شرح الموضوع
نص قرائي عن الأدب الشعبي الفلسطيني وفروعه، والأغنية الشعبية وخصائصها وأنواعها (الأفراح والتحانين والبكائيات والأغاني الوطنية) ونماذج منها وعمّن اهتم بجمعها.
بين يدي النّص
(فريق التّأليف)
الأدبُ الشّعبيّ تعبيرٌ شفهيٌّ فطريٌّ صادقٌ، يعبّر عن آمال الأمّة، وأفراحها في المناسبات السّعيدة، وآلامها وأتراحها، وقد اتّخذ أشكالاً تعدّدت ألوانُها، وتشعّبت أغراضُها في المجتمع الفلسطيني، كالشّعر الشّعبي الّذي يشكّل حضوراً بارزاً؛ لما له من أثر في نفوس متلقّيه، وقلوب قارئيه.
وفي هذا النّصّ نبذة عامّة عن الأدب الشّعبيّ الفلسطيني، وتسليطٌ للضّوء على الأغنيّة الشّعبيّة، مع ما رافق هذا الجنس الأدبيّ من تحدّيات عاشها أبناء الشّعب الفلسطينيّ جرّاء الاحتلال، ما أضفى على هذا الأدب سِمةَ المقاومة، فاصطبغ بصبغة وطنيّة، وإن تعدّدت مجالاته، فقد تغنّى الشّعراء بأمجاد وطنهم، وبطولات أبنائهم، جيلاً بعد جيل، وفيه حثٌّ لأبناء الشّعب الفلسطيني على التّشبّث بوطنهم، والسّعي لنيل حريتهم من نير الاحتلال البغيض.
من الشّعر الشّعبي الفِلَسْطينيّ (١)
تَرَكَ الشَّعبُ الفِلَسْطينيُّ عبرَ مراحلِ أجيالِهِ المُتعاقِبةِ تركةً وافرةً من التُّراثِ الشَّعبيِّ بألوانِهِ وأجناسِهِ المُتنوِّعةِ، الأمرِ الّذي شكّلَ ملمحاً بارزاً من ملامحِ هُويَّتِه، وقد عملَ كثيرٌ من الباحثينَ الفِلَسْطينيين على توثيقِه وجَمْعِه، ومِن هؤلاءِ الباحثُ عبد اللّطيفِ البرغوثيّ، وشريف كناعنة، وعبد العزيز أبو هدبا، وغيرهم. وأصبحَ له أرشيفٌ خاصٌّ به في جمعيّة إنعاشِ الأسرةِ في مدينةِ البيرة.
ويتضمّنُ الأدبُ الشّعبيّ فروعاً كثيرةً، منها الحكاياتُ، والأساطير، والخرافات، والمعتقدات، والأمثال الشّعبية، والأقوال السّائرة، واللّهجات، والنّوادر، والألغاز، والسّير، والأغاني الشّعبية، وشعاراتُ المظاهرات والجدران والمسيرات.
وتعدّ الأغنيّة الشّعبيّة نمطاً من أنماطِ التّعبير الّذي يجدُ فيه الإنسان الفلسطينيّ متنفّساً عمّا يَجيشُ في نفسهِ من مشاعر، سواء أكانت فرحاً أم ترحاً؛ إذ لا تخلو حياةُ شعبٍ من زواج، ونجاح، وميلاد، وغيرها من المناسباتِ السّعيدة، التي تخفق لها القلوب، وتنتشي بها النّفوس.
والأغنيّة الشّعبيّة من أكثر أنواع الأدب الشّعبي استجابةً لتسجيل الأحداث، والمواقف، والظّواهر. وتعودُ هذه الاستجابةُ لصفاتها من بساطة وانتشار وعفويّة وجماعيّة. كما تتصف بتنوّع أشكالها الفلكلورية وثباتها، وقدرتها على استيعاب كلمات ومصطلحات حديثة ومتنوعة، كما أنّها تدعو إلى تمسّك الإنسان بوطنه، وتنبذ الغربة، كما في أُغنيّة (يا ظريف الطّول):
يا ظريف الطّول وقفْ تقولك ... رايح عالغربة وبلادك أحسنلك
خايف يا ظريف تروح وتتملّك ... وتعاشر الغير وتنساني أنا
كما أن الأغنيّة الشّعبيّة تفسّرُ الأحداثَ والظّواهرَ؛ فتبدو فيها العقلية الشّعبية في مواقفها وتفاسيرها وسلوكها إزاء الأحداث، كما تنشد ما يجب أن يكون وتدعو إليه وتحضّ عليه، أي أنّ الأغنيّة الشّعبية ليستْ مرآةً للتّاريخ أو المجتمع حَسْب، إنّما تساهم في بلورة الأهداف العليا للمجتمع في مرحلة ما. وتوجه السّلوك الشّعبي إلى ما يحقّق، أو يحاول تحقيق هذه الأهداف.
من الشّعر الشّعبي الفِلَسْطينيّ (٢)
فعلى الرّغم من مُعاناةِ الشّعبِ الفِلَسْطينيّ التّاريخيّة، وما يُحيط به من ظروفٍ سياسيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة ممزوجة بطابعٍ مشحونٍ بالأسى الّذي فرضه الاحتلال، منذ مَطْلِعِ القرن الماضي، إلّا أنّها كانت حافزاً لِشعراءِ الرّجل الشّعبي على رسمِ لوحاتِهم، كما جاء على لسان عبد اللّه البرغوثي، عقب ثورة ١٩٣٧م، إذ نظم قصيدة شعبيّة جاء فيها:
فلسطين المنكوبة ... أشرف بقعة محبوبة
في جهاد الاستعمار ... رفعت راس العروبة
أم الدّنيا القديمة ... بلادي الرّسل بنتها
إلها في العالم قيمه ... كُتُبِ السّما بتثبيتها
إلّا أنّ هذا الشّعب المكلوم استلّ لحظات فرحه، ونسجها مواويل (عتابا)، وحشرجة بهجة، فنال شرفَ التّحدّي، وكبرياءَ التّصدّي لجبروتِ المُحتلّ، بعُنفوانِ رفضٍ، وأساطيرِ ثباتٍ، بدت في صلابةِ شيوخه، وبأسِ شبابه، وعيونِ أطفاله، فراح يسامرُ ليالي القيظِ الحارّة بأزجاله، ومواويله، وتحاينيه، وغيرها، ومن أغاني الأفراح:
وسّعوا المرجة ... والمرجة لينا
وسّعوا المرجة ... تطارد خيلنا
لمين هالخيول ... مربّطة بانجاص
هاي للعريس ... مزيّنة برصاص
ومن تحانين النّساء في وداع حجيج بيتِ اللّه الحرام قولُهنّ:
شدّي عباته يا بنت يا مْدلّلة شدّي عباته
بودّع بناته وتمْهّلوا يا حجّاج، بودّع بناته
ونلاحظ امتزاج الكلمات الفلكلوريّة على ألسنة الفلسطينيّين بأوجاع الواقع المكلوم بسطوة الاحتلال؛ إذ لا تغيبُ صورةُ الوطن السّليب عن بالهم، خاصةً الّذين هُجّروا منه، وأصبحوا لاجئين خارجه، فنراهم يوجّهون أشعارهم إليهم، فيقولون:
غنّت بلادي عَ وترها وعودها
أوفت لكلّ النّاس أحلى وعودها
يا غايب الأوطان كفانا غياب
ارجع عَ أرض الكرامة وعودها
كما أنّ البُكائيّات تحتلُّ مِساحةً واسعةً من الحياةِ الفِلَسْطينيّة، فتعتصرُ القلوبُ لوفاةِ قريب، أو ارتقاءِ شهيد، تربّع على صَهوةِ المَجدِ شرفاً، وزغردت في جنازته القرائحُ الوطنيّةُ ألحانَ وداعٍ، وأهازيجَ غضب؛ لذا صاحبَ مواقف الوداعِ، والفراق، من البُكائيّات ما يعبّر عن أثر الحزن في نفوس قائليها، ومن ذلك:
هبّ الهوى شرقي وغربي ... لا تفتحوا عليّ جروح قلبي
كلمة من الله يا حرايرْ ... المكتوب على الجبين صايرْ
وممّا يقال في بكاء الرّجال: حطّوا اللّحد بيني وبينه ... ما عاد عيني تشوف عينه
وقد برز دورُ المرأةِ في البُكائيّات بشكلٍ يؤجِّجُ العواطف، ولا غرابة في ذلك، فبالإضافة إلى طبيعتها، التي تتفجّر بكاءً في لحظاتِ الحزنِ والفرح، فقد رضعت لبانَ الوطنيّة طفلةً، وامتطت صهواتِ النّضال فتاةً، وتجرّعت مرارةَ الفراق زوجةً وأمّاً، وهكذا فقد مضت تتوسّدُ نيرانَ الوداع، وتوشّحُه بموسيقا الذّكريات، كقولها في رثاء أبنائها:
لأسايلك يا شجرة الدّارْ ... ولا أُكلوا عنّك ثمارْ
لأسايلك يا شجرة التّينْ ... ما قيّلوا تحتك جاهلينْ
ويبقى البعدُ الوطنيُّ هو الأوفرُ حظّاً في وقعِ الأغنيّةِ الشّعبيّةِ، فمن الأغاني ما أصبح جزءاً من التّراث الأصيل، وظلّ يتردّدُ على ألسنةِ مُختلفِ فئاتِ الشّعب، فهذا الشّاعر عبد الرحمن محمد حمدان البرغوثي الملقّب ب(الخطابي)، صاحب القصيدة الشّعبية الشّهيرة (من سجن عكّا)، الّتي خلّد فيها أسماء شهداء فلسطين الثّلاثة: عطا الزّير، ومحمد جمجوم، وفؤاد حجازي، التي انتشرت بشكلٍ واسعٍ حين غنّتها فرقةُ العاشقين، في مَطلعِ ثمانينيّاتِ القرنِ الماضي. وهناك من نسبها للشّاعر الشّهيد نوح إبراهيم، وجاء فيها:
مِنْ سِجنِ عكّا طِلْعِت جَنازِة ... محمّدْ جمْجومْ وفُؤادْ حجازي
جازي عليهُم يا ربّي جازي ... المُندوبِ السّامي وربْعُه عموما
محمّد جَمْجوم ومَعْ عطا الزّير ... فؤادِ حْجازي عِزِّ الذَّخيرة
ومن القصائد الشّعبية الّتي ذاع صيتها، وانتشرت بين أرجاء الوطن، تلك القصيدة المنسوبة إلى الأسير عوض النّابلسيّ، حيث وُجدت منحوتة بأداة حادّة، على جدار زنزانته في سجن عكّا، ويقال: إنّه قد نظمها ليلةَ إعدامه:
يا ليل خلّي الأسير تايكمّل نواحو ... رايح يفيق الفجر ويرفرف جناحو
تايتمرجح المشنوق من هبّة رياحو ... وعيون في الزّنازين بالسّر ما باحوا
لا تظن دمعي خوف دمعي عَ أوطاني ... عَ كمشة زغاليل بالبيت جوعاني
مين راح يطعمها من بعدي وإخواني ... اثنين قلبي عَ المشنقة راحو
وقد برز دور الشّاعر إبراهيم محمّد صالح المعروف ب(أبو عرب)، فقد كان بلبلاً يصدحُ بشعره الشّعبيّ المُفعم بالوطنيّة في معظم محافل الأرض، يصوّرُ بصدقٍ آلامَ شعبه وقضاياه، ومن روائعه قصيدة (يا يمّا في دقّه عَ بابنا)، الّتي نظمها بعدَ سماعِه قصّةَ الشّهيدِ الثّائر محمود السّمّوديّ المعروف ب(بلال الأوسط)، حيث كان الشّهيد في إحدى عملياته العسكريّة ضدّ المحتلّ، فحاول الوصول إلى بيته في بلدة اليامون بمحافظة جنين، فوصلَ وطرقَ البابَ، واستغربتْ والدتُه هذا الزّائر في تلك السّاعة المتأخرة، لكنّ شقيقته قالتْ لأمّها: (هذي دقّة بلال)، فقال أبو عرب قصيدتَه المشهورة الّتي مطلعها:
يا يمّا في دقّه ع بابنا ... يا يمّا هاي دَقّةِ حبابنا
يا يما هاي دقّه قويّة ... يا يمّا دقّة فدائيّة
وتبقى الأغنيّةُ الشّعبيّةُ دعامةً من دعائمِ أصالةِ الشّعبِ الفلسطينيّ، وملمحاً من ملامحِ هُويّته؛ إذ التحمت بمعترك تراثه، وارتبطت بجذوره، وشكّلت وعاء ثقافته، وسمة من سماته الحضاريّة.