍ بعدكم عَدَمُ
  1. هذا عِتابُكَ إلّا أنَّهُ مِقَةٌ ... قد ضُمِّنَ الدُّرُّ إلّا أنَّهُ كَلِمُ
  1. ومُرهَفٍ سِرْتُ بينَ الجَحفلَيْنِ بِهِ ... حتّى ضَرَبتُ وموجُ الموتِ يلتطِمُ
  1. أنا الّذي نَظَرَ الأعمى إلى أدَبي ... وأَسْمَعَتْ كلِماتي مَنْ بِهِ صَمَمُ
  1. أنامُ مِلءَ جُفوني عن شَوارِدِها ... ويَسهَرُ الخَلْقُ جرّاها ويختصِمُ
  1. فالخيلُ واللّيلُ والبَيداءُ تعرفُني ... والسّيفُ والرُّمحُ والقِرطاسُ والقلَمُ
  1. سيَعلَمُ الجمعُ ممَّن ضَمَّ مَجلِسُنا ... بأنَّني خيرُ مَنْ تسعى بِهِ قَدَمُ
  1. ما أبعدَ العيبَ والنُّقصانَ عن شَرَفي ... أنا الثُّرَيّا وذانِ الشَّيبُ والهَرَمُ
  1. إنْ كانَ سرَّكُمُ ما قالَ حاسِدُنا ... فما لِجُرحٍ إذا أرضاكُمُ أَلَمُ
  1. إذا نَظَرْتَ نُيوبَ اللَّيثِ بارِزَةً ... فلا تَظُنَّنَّ أنَّ اللَّيثَ يبتسمُ
  1. شَرُّ البِلادِ بِلادٌ لا صَديقَ بِها ... وشَرُّ ما يكسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ

المصدر: ديوان المتنبّي، شرح العكبري، ج٣، ص ٣٦٢-٣٧٤.

القواعد — رابعاً: العطف

نتأمّل الأمثلة الآتية:

  1. فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفُني ... والسّيفُ والرُّمحُ والقرطاسُ والقلمُ (المتنبّي)
  1. آية من سورة عبس (الآية ٢١) (تُقرأ من المصحف).
  1. آية من سورة الروم (الآية ١١) (تُقرأ من المصحف).
  1. ينجحُ المثابرُ لا الكسولُ.
  1. لا تُصاحبِ المُهْمِلينَ، بل المُجْتهدِينَ.
  1. زُرني السّاعةَ الرّابعةَ أو الخامسةَ.
  1. أسعدٌ سافر أمْ خالدٌ؟

إذا تأملنا كلَّ كلمة بعد حرف العطف، نجدها قد جاءت مماثلة لما قبله في إعرابها.

فكلمة (اللّيل) في المثال الأول مرفوعة، كما هو الحال في كلمة (الخيل)، وكذلك كلمة (البيداء) جاءت مماثلة لما قبلها في الرّفع (اللّيل)؛ لأنها عُطفتْ عليه بحرف العطف الواو الّذي أفاد الجمع أو المشاركة بين المعطوف عليه والمعطوف.

وجملة (فَأَقْبَرَهُ) في المثال الثّاني، جاءت معطوفة على جملة (أَمَاتَهُ) بحرف العطف الفاء الّذي أفاد التّرتيب والتّعقيب.

وكلمة (يُعيدُ) في المثال الثالث جاءت مرفوعة؛ لأنها قد عُطفت على المرفوع السّابق لها (يَبْدَؤُا) بحرف العطف (ثُمَّ) الذي أفاد التّرتيب والتّراخي.

وكلمة (الكسول) في المثال الرّابع، جاءت مشاركة لما قبلها في الإعراب، وليس المعنى، وأفادت (لا) النّفي.

وكلمة (المجتهدين) في المثال الخامس جاءت منصوبة؛ لأنها عُطفت على الاسم المنصوب (المُهْمِلينَ) قبلها بحرف العطف (بل) الواقع بعد نهي، الذي يفيدُ معنى الإضراب.

وكلمة (الخامسة) في المثال السّادس، جاءت معطوفة على الكلمة الّتي سبقتها (الرابعة) بحرف العطف (أو) الّذي يفيد التّخيير.

وكلمة (خالدٌ) في المثال السّابع، جاءت مرفوعة بالعطف على كلمة (سعدٌ)، بحرف العطف (أم) الذي أفاد التّعيين.

ونلاحظ أن كل حرف من حروف العطف السّابقة قد تميّز بمعنًى خاصٍّ به من خلال استعماله في الجملة.

نستنتج: العطف: تابعٌ توسّط بينه وبين متبوعه أحد أحرف العطف، منها: (الواو، الفاء، ثمّ، لا، بل، أم، أو، ...). ووظيفة أحرف العطف هذه أن تعطف ما بعدها (المعطوف) على ما قبلها (المعطوف عليه) في الإعراب، ولأحرف العطف معانٍ مفصّلة في كتب النّحو، منها:

الواو: تفيد الجمع والمشاركة، الفاء: التّرتيب والتّعقيب، ثمّ: التّرتيب والتّراخي،

لا: النّفي، بل: الإضراب، أو: التّخيير، أم: التّعيين.

تعريفات أساسية

اختلجتْ

تحرّكت واضطربت.

الأثير

الوسط الفضائيّ.

استكناهِ

معرفة كُنْهِ الشيء وسرّه.

الأزليّة

الأبديّة.

فهلعَ قلبي فَرَقاً

اضطرب خوفاً.

أوّاهُ

اسم فعل مضارع بمعنى (أتوجَّعُ).

تحدُّرُ العَبَرات

انهمار الدموع.

التّألّقَ

اللّمعان.

عقاربَ شَعرِه

خصلات شعره.

تُناجي

تخاطب سرّاً.

هُنيهةً

مدّة قصيرة.

التّعنيفُ

اللوم بغلظة وشدّة.

معاينة موضوع «بكاء طفل» من وحدة «الوحدة الرابعة» في مادة اللغة العربية. أقسام الشرح: ٦، التعريفات: ١٢.

المصدر: وزارة التربية والتعليم، بكاء طفل (ص ٤٧–٥٦)

تابع الدراسة