تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تابعنا على تيليجرامانضم

الصراع على مياه فلسطين

الجزء الثاني: الوحدة السادسة · اللغة العربية

آخر تحديث:

محتويات الموضوع (٤)

شرح الموضوع

نص قرائي عن الماء ومصادره في فلسطين ونسبة الأمطار وتباينها، وسلب الاحتلال لمصادر المياه وتلويثها، وأثر ذلك على الشعب الفلسطيني، ووسائل ترشيد الاستهلاك وتجميع المياه وتحليتها.

بين يدي النّص

(المؤلّفون)

إنّه الماءُ الّذي كان وما زال، منذُ أنْ بَرَأَ اللّهُ الخلقَ جِذّاباً لهم، في أيّ مكانٍ أقاموا فيه، أو ظَعَنوا، وهو الماءُ نفسُه الّذي تندلعُ بسببِهِ النّزاعاتُ والحروبُ، وهو نفسُه الّذي ينذرُ به السّاسةُ والمحلّلونَ أنْ يكونَ دافعَ الصّراعاتِ والحروبِ مستقبلاً.

وفي هذا النّصّ، تسليطٌ للضّوءِ على الصّراع المحتدمِ بين صاحبِ الأرضِ بما حَوَتْ، والمحتلِّ الصّهيونيِّ الغازي الّذي يسطو على كلّ ما فيها، من موارد الحياة ومقوّماتها، من أرضٍ، وماءٍ، وغذاء.

الصّراعُ على مياه فِلَسْطين (١)

ما مِن قُطْرٍ مِن أقطارِ هذه الدّنيا الواسعة، إلّا وله مكوّناتُه الأساسيّةُ، من ماءٍ وفضاءٍ ويابسةٍ، وكلُّ هذه المُكوّناتِ تُشكّلُ الطّبيعةَ الّتي تُميّزُ كُلَّ بلدٍ عن غيره من البلدان، كما يتوارثُ أهلُ كلِّ بلدٍ أسماءَ مَعالمِه الجغرافيّةِ، من مدائنَ، وأنهارٍ، وجبالٍ، وسهولٍ، وبحارٍ؛ لتغدوَ أسماءُ هذهِ المعالمِ الجغرافيّةِ أعلاماً عليها، لا تنمحي أسماؤها مهما طالَ الزّمن، ومهما تعرّضتْ له من نوازلَ ومِحَن، ومهما حاول أيُّ مُحتلٍّ أو غازٍ محوَ أسمائها، وطمسَ معالمِها.

لقد حبا اللّهُ فِلَسْطينَ موقعاً جغرافيّاً، جعلَها تجاور به البحارَ، وأنعمَ عليها مِن عَميمِ ماءِ البحارِ والأنهارِ والأمطارِ، عِلاوةً على نِعَمٍ كثيرةٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى، فكان منها الماء، الّذي هو أصلُ الحياةِ، وسرُّ الوجود، الّذي هو أهونُ موجود، وأغلى مفقود، كما قالت العرب.

فبالماءِ تغدو الأرضُ زاهيةً مُخضَرّةً، وبسببهِ يزدانُ منظرُها، ومنهُ نرتوي، ويرتوي كُلُّ ما عليها مِن حَيوانٍ وزُروعٍ ونباتٍ، ولمّا كانَ الماءُ بهذه المنزلة، وعلى هذا القدر من الأهميّة، كانت هجمةُ المحتلِّ الباغي على مصادرهِ في فِلَسْطين، لا تقلُّ شَراسَةً عَن هجمتِهِ على أرضِها.

وتُعدُّ الأمطارُ المَصدرَ الرّئيسَ للمياهِ في فِلَسْطينَ، فهيَ التي تُغذّي الخزّانَ الجوفيَّ بأحواضِهِ كلِّها، والمجاري والأوديةَ والسّيولَ، ومن هذه الأمطار يحصُلُ رِيُّ مساحاتٍ واسعةٍ من الأراضي الزّراعيّة البَعليّة.

وتتفاوتُ نسبةُ هُطولِ الأمطارِ من عامٍ لآخر في فِلَسْطين، ما يجعلُ التّعويلَ على مياهِ الأمطار لِسدّ حاجتنا منه أمراً محفوفاً بالخطر. كما يؤثّرُ التّباينُ التّضاريسيّ لفِلَسْطين على معدّلِ سُقوطِ الأمطارِ السّنويّ، الّذي يتراوحُ بين مئة (١٠٠) ملمترٍ في الأغوار، إلى ستّمئة وخمسين (٦٥٠) ملمتراً في المرتفعات.

وتُقدَّر كمّيّاتُ مياهِ الأمطارِ الّتي تسقطُ على فِلَسْطين بحوالَي عشرة (١٠) مليارات مترٍ مُكَعَّبٍ، يتبخّرُ منها ما بين ستّين إلى سبعين بالمئة (٦٠ - ٧٠ ٪)، ويتسرّبُ إلى باطنِ الأرضِ ما يقاربُ خمسةً وعشرين بالمئة (٢٥ ٪)، وما تبقّى منها يجري على شكلِ سيولٍ باتّجاه البحر.

الصّراعُ على مياه فِلَسْطين (٢)

ومثلما ابتُلي الشّعبُ الفِلَسْطينيُّ بالمحتلّ الصّهيونيّ، في أرضِه، وأنْفُسِ أبنائه، وتُراثِه، وإرْثِه الثّقافيّ والمعماريّ، فقد ابتُلي -أيضاً- في مياهِه، فقد تفنّنَ هذا المحتلُّ في سلبِ مصادرِ مياهِ فِلَسْطين، وما انفكَّ يتحكَّمُ فيها، ويَمنُّ على أبناءِ شعبها بالنّزر القليل، الّذي لا يُذْهِبُ ظَمَأَ العطْشانِ، ولا يروي غُلّةَ الصَّدْيانِ.

ولم يكتفِ المحتلُّ الصّهيونيُّ بما سلبه من مياهِ فِلَسْطين من قبل، بَلْ راحَ يَذرعُ أرضَها شرقاً وغرباً، بما يمتلكُه مِن وسائلِ التِّقْنيةِ الحديثةِ، والاستشعارِ عن بعد؛ للكشفِ عمّا خَفي مِن مياهِها في جوفِ الأرض؛ ليسقيَ بها مُستوطناتِه ومُستوطنيه، وليُسرِفَ في صرفِها، وتبذيرِها، وسلبها من أصحابِ الأرض، كما سَلَبَهُم أرضَهم: جبالاً، ووِهاداً، وسُهولاً، ونجاداً، وخُلجاناً، وشُطآناً.

لقد حُرِمَ الشّعبُ الفِلَسْطينيُّ أبسطَ حقوقِهِ في مياهِ وطنِه، ولم تَعُدْ نسبةُ ما يحصُلُ عليهِ مِن ماءِ أرضِهِ بكفايةٍ لسدِّ رمقِهِ، ناهيكَ عن حاجتِهِ المائيّةِ الضّروريّةِ لسقيِ مواشيهِ وأنعامِه، وريِّ أشجارِه ومزروعاتِه.

ولكي نقفَ على حجمِ مأساةِ الشّعبِ الفِلَسْطينيِّ في مياهِه الّتي حُرمَ منها، فلنطّلعْ على تقارير منظمةِ الصّحّةِ العالميّةِ، الّتي تُفيد أنّ نسبةَ ما يستحقّه الفردُ في الحدّ الأدنى من المياهِ في اليومِ الواحدِ؛ لسدِّ جميعِ احتياجاتِه، هوَ ما بين مئةٍ إلى مئةٍ وعشرين (١٠٠ -١٢٠) لتراً يوميّاً، في حين أنّ نصيبَ استهلاكِ الفرد الفِلَسْطيني من ذلك تُقدّر بنحو خمسةٍ وأربعين (٤٥) لتراً، وقد تنخفضُ هذه النّسبةُ في بعضِ تجمّعاتِ السّكن الفِلَسْطينيّة إلى خمسةَ عشرَ (١٥) لتراً، وأقلّ من ذلك. وأمّا نسبة استهلاكِ المُستوطنِ الواحدِ فهي سبعةُ أضعافِ استهلاكِ الفردِ الفِلَسْطيني، علماً أنّ جميعَ هذه المياهِ الّتي استحوذَ عليها الاحتلالُ سطحيّةً كانتْ أم جوفيّةً، إنّما هي في الأصل مياهٌ فِلَسْطينيّةٌ.

الصّراعُ على مياه فِلَسْطين (٣)

وقد عَمِلَ المُحتلُّ الصّهيونيُّ على زرعِ مستوطناتِهِ فوقَ الأحواضِ المائيّةِ في فِلَسْطين، مدمّراً بذلكَ كثيراً من الأراضي الفِلَسْطينيّةِ، فراحَ يستهلكُ مياهَ هذهِ الأحواضِ، بمعدّلاتٍ خياليّةٍ، ولم يتوقّفْ أثرُ المُستوطناتِ السّلبيُّ على نَهْبِ المياهِ، وإنّما أثّرَ كذلكَ سلباً على البيئة، حيثُ عملتْ مخلّفاتُ مستوطناتِهِ، وما زالتْ تعملُ على تلويثِ مصادرِ المياهِ الفِلَسْطينية.

كما أعاقَ الاحتلالُ تطويرَ البنيةِ التّحتيّةِ للمياهِ، وشبكاتِ الصّرفِ الصّحيّ، وصيانتَها؛ ما أدّى إلى اهتراءِ هذه الشّبكاتِ وتهتّكِها، واختلاطِ المياهِ الملوّثةِ بالمياهِ النّقيّةِ، لتصلَ هذه المياهُ ملوّثةً إلى التّجمّعاتِ الفِلَسْطينيّةِ، كما منعَ الاحتلالُ حفرَ الآبار الارتوازية، أو حدّدَ عمقها.

لقد غدتْ قضيّةُ المياهِ في فِلَسْطين مشكلةً تُؤرِّقُ كلَّ مواطنٍ، فهو لم يعدْ يجدُ ما يكفي حاجتَهُ من الماءِ؛ بسببِ تحكُّمِ الاحتلالِ بمصادرِ مياهِ فِلَسْطين السّطحيّةِ والجوفيّةِ، وحرمانِ المواطنين منها، الأمرِ الّذي أدّى إلى تفاقُمِ أزمةِ المياهِ، وشُحِّ الأمطارِ الّتي بدأ يتضاءلُ هطولُها عاماً بعد عام؛ بسبب الاحتباسِ الحراريّ، أو بسببِ تأخّرِ هُطولِها عن مواسِمِها، أو اختلالِ نسبِ توزيعِها.

وأمامَ هذه المُمارساتِ غيرِ الإنسانيّةِ، المُتمثّلةِ في حرمانِ الشّعبِ الفِلَسْطينيّ من أبسطِ حقوقِ وجودِهِ في الأرضِ، والماءِ، والهواءِ، ماذا علينا أنْ نعملَ لنؤمّنَ حاجاتِنا من الماءِ؟ وكيفَ يعوِّضُ المواطنُ الفِلَسْطينيُّ قليلاً مِن الماءِ المسلوبِ منه؟ وكيفَ لهُ أن يُعزّزَ صمودَه على أرضِهِ؟ وكيفَ نُرشِّدُ استهلاكَ الماءِ، في زمنٍ نحنُ أحوجُ ما نكونُ فيه إلى قطرةِ ماءٍ؟

تتعدّدُ وسائلُ الحدِّ مِنْ هدرِ الماءِ وتبذيرِه، كما تتنوّعُ أساليبُ ترشيدِ استعمالِه، وتوفيرِهِ وتدبيرِه، ولعلَّ أنجعَ وسيلةٍ لذلكَ، أنْ نستهلِكَ من الماءِ مقدارَ ما نحتاجُ إليه، دونَما إسرافٍ، وتبذير، فقد نهى الرّسولُ الكريمُ -صلّى اللّه عليه وسلّم- عن الإسرافِ في الماء للمتوضِّئ، وإنْ كان على نهرٍ جارٍ.

وأمّا الوسيلةُ الأخرى، فتَكْمُنُ في حفرِ آبارِ المياهِ بنوعيها: الارتوازيّة، والتّجميعيّة، ومثلُ هذا الإجراءِ، يُحتّمُ على المواطنينَ، أن يأخذوا بالحُسبان، عندَ رسمِ مخطّطاتِ بناءِ منازلهم، أو مصانعِهم، أو متاجرِهم، حفرَ الآبارِ؛ لتجميعِ مياهِ الأمطارِ فيها، بما يلبّي حاجتَهم من الماءِ اللّازم.

ومن الوسائلِ الأخرى أيضاً، بناءُ محطّاتِ تنقيةِ المياهِ العادمةِ، واستعمالُ الماءِ المنقّى من ذلك، لغيرِ أغراضِ الشّرب، كسقيِ المزروعاتِ، وتربيةِ الأسماكِ، أُسوةً بما تفعله الأممُ المتقدّمةُ.

ويُعدُّ بناءُ السُّدودِ والخزّاناتِ من أنجعِ الوسائلِ في تجميعِ مياهِ الأمطارِ، وحفظِها للاستعمالِ عندَ الحاجةِ.

كما أنّ بناءَ محطّاتِ تنقيةِ مياهِ البحرِ المالحةِ، وتحويلِها إلى مياهٍ عذبةٍ، يُمكنُ أن يُسهمَ إسهاماً فعّالاً في توفيرِ مصدرٍ من مصادرِ المياهِ الّتي لا تَنضبُ، ويمكنُ لمحطّاتِ التّنقيةِ هذهِ أن تحلَّ مُشكلةَ المياهِ المتفاقمةِ على أرضِ غزّةَ، ولا سيّما أنّ المياهَ الجوفيّةَ هي المصدرُ الرّئيسُ للمياهِ فيها.

وأخيراً، تبقى مُشكلةُ مياهِ الشّعبِ الفِلَسْطينيّ، إضافةً إلى كلّ المُشكلاتِ النّاجمةِ عن المحتلّ، مشكلةً قائمةً، لا تزولُ إلّا بزوالِ الاحتلالِ الصّهيونيّ، ورحيلِهِ عن أرضنا.

تعريفات أساسية

الصّديان

شديد العطش.

وِهاداً

أراضيَ منخفضة.

نجاداً

أراضيَ مشرفة أو مرتفعة.

معاينة موضوع «الصراع على مياه فلسطين» من وحدة «الجزء الثاني: الوحدة السادسة» في مادة اللغة العربية. أقسام الشرح: ٤، التعريفات: ٣.

المصدر: وزارة التربية والتعليم، الصراع على مياه فلسطين (ص ٧٧–٨٢)

موضوعات أخرى في الوحدة

تابع الدراسة