شرح الموضوع
قصيدة لحسّان بن ثابت رضي الله عنه من البحر الطويل، قالها بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم، يصف فيها آثار طيبة وقبر الرسول وحزن الصحابة وفراغ الوفاة.
بين يدي النّص
(حسّان بن ثابت رضي الله عنه)
حسّانُ بنُ ثابتِ بنِ المُنْذِرِ الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ، أحد الشّعراء المُخَضْرَمين، الّذين أدركوا الجاهليّةَ والإسلام؛ إذْ عاشَ نَحْوَ ستّينَ سنةً في الجاهليّة، ومثلها في الإسلام، وقد اتّصل بالغساسنةِ قبل البعثة، ومدحهم، فأغْدقوا عليه العطايا، وكان يعتزّ بهم؛ لأنّهم أخواله.
أوقفَ حسّانُ -رضيَ الله عنه- شعرَه بعد إسلامه على نُصْرة الدَّعوة الإسلاميَّة، والذَّوْدِ عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وكانت وفاته سنة أرْبعٍ وخمسينَ للهجرة، في عهد معاويةَ بنِ أبي سفيان، وهذه الأبيات مقتبسةٌ من قصيدةٍ له قالها بعد وفاة النّبي -صلّى الله عليه وسلّم.
وفيها يقفُ الشّاعر، وقد انهالت دموعهُ، ودموعُ الصّحابة على فقد الرّسول الكريم، -صلّى الله عليه وسلّم- وقد صوّر المشهد الحزين الّذي خيَّمَ على المدينةِ وقاطنيها من المهاجرينَ والأنصار، كما بيّن الأثر الّذي تركه رحيلُ الرّسولِ -صلّى الله عليه وسلّم.
بِطَيْبَةَ (البحر الطّويل)
- بِطَيْبَةَ رَسْمٌ لِلرَّسولِ ومَعْهَدُ ... مُنيرٌ، وقد تَعفو الرُّسومُ وتَهْمَدُ
- ولا تَنْمَحي الآياتُ مِن دارِ حُرْمَةٍ ... بها مِنْبَرُ الهادي الذي كانَ يَصْعَدُ
- وواضِحُ آياتٍ، وباقي مَعالِمٍ ... ورَبْعٌ لَهُ فيهِ مُصَلًّى ومَسْجِدُ
- بها حُجُراتٌ كانَ يَنْزِلُ وَسْطَها ... مِنَ اللهِ نورٌ يُسْتضاءُ، ويوقَدُ
- معالِمُ لَم تُطْمَسْ عَلى العَهْدِ آيُها ... أتاها البِلى، فالآيُ مِنْها تَجَدَّدُ
- فَبورِكْتَ، يا قَبْرَ الرَّسولِ، وبورِكَتْ ... بِلادٌ ثَوى فيها الرَّشيدُ المُسَدَّدُ
- تَهيلُ عَلَيْهِ التُّرْبَ أيدٍ وأعْيُنٌ ... عَلَيْهِ، وقَدْ غارَتْ بِذلكَ أسْعُدُ
- لقد غَيَّبوا حِلْماً وعِلْماً ورَحْمَةً ... عَشيَّةَ عَلَّوْهُ الثَّرى لا يُوَسَّدُ
- وراحوا بِحُزْنٍ ليسَ فيهِمْ نَبِيُّهُمْ ... وقد وَهَنَتْ مِنْهُمْ ظُهورٌ وأعْضُدُ
- وهلْ عَدَلَتْ يوماً رَزِيَّةُ هالِكٍ ... رَزِيَّةَ يومٍ ماتَ فيهِ محمَّدُ؟
- تَقَطَّعَ فيهِ مَنْزِلُ الوحْيِ عنهُمُ ... وقد كانَ ذا نورٍ، يَغورُ ويُنْجِدُ
- فَبَيْنا هُمُ في نعمةِ اللهِ بينهُمْ ... دليلٌ بهِ نَهْجُ الطَّريقةِ يُقْصَدُ
- عزيزٌ عليهِ أنْ يَحيدوا عنِ الهُدى ... حريصٌ على أنْ يَسْتقيموا ويَهتدوا
- عَطوفٌ عليهِمْ، لا يُثْني جَناحَهُ ... إلى كَنَفٍ يَحنو عليهم ويَمْهَدُ
- فأصبحَ محموداً إلى اللهِ راجعاً ... يُبَكّيهِ جَفْنُ المُرْسَلاتِ ويَحْمَدُ
- وما فَقَدَ الماضونَ مِثلَ محمَّدٍ ... ولا مِثلَهُ، حتّى القيامةِ، يُفقَدُ