شرح الموضوع
نص قرائي عن معنى الإعلام وفرقه عن التعليم، وتطور وسائله من الشواخص والخطب والمنشورات المكتوبة إلى الصحافة والوكالات والمذياع والتلفاز والإعلام الجديد، ودور الإعلام الحر في نقل مظالم الشعب الفلسطيني.
الإعلام ماضياً وحاضراً
كلمةُ الإعلام مُشتقّةٌ مِنَ الجذر الثُّلاثيّ (عَلِمَ)، ومعنى الإعلام: معرفةُ الشّيءِ على حقيقته؛ أي أنَّ الإعلام مأخوذٌ من العِلْم، وليس مِنَ التَّعليم، وإنْ كانَ ثمَّ مَنْ يرى أنّهما شَيْءٌ واحد، بَيْدَ أنَّ الفَرْقَ بين الإعلام والتَّعليم يتَّضح إذا عرفنا ماهيّةَ كلٍّ منهما؛ فالإعلامُ خَبَرٌ يُنشَر، ليَعلمَ النّاسُ به، أمّا التَّعليمُ فهو إخبارٌ بعلمٍ يتعلَّمونه.
والإعلامُ بمفهومه العامِّ يعني: إيصالَ معلومةٍ إلى المتلقّي لِهَدَفٍ مُعيَّن، بأسلوبٍ يَخْدِمُ ذلكَ الهَدَف، ويُتَوقَّعُ مِنْهُ أنْ يؤثِّرَ في المُتلقّي، ويُغيِّرَ مِنْ رُدودِ فِعْلِه، وكُلَّما سما الهَدَفُ والأُسلوب كانَ الإعلامُ عاملَ بناءٍ ونهوضٍ في المُجتمع، وإلّا كانَ عاملَ هَدْم.
لَقَدْ فاقَ الإعلامُ اليومَ الوسائلَ الإعلاميَّةَ البُدائيَّةَ المُتَداوَلةَ مِنْ قَبْلُ، والوسائلَ الّتي كانت تحمله على اختلافِ أنواعِها، فأصبحَ إعلاماً سريعاً مُعَزَّزاً بالصّورة والصَّوتِ، منقولاً إلى الآخرين، ومحمولاً على أجنحةٍ أسرعَ مِنَ البَرْق.
ولَمّا كان الإعلامُ من مستلزمات كلِّ أمّةٍ مِنَ الأمم على مَرِّ العُصور، وضرورةً لتبليغ الجُمهور بالحقائق، والمعلوماتِ والبياناتِ، والقراراتِ، والأحكامِ ذاتِ العلاقة بالمجتمع وقضاياهُ المصيريّة، وخاصةً في الصِّراعاتِ الدَّوْليّة؛ فقدْ نالَ اهتمامَ الدُّوَل، وغدا السُّلطةَ الرّابعةَ فيها، بعد السُّلطات التَّشريعيّة، والقضائيّة، والتَّنفيذيّة.
لَقَدْ كانتِ الرُّسومُ والنُّصوصُ المنقوشةُ على الشّواهدِ الحجريّة، أو جُدرانِ الكُهوفِ، والمعابدِ، والمدافِنِ، والشَّواخِصِ في الأماكنِ العامّة، أوِ الرُّسومُ المكتوبةُ على وَرَقِ البَرْدِيِّ، والرِّقاعِ الجِلديَّة، والحجارةِ الرَّقيقةِ وغيرها، أو الخُطَبُ بأنواعِها؛ أداةً للاتِّصال، والتَّواصل، والتَّفاعُلِ بين الحاكمِ والرَّعيَّةِ في المجتمع، وكذلك بينَ الطَّبَقاتِ الاجتماعيَّةِ المختلفةِ فيه، كما وجدناهُ عِنْدَ الشُّعوبِ القديمةِ كالفراعنة، والإغريق، والرّومانِ، والفُرْس، والعَرَب.
ثُمَّ تطوَّرَ الجهازُ الإعلاميُّ مَعَ تَطَوُّرِ المجتمعاتِ الإنسانيّة، فكراً وأدواتٍ، في عصرِ النَّهْضَةِ والتّنوير في أوروبا، وخاصَّةً في الحِقَبِ الاحتلاليَّةِ الاستعماريَّةِ الغربيَّةِ المتتابِعة، وارْتَقَتْ تقْنياتُها في عَصْرِ الثَّورةِ الصِّناعيّة؛ إذْ بدأ الإعلامُ في الغَرْبِ خُطُواتِهِ الأولى بوسائلَ بُدائيَّةٍ، كانَ أوّلَها المنشوراتُ الإخباريَّةُ المكتوبةُ بخطِّ اليد الّتي تُغطّي أبرزَ أخبارِ المدينةِ الواحدة، مِنْ خلالِ تعليقِها في الأماكنِ العامَّةِ المُخَصَّصةِ لها. وبعدَ ظُهورِ المَطابعِ وانتشارِها، بدأتِ الصُّحفُ تظهرُ في جميعِ أنحاءِ العالَم، وتطوَّرت ونمتْ أساليبُها، وأشكالُها، وتقنياتُها الطِّباعيَّةُ تبعاً لتطوُّرِ الحياةِ العامَّة، ثُمَّ تحوَّلَتْ معَ الزَّمنِ إلى مؤسَّساتٍ إعلاميَّةٍ كبيرةٍ في بُلدانِها، وصار التَّنافُسُ فيما بينها شَرْطاً أساسيّاً لبقائِها واستمرارِها، كوكالةِ (رويترز)، و(أسوشيتد برس)، و(يونيتد برس)، وغيرِها، وكانَتِ الغايةُ مِنْ هذهِ الوكالاتِ التَّغطيةَ الإعلاميَّةَ، والنَّشرَ المُتواصِلَ، وتقديمَ البياناتِ للرَّأي العامِّ المَحلّيِّ والدَّوْلِيِّ، ومِنْ ثَمَّ صارتْ تضطلعُ ببناءِ علاقاتٍ ثقافيَّةٍ، واجتماعيَّةٍ، وسياسيَّةٍ، واقتصاديَّةٍ بينَ الأفرادِ والمجتمعاتِ والدُّولِ، وتؤثِّرُ فيها تأثيراً كبيراً.
ونظَراً لتطوُّرِ الحياةِ في العَصْرِ الحاضِر، ودخولِ وسائلِ الإعلامِ الجديدةِ إلى مُعْتَرَكِ الميدانِ الإعلاميِّ تِباعاً كالمِذْياعِ، والتِّلفازِ، ووسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ، ازدهرتِ الصَّحافةُ المقروءةُ، والمرئيَّةُ، والمسموعةُ، في البُلدانِ الغربيَّةِ وفي المَشْرِقِ العربيِّ، وسُنَّتْ لها القوانينُ الّتي تَحْكُمُ عَمَلَها وَفْقَ أنْظِمَةِ تلكَ الدُّولِ وتشريعاتِها.
ولَمّا كانَتِ المؤسَّسةُ الإعلاميَّةُ على هذا القَدْرِ مِنَ التَّأثيرِ في صُنّاعِ القرار؛ فقدْ تحوَّلَتْ إلى ضرورةٍ حياتيَّةٍ لا غِنىً عنها في المجتمعاتِ المعاصِرة، حيثُ صارتْ تَرْفَعُ أشخاصاً ومؤسَّساتٍ، وتَخْفِضُهمْ، ضِمْنَ شروطٍ ورُؤًى مُتحوِّلة.
ومَعَ انتشارِ تِكنولوجيا الإعلامِ الجديدِ في القرنِ الواحدِ والعِشرين، بمجالاتِه: المقروءةِ، والمرئيَّةِ، والمسموعةِ، وتطوُّرِ وسائلِ الاتِّصالِ السّلكيَّةِ واللاسلكيَّةِ، وازدهارِ شبكةِ التَّواصلِ الإلكترونيَّةِ، وشيوعِ أجهزةِ الاتِّصالِ السّريعةِ عبرَ الأقمارِ الصِّناعيَّةِ، وظهورِ الألواحِ الحاسوبيَّةِ، والهواتفِ الذَّكيَّةِ؛ تحوَّلَ العالمُ إلى قريةٍ صغيرة؛ إذْ بتْنا نعلمُ ما يقعُ من حوادثَ فورَ وقوعِها في جهاتِ العالَمِ الأربعة، وفي الفضاءِ الكونيِّ الرَّحيبِ خلالَ ثوانٍ.
وإنَّهُ لا يخفى على القاصي والدّاني ما قدَّمَهُ الإعلامُ الحُرُّ من خدمةٍ جليلةٍ في نقلِ مظالمِ الشَّعبِ الفلسطينيِّ إلى كلِّ أحرارِ العالَم، فما أكثرَ جرائمِ الاحتلالِ الّتي فضحها الإعلام! تلك الّتي ما عادت تخفى على أحد، وللّهِ درُّ شعبِنا الّذي يتجرَّعُ المآسي صباحَ مساء!
فكَمْ من صورةٍ تَعْدِلُ ألفَ كلمة، قدْ حَمَلَتْ ووثَّقَتْ مشهدَ قتلٍ، أو قمعٍ، أو هدمٍ، أو حرقٍ، بحقِّ شعبِنا الفلسطينيِّ الصّابرِ المُرابطِ المُحْتَسِب، أو مُمتلكاتِه، فلم تنلْ من ثباته، فأَكْرِمْ به من شعبٍ، ما زال قابِضاً على جَمْرِ التَّحدّي والإصرار والعزيمة أمام محتلٍّ فَقَدَ أسبابَ الإنسانيّة، وعزم على التّنكيل بالشَّجر والبشر والحجر! فأقْبِحْ به من محتلٍّ!
وهكذا، فقدْ تخطَّتِ المؤسَّساتُ الإعلاميَّةُ حدودَ الزَّمانِ والمكانِ، وما عادتِ الفواصلُ الجغرافيّة، والحدودُ الطّبيعيةُ، والفوارقُ الزَّمنيّةُ حائلاً دون انتشار الأخبار، والصُّور، والأفكار، وطقوسِ الثّقافاتِ المختلفة، وعليه فقد صارتِ الحاجةُ مُلِحَّةً لوضعِ الضّوابطِ الأخلاقيّة، والقانونيّةِ الجديدة؛ للتّحكّم في سيلِ التّدفّقِ الإعلاميّ الهائل، ولحمايةِ حرّيّةِ الأشخاصِ والجماعاتِ والمجتمعاتِ الإنسانيّةِ من فيروساتِ نقلِ المعلوماتِ التّخريبيّةِ، والبرامجِ الهدّامة، والجرائمِ الإلكترونيّةِ المختلفة، التي راحت تتفشّى في المجتمعاتِ الإنسانيّة مُهدِّدةً استقرارَها.