شرح الموضوع
مقتطفات من رسالة عبد الحميد الكاتب إلى الكتّاب في أصول الكتابة وآداب الكتّاب: فضل صناعة الكتابة، وصفات الكاتب، وما ينبغي أن يتعلمه، وتحذيره من المطامع والسعاية والكبر، ووصيته بالتحاب والعطف على من نبا به الزمان.
بين يدي النّص
(بتصرّف)
عبدُ الحميدِ الكاتبُ رائدُ الكتابةِ العربيّةِ في العهدِ الأمويّ عامّة، وكتابةِ الرّسائلِ الدّيوانيّةِ خاصّةً، وهو الّذي سهّلَ سبيلَ البلاغة، وآلتْ إليه زَعامةُ الكتابة، فمَهّد سُبُلَها، ووضّحَ معالمَها، ورسمَ لها رسوماً خاصّةً، في بَدْئها وخِتامِها، حتّى شاعَ في قولِ النُّقّاد: (بُدِئَتِ الكتابةُ بعبدِ الحميد، وانتهتْ بابنِ العميد).
ورسالةُ عبدِ الحميدِ الكاتبِ إلى الكُتّاب أنموذجٌ فريدٌ في أُصولِ الكتابة، وآدابِ الكُتّاب، وفيما يأتي مقتبسات ممّا جاء في رسالته للكُتّاب.
نصُّ الرّسالة
أمّا بعدُ، حفظكمُ اللّهُ يا أهلَ صناعةِ الكتابة، وحاطكم ووفّقكمْ وأرشدكمْ؛ فإنّ اللّه -جلّ وعزّ- جعل النّاسَ بعد الأنبياءِ والمرسلين -صلواتُ اللّه عليهم أجمعين- ومن بعدِ الملوكِ المُكَرَّمينَ أصنافاً، وإن كانوا في الحقيقةِ سواءً، وصَرَّفهم في صُنوفِ الصّناعاتِ، وضروبِ المحاولات، إلى أسبابِ معاشِهم، وأبوابِ أرزاقهم.
فجَعَلَكُم معشرَ الكُتّاب في أشرفِ الجهاتِ، أهلَ الأدبِ والمروءةِ والحلمِ والرَّوِيَّة، بِكُم تَنْتَظِمُ لِلْخِلافَةِ محاسنُها، وتستقيمُ أمورُها، وبنصائِحِكُم يُصْلِحُ اللّهُ لِلْخَلْقِ سُلطانَهم، وتَعمرُ بُلدانُهم، ولا يستغني المَلكُ عنكم، ولا يوجدُ كافٍ إلّا منكم، فموقِعُكم منهم مَوقِعُ أسماعِهمُ الّتي بها يَسمعونَ، وأبصارِهمُ الّتي بها يُبصرونَ، وألسنتِهمُ الّتي بها ينطقونَ، وأيديهمُ الّتي بها يَبْطِشون، فأمتعكم اللّهُ بما خصَّكم من فضلِ صناعتِكم، ولا نَزَعَ عنكم ما أضفاهُ من النّعمةِ عليكم.
وليس أحدٌ من أهلِ الصّناعاتِ كلِّها، أحوجَ إلى اجتماعِ خِلالِ الخيرِ المحمودةِ، وخِصالِ العقلِ المذكورةِ المعدودةِ منكم.
أيّها الكُتّابُ، إنْ كنتُم على ما يأتي في هذا الكتابِ من صفتِكم؛ فإنّ الكاتِبَ يحتاجُ مِن نفسِه، ويحتاجُ مِنه صاحِبُهُ الّذي يثقُ بهِ في مُهمّات أمورِه، إلى أنْ يكونَ حَليماً في موضِعِ الحِلم، فقيهاً في موضِعِ الحُكم، مِقداماً في موضِعِ الإقدامِ، ومُحجِماً في موضِعِ الإحجامِ، ليّناً في موضِعِ اللّين، شديداً في موضِعِ الشِّدّةِ، مؤثِراً للعفافِ والعدلِ والإنصافِ، كتوماً للأسرار، وفيّاً عند الشّدائدِ، عالِماً بما يأتي من النّوازِلِ، ويضعُ الأمورَ في مواضعِها، والطّوارقَ في أماكنِها، قد نظرَ في كلِّ فنٍّ من فنونِ العلمِ فأحكمَه، وإنْ لم يُحكِمْه، أخذَ منه بمقدارِ ما يكتفي به، يَعرِفُ بغريزةِ عقلِه، وحسنِ أدبِه، وفضلِ تَجربتِه، ما يَرِدُ عليهِ قبلَ ورودِه، وعاقبةَ ما يَصدُرُ عنه قبلَ صدورِه، فيُعِدُّ لكلِّ أمرٍ عدّتَه وعتادَه.
فتنافسوا معشرَ الكُتّابِ في صُنوفِ العلمِ والآدابِ، وتفقَّهوا في الدّينِ، وابدؤوا بعلمِ كتابِ اللّه -عزَّ وجلَّ- والفرائضِ، ثمّ العربيّةِ فإنَّها ثِقافُ ألسنتِكم، ثمّ أجيدوا الخطَّ، فإنَّه حِليةُ كتبِكم، وارْووا الأشعارَ، واعْرِفوا غريبَها ومعانيَها، وأيّامَ العربِ والعَجَمِ وأحاديثَها وسِيَرَها؛ فإنَّ ذلك مُعينٌ لكم على ما تَسمو إليه هِمَمُكم، ولا تضيّعوا النّظرَ في الحساب، فإنه قِوامُ كُتّابِ الخَراجِ منكم، وارغبوا بأنفسِكم عن المطامعِ سَنِيِّها ودَنِيِّها، ومساوئِ الأمورِ ومحاقِرِها؛ فإنَّها مَذَلَّةٌ للرِّقابِ، مَفْسَدَةٌ للكُتّابِ، ونزِّهوا صناعتَكم، وارْبَؤوا بأنفسِكم عن السِّعايةِ والنّميمةِ، وما فيه أهلُ الدّناءةِ والجهالةِ، وإيّاكم والكِبْرَ، والعظمةَ؛ فإنّها عداوةٌ مُجْتَلَبةٌ بغيرِ إحنةٍ، وتحابّوا في اللّه -عزَّ وجلَّ- في صناعتِكم، وتواصَلوا بالذي هو أليقُ بأهلِ الفضلِ والعدلِ والنُّبلِ من سَلَفِكم.
وإنْ نبا الزّمانُ برَجلٍ منكم، فاعطِفوا عليهِ، وواسوه، حتّى يرجعَ إليه حالُه، ويثوبَ إليه أمرُه، وإن أقعدَ أحدَكم الكِبَرُ عن مَكسبِه، ولقاءِ إخوانِه، فزوروه، وعظِّموه، وشاوِروه، واستظهِروه بفضلِ تجربتِه، وقِدَمِ معرفتِه، وإذا وُلِيَ الرّجلُ منكم، أو صُيِّرَ إليه من أمرِ خلقِ اللّه -سبحانه- وعبادِه أمرٌ، فليراقبِ اللّه، عزَّ وجلَّ، وليؤثِر طاعتَه، وليكن مع الضّعيفِ رفيقاً، وللمظلومِ منصفاً، فإنّ الخلقَ عيالُ اللّه، وأحبّهم إليه أرفقهم بعباده.
(من كتاب جمهرة رسائل العرب، للقرشيّ، ج٢، ص٤٥٥)