تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تابعنا على تيليجرامانضم

نخلة على الجدول

الجزء الثاني: الوحدة الرابعة · اللغة العربية

آخر تحديث:

محتويات الموضوع (٤)

شرح الموضوع

قصة للطيب صالح عن فلاح سوداني بسيط يتوكل على الله ويردد (يفتح الله)، ويساوم عليه تاجر على نخلته، فيستعيد ذكرياته مع النخلة وزواجه وابنه حسن الغائب في مصر.

بين يدي النّص

(الطيّب صالح)

الطيّب صالح أديبٌ سودانيٌّ (١٩٢٩- ٢٠٠٩م)، واحدٌ من أشهرِ كتّابِ القصّةِ والرّوايةِ العربيّةِ.

ومن مؤلَّفاتِهِ الأدبيّةِ رواية (موسمُ الهجرةِ إلى الشّمال) التي شَكّلت مُنعطفاً مُهمّاً في حياته الأدبيّة، ووضعته في مَصافّ أدباءِ العالم.

وقصّةُ (نخلة على الجدول) من بواكير إنتاجه الأدبيّ، وفيها يُسلّط الضّوءَ على شخصيّةِ الفلّاح الرّيفيّ البسيط الّذي يَتوكّل على اللّه، ويَنتَظِرُ منه الفَرَجَ، ويُردّد دائماً دعاءه (يفتح اللّه)، كما تَطرحُ هذه القصّةُ واقعَ الفلّاح السّودانيّ الّذي يُعوّلُ على ريعِ شجرة النّخيل في اكتسابِ رزقه.

نخلةٌ على الجدول (١)

"يفتح اللّه..."

"عشرون جُنيهاً يا رجل، تَحُلُّ منها ما عليك من دَيْن، وتُصلحُ بها حالَك، وغداً العيد، وأنت لم تشترِ بعدُ كبشَ الأضْحية! وأُقسِمُ لولا أنّي أريد مساعدتَك، فإنّ هذه النّخلةَ لا تساوي عشرةَ جُنيهات".

وتَململَ حمارُ حسين التّاجر في وقفته، ولم يكن صاحبُه قد ترجّلَ عنه، فهو لم يُردْ أن يُظهِرَ ل(شيخ محجوب) تلهّفَه على شِراءِ النّخلةِ ذاتِ البناتِ الخمس الّتي يُسمّيها السّودانيّون في الشّمال (الأساسِق)، وقد قامت وَسْطَها النّخلةُ الأمّ ممشوقةً مُتغطرسةً، تتلاعبُ بغدائرها النّسماتُ الباردةُ الّتي هبّت من الشّمال، تحملُ قطراتٍ من مياهِ النّيل.

والحمارُ الأبيضُ اليدين يقفُ على حافّة حافرِه، وتشاغلَ بخُصَلٍ من نبات (السّعدة) الرّيّانة، الّتي نَمَت على حافّة الجدول، وكأنّهُ قد تَبرّمَ بهذه المُساومةِ التّي لم يكن من ورائها طائل.

والحقّ أنّ حُسَيْناً التّاجر، بثيابهِ البيضاءِ الفضفاضة، وعباءتِهِ السّوداء التي اشتراها في زيارة له للخرطوم، وعمامتِهِ من الكَرْب، وحذائِهِ الأحمر الذي لم تُخرجْ أيدي صُنّاعِ المراكيبِ في الفاشرِ أجودَ منه، وحمارِه الأبيضِ اليدين اللّامع، والسّرجِ الأحمر المُدَهَّن، والفروةِ البُنّيّةِ التي تدلّت وكادت تَمسُّ الأرض، كان صورةً مُجسّمةً للكبرياء والغَطْرَسة.

ولكنّ شيخ محجوب لم يُحِرْ جواباً، وكان يبدو في وقفته كالمشدوه، يَرنو إلى أفقٍ بعيدٍ مُتناءٍ، ورويداً رويداً خَفتَتْ في أذنيه ضَوضاءُ أهلِ الخير الذين تجمّعوا ليتوسّطوا بين التّاجر وشيخ محجوب، وخَفَتَ صوتُ السّاقيةِ الحزينُ المتّصل، ولفّ ضَبابُ الذّكرياتِ معالمَ الأشياءِ المُمتدّةِ أمامَ ناظرَيْ شيخ محجوب: النّاس والبهائم وغابة النّخيل الكثّة المتلاصقة... كلّ ذلك تحوّل إلى أشباحٍ يَتراقصُ في وَسطها جريدُ نخلةِ محجوب..

نخلةٌ على الجدول (٢)

وفي أقلّ من لمحةِ الطَّرْفِ، استعرضَ الرّجلُ حاضِرَهُ. أجل، غداً عيدُ الأضحى، حين يخرجُ النّاسُ مع شروق الشّمس في ثيابِهم النّظيفةِ الجديدة، ثمّ يُصلّون مُجتمعينَ، وإذ يعودون إلى بيوتهم تَنضَحُ وجوهُهم بالبِشر والسّعادة، وتسيل دماءُ الأضاحي...أمّا هو..أمّا بيتُه..إنّه لا يملِكُ ثوباً نظيفاً يخرجُ به إلى الصّلاة، وليس عند زوجتِه غيرُ (ثوب زَرّاق) اشتراه لها قبلَ شهرين، وقد نال منه البِلى، وتراكمت عليه الأوساخ، أمّا ابنتُه خديجة؛ فقد كانت تُفتّتُ قلبَه ببكائها من أجل ثوبٍ جديدٍ تعرضُه على لِداتها، وتُعيّد به مع صاحباتها، ومن أين له جُنيهاتٌ ثلاثة يشتري بها خروفاً يضحّي به؟

وتمتم شيخ محجوب في صوتٍ لا يكاد يُسمع، شيء يشبه التّوسّل والابتهال: "يفتح اللّه" وزمّ شفتيه في عصبيّة، وعاد بعقله خمسةً وعشرين عاماً إلى الوراء، عندما كان شابّاً أعزب، لم يبلغ الثّلاثين بعدُ، وكان يعمل في ساقية أبيه مُقابلَ كِسوته وشَرابه، فلم يكن يحتاجُ إلى المال، ولم يكن يعرفُ له قيمة.

وذاتَ صباحٍ مشرق، مرّ بابنِ عمّه إسماعيل الذي كان مُنهَمِكاً يقلعُ الشّتلَ؛ ليغرسه في أماكنَ أخرى من أرض السّاقية، إذ وقعَ نظرُه على شتلةٍ صغيرةٍ رماها إسماعيل بعيداً، على أنّها لا تصلح، فالتقطها محجوب، ونَفَضَ عنها التّراب، ثمّ شقّ حُفرةً صغيرةً وضع فيها النّخلة، وواراها التّراب، وفتح لها الماء، بعد أن تلا آياتٍ من القرآن الكريم، وردّد في شيءٍ من الخشوع: "باسم اللّه، ما شاء اللّه، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه"، مِثلما يفعل أبوه كلّما غرس شَتلةً، أو حصد نباتاً، ولم ينسَ أن يصبّ في الحفرة قليلاً من ماء الإبريق الذي يتوضّأ به أبوه تيمُّناً وتبرُّكاً.

وأنزلَ محجوب غُصّةً صَعِدت في حَلقه، ثمّ مرّر أصابعَه النّحيلةَ بين شُعيراتِ لحيته المُتفرّقة. ألا ما كان أبْرَكَ ذلك العام! بعد ستّة أشهر -فقط- من غرسه النّخلةَ، تزوّج من ابنة عمّه، ولم يكن يملك من مالِ الدّنيا شَروى نقير. ولا هو يدري إلى الآن كيف تمّت المُعجزة.

إنّه لم يكن يَظُنّ أبداً أنّه سيتزوّج في يوم من الأيّام، فهو الذي عاش أيّامَ صِباه منبوذاً، مُحتقَراً من أهله، مَجفُوّاً من الحِسان، إذ كان مُتّهماً بالغباء والخَيبة.

غير أنّه تزوّج، ولَبِس حَريرةَ العُرس، وأحاطت به الصّبايا يَهزِجْنَ بالأغاني، ولَكَم شعرَ بالعظمة والكبرياء وقتَها، كلّ ذلك بعدَ غرس النّخلة بستّة أشهر.

وفي العام التّالي، ولدت زوجتُه بنتاً أسماها (آمنة) تيمّناً بمقدمها، وحينما وصل به تيّار الذّكريات إلى مولدها، ترقرق في عينيه الدّمع، أين الآن آمنة؟ إنّها زوجة لابن أخته، الذي حملها إلى أقاصي الصّعيد، وقد كانت تَبَرُّه، وتعطف عليه.

ليتَ ولدي (حَسَن) كان مثلَها عطوفاً بارّاً! وعضّ على شفته السُّفلى بعنفٍ حتّى كاد يغرِسُ أسنانه في لحمها المُتهدِّل. حسن ابنه الوحيد، سافر قبلَ خمسة أعوام إلى مِصر، ولم يرسل لهم خطاباً واحداً يُطمئنُهم فيه عن صحّته...حاول الرّجل أن ينساه، ويمحوه من ذاكرته، ويَعُدَّه من الأموات، لكنّ زوجته كانت تبكي كلّما جاشت بنفسها الذّكرى، وتمثّل ابنَه طفلاً صغيراً، ثمّ صبيّاً يساعدُه في أعمال السّاقية، ثمّ شابّاً يافعاً يَشبّ عن الطّوق، ويهجر الأهلَ والدّارَ، وينسى حقوقَ الأبوّة.

وكأنّ القدَر أراد أن يُنسيَهم كلّ شيء يربطُهم بحسن، فرمى آخرَ ما في جَعبتِه من سِهامٍ قاسيةٍ مسمومةٍ، ظلّ يُسدّدها منذُ عامين، وأصاب السّهمُ الأخيرُ النّعجةَ البرقاءَ التّي ربّاها حسن، فقد ماتت، واجتاحَ المَحْلُ والقَحطُ القطيعَ الذي ربّاه حسن كلّه.

نخلةٌ على الجدول (٣)

ثمّ رَفْرَفَ طائفٌ من السّعادة على الوجه الخَشِنِ المُتجعِّد، وجهِ محجوب، عندما تذكّر قطيعَ الضّأن الّذي ربّاه في ذاتِ العام الّذي شَهِدَ مَولِدَ آمنة، وكان قد اشترى -بعدَ عامين من زواجه- عِجْلةً صغيرةً عَجفاءَ، والاها بالعلف والحبوب حتّى استوت بقرةً جميلةً كَحيلةَ العينين، وسارت الحياةُ رَغداً كأنّما استجابَ اللّه دعاءه يومَ شقّ في الأرض على حافّة الجدول، وغَرَسَ النّخلة.

كلّ هذا عفا على آثاره الزّمنُ، لقد مات الزّرع، ويَبِس الضّرع، وعمَّ القحطُ، فأغرقَ الرّخاءَ، وحَبا الشّيبُ، فطَفا على الشّباب، وما عادَ النّيلُ يفيضُ إلّا بحسابٍ ومقدار، وما كان محجوب حريصاً على ما عندَه من خير، فبَدَّدَهُ أوّلاً بأوّل، وهكذا ظلّ يُكابدُ الفاقةَ وحده، فاستدانَ ورهنَ وباع، وليس عنده من مالِ الدّنيا إلّا بقرةٌ واحدة وعنزتان، وهذه النّخلة التي ظلّ جاهداً يحاول استبقاءها.

وقطع عليه ذكرياتِه صوتُ التّاجر وهو يقول له: "أيُّها الرّجلُ، لِمَ هذا السّكوت؟ أجبنا بكلمةٍ واحدة، تُظهِر لنا نيّتَك في البيع". وحضرَ رمضانُ من طَرَفِ السّاقية، وقال لمحجوب: إنّ عشرين جُنيهاً ثمنٌ معقولٌ، خاصّةً وهو أحوجُ ما يكونُ إلى المال.

وفجأةً، هبّت ريحٌ قويّةٌ أخذت تتلاعبُ بجريدةِ النّخلة، فأخذ يُوشْوِشُ، ويتعاركُ، ويتلاطمُ كَغَريقٍ يطلبُ النّجاة، وبدت النّخلةُ لمحجوب في وقفتها تلك رائعةً أجملَ من أيِّ شيءٍ في الوجود، وهفا قلبُه لابنه في مِصر. تُرى..هل يَحنُّ لنداء الرّحم؟ هل تؤثّر فيه الدّعواتُ التي أرسلَها محجوب في هَدْأةِ اللّيل؟ وأحسّ الرّجلُ بفيضٍ من الأمل يملأُ كِيانَه، وتَرَقْرقَ في عينه دمعٌ حبسه جاهداً، وتمتم: "يفتح اللّه، فلن أبيع تمرتي"، وردّد الرّجلُ في نفسه: "يفتح اللّه"، وقادَه ذلك إلى سورة الفتح من القرآن الكريم، وآيتها الأولى (الفتح: ١) تُقرأ من المصحف، وأحسّ لأوّل مرّة بأنّ في عبارة "يفتح اللّه" شيئاً أكثرَ من كلمةٍ تنتهي بها المُبايعة، وتُقفِلُ البابَ في وجه مَن يريدُ الشِّراء، إنّها مِفتاحٌ لمن أعْسَره الضّيقُ، وأمَضّه البؤسُ، وأثقلت كاهلَه أعباءُ الحياة، وما كان أحوجَ محجوب إلى الفتح والفَرَج حينئذٍ!

وجذبَ التّاجرُ عِنانَ حماره في صَلَف، ثمّ هَمَزَ بطنَ الحمار بكَعبِ رجله، وقال في صوتٍ باردٍ كوقعِ الصّوت: "يفتح اللّه، يفتح اللّه، ستبحثُ غداً عمّن يداينك المال".

وقبل أن ينطلقَ الحمارُ بعيداً، أبصرَ محجوب ابنتَه الصّغيرةَ تهرولُ نحوَه مُضطربةً فَرِحةً، فأسرعَ نحوَها يسألُها الخبر: ما الأمر؟ ماذا جرى؟ فحاولتِ الصّبيّةُ أن تَفُضّ إليه النّبأ بصوتٍ مُتكسّرٍ ألثغ، فأبلغتْهُ أنّ أخاها قد أرسل لهم رسالةً مع ابن سِتّ البنات.

رسالةٌ من حسن؟ وانطلقَ الرّجلُ كالمجنون لا يفكّرُ ولا يعي بنبضِ قلبه مُعرْبِداً بين جنبيه، وابنتُه الصّغيرةُ تُمسك بطرفِ ثوبه المُتّسِخ، تُسرعُ جاهدةً؛ لكي تمشيَ معَه...، وفي بيت (ناس ست البنات)، انتظر محجوب بين صفوفِ المُستقبلين، وفي غمرةِ اضطرابه، لم يَفُتْ عينَه المُستطلعةَ رجالٌ يعرفُهم جاؤوا يسألون عن أبنائهم وأقاربهم، ونسوةٌ يعرفهنّ جئنَ يسألنَ عن أزواجهنّ وأبنائهنّ، وكلُّهم آمالٌ مثلُ آمالِه، وأخيراً لمحَ ابنُ ستّ البنات شيخَ محجوب بين المُستقبلين، فدلَفَ نحوَه مبتسماً، وشعر الرّجلُ بالضّيق والحرج، إذ تحوّلت كلُّ الأبصار نحوَه، ولم يَعِ من كلام مُحدِّثِه إلّا: "حسن بخير، ويطلبُ منكَ العفوَ عنه، وأرسلَ لك ثلاثين جنيهاً، وطَرْدَ ملابس".

وفي الطّريق إلى بيته، تحسّس الرّجلُ رُزمةَ المال التي صَرّها جيّداً في طرَف ثوبه، ثمّ غرسَ أصابعَه في الطَّرْدِ السّمين تحتَ إبْطِه، وانحدر طَرْفُه من عَلٍ إلى غابة النّخيل الكثيفة الممتدّة عندَ أسفل البيوت، وتميَّز في وسطها نخلتُه ممشوقةً، متغطرسةً جميلةً، تتلاعبُ بجريدتها نسماتُ الشّمال، وخُيّلَ إليه أنّ سَعَفَ النّخلة يرتجفُ مُسبِّحاً: "يفتح اللّه، يفتح اللّه".

تعريفات أساسية

ممشوقة

طويلة ليّنة، حسنة القوام.

متغطرسة

متكبّرة، معجبة بنفسها.

الغدائر

مفردها غديرة، وهي جدائل الشّعر.

حافّة حافره

ما يقابل القدم من الإنسان.

الريّانة

المرويّة، والمُشبَعة بالماء.

تبرّم

تضجّر، وأظهر استياءه.

الكَرْب

نوع من القُماش الإنجليزي الفاخر.

المراكيب

نوع من الأحذية، يصنع من جلود النّمور والأبقار، وهي الأحذية السّودانيّة الشّعبيّة.

الفاشر

مدينة غرب السّودان.

لم يُحِرْ جواباً

لم يقوَ على الجواب.

السّاقية

قناة صغيرة يجري فيها الماء، تسقي الأرض والزّرع.

ثوب زَرّاق

ثوب يتحمّل الأوساخ، لونه أزرق.

معاينة موضوع «نخلة على الجدول» من وحدة «الجزء الثاني: الوحدة الرابعة» في مادة اللغة العربية. أقسام الشرح: ٤، التعريفات: ١٢.

المصدر: وزارة التربية والتعليم، نخلة على الجدول (ص ٤٧–٥٤)

موضوعات أخرى في الوحدة

تابع الدراسة