شرح الموضوع
نماذج من وصايا العرب وحكمهم وأمثالهم: تعريف بالوصية والحكمة والمثل، ووصية أم لابنها المسافر، وأبيات من حكم بشار بن برد، وثلاثة أمثال مع قصصها.
بين يدي النّص
١- الوصيّة: ما يتقدّمُ به الشّخصُ الموصي إلى غيرِه، من ولده، أو أهل بيته، أو عشيرته، يحثُّه على العمل بمقتضى ما وصّاه به، وغالباً ما تتضمّنُ الوصيّة وعظاً ونُصحاً للموصى له. وللوصيّة عناصرها الأربعة، وهي: الموصي، والموصى له، والوصيّة، ثمّ الوسيلة أو الأداة التي حملتِ الوصيّة (خطابٌ شفهيّ، أو مكتوب).
٢- الحِكمة: قولٌ بليغٌ صادرٌ عمّن أوتيَ حظّاً وافراً من تجارِبِ الحياةِ التي أهّلتْهُ لحُسْنِ التّصرّفِ، ووضعِ الأمورِ في نِصابِها.
٣- المَثَل: تعبيرٌ موجزٌ، بليغٌ، يُعبّرُ عن موقفٍ معيّنٍ، يُردِّدُه الناسُ في مواقفَ حياتيّةٍ مماثلةٍ للموقفِ الأوّلِ الّذي قيلَ فيه.
أولاً: الوصيّة — أمٌّ توصي ابنَها المسافر
عن الأصمعيّ قال: سمعتُ أعرابيةً توصي ابنها، وقد أراد سَفراً، فقالت له:
"يا بُنيّ، احفظْ وصيّتي، ومحِّضْ نصيحتي، وأنا أسأَلُ اللّه توفيقَه لك؛ فإنَّ قليلَ توفيقه لك أجدى عليك من كثير نُصحي.
يا بُنيّ، أوصيك بتقوى اللّه، وإيّاكَ والنّمائمَ؛ فإنّها تزرع الضّغائنَ، وتُنبتُ الشّحائنَ، وتفرّق بين المحبّين.
يا بُنيّ، إيّاك والبخلَ بمالك، والجودَ بعرضِك، والبذلَ لدينك؛ بل كُنْ بمالكَ جواداً، ولِعِرضِكَ صائناً، ولدينك موقياً.
يا بُنيّ، مَثِّلْ لنفسك ما تستحسنه من غيرك مثالاً، ثم اتّخذْه إماماً، وانظرْ إلى ما كرهتَه لغيرك، فاجْتَنِبْه، وَدَعْهُ.
واعلمْ يا بُنيّ، أنّ مَن جمع بين الحياء والسّخاء؛ فقد استجادَ الحُلّةَ إزارَها وردِاءَها". ثم أنشأتْ تقول:
صافِ الكرامَ وكُنْ لعِرضِك صائناً ... واعلمْ بأنَّ أخا الحفاظِ أخوكَ
النّاسُ ما استغنيتَ أنتَ أخوهُمُ ... فإذا افتقرتَ إليهمُ رفضوكَ
(أبو عليّ القالي: الأمالي، ج٢/ ص: ٧٩)
ثانياً: الحكمة — من حِكَمِ بشّار بن بُرد
إذا كُنتَ في كُلِّ الأمورِ مُعاتِباً ... صَديقَكَ لَمْ تَلْقَ الّذي لا تُعاتِبُهْ
فَعِشْ واحِداً أو صِلْ أخاكَ فإنَّهُ ... مُقارِفُ ذَنْبٍ مَرَّةً ومُجانِبُهْ
إذا أنتَ لَمْ تشرَبْ مِراراً على القذى ... ظَمِئتَ وأيُّ النّاسِ تَصفو مَشارِبُهْ
ثالثاً: المَثَل
١- إنْ كُنتَ ريحاً، فقدْ لاقيتَ إعصاراً. قال أبو عُبيدة: الإعصارُ ريحٌ تهبُّ شديدةً فيما بين السّماءِ والأرض. يُضرب هذا المثلُ للمُدِلِّ بنفسهِ، إذا صُلِيَ بمن هو أدهى منه، وأشدُّ. (مجمعُ الأمثال للميدانيّ، ج١، ص٣٠)
٢- رَجَعَ بِخُفّيْ حُنَيْنٍ. قالَ أبو عُبيدٍ: أصلُهُ أنَّ حُنيناً كانَ إسكافاً من أهلِ الحيرةِ، فأرادَ أعرابيٌّ شراءَ خُفّينِ مِنهُ، فاختلفا، وغضِبَ حنينٌ، وأضمرَ الشّرَّ للأعرابيِّ، فلمّا ارتحلَ الأعرابيُّ، ودخلَ الصّحراءَ، ذهبَ حنينٌ مسرعاً مُخْتَفِياً، ووضعَ أحدَ الخُفّينِ في طريقِ الأعرابيِّ، ووَضعَ الآخَرَ بعيداً عن الأوّلِ، ثمّ كَمَنَ.
فلمّا مرَّ الأعرابيُّ بالأوّلِ، قال: ما أشبهَ هذا بخفِّ حُنين! ولو كان معهُ الآخرُ؛ لأخذتُهما، ولمّا انتهى إلى الآخر، نزَلَ عن راحلتِه، وأخذه، وتركَ الرّاحلة، وعادَ ليأتيَ بالأوّلِ، فخرجَ حُنينٌ من مكمنِه، واستاقَ الراحلةَ بما عليها، فرجعَ الأعرابيُّ بالخفّينِ، ولم يجِدِ الرّاحلة. فَذَهَبَ إلى قومِه، فقالوا له: بماذا رجعتَ إلينا؟ فقالَ: "رجعتُ بخُفّيْ حُنينٍ"، فذهبَ مثلاً عند الرّجوعِ بالحقيرِ، وتركِ العظيمِ الخطيرِ. (مجمعُ الأمثال للميدانيّ، ج١، والمُفرَد العلَم في رسم القلم، للهاشميّ)
٣- قَطَعَتْ جَهيزةُ قولَ كلِّ خطيبٍ. قيلَ: إنَّ أصْلَهُ أنَّ قوماً اجتمعوا يَخطُبونَ في حيَّيْنِ، قتلَ أحدُهما من الآخرِ رجلاً، ويسألونَ أن يرضَوا بالدِّيَةِ، فَبينا هم في ذلك، إذ جاءتْ أَمَةٌ يُقالُ لها (جهيزةُ)، فقالت: إنَّ القاتلَ قد ظَفِرَ به بعضُ أولياءِ المقتولِ، فقتلوه. فقالوا عند ذلك: "قطعتْ جهيزةُ قولَ كلِّ خطيبٍ"؛ أي قد استُغنيَ عن الخُطَبِ. (مجمع الأمثال للميدانيّ، ج٢، ص ٩١)