شرح الموضوع
قصيدة حرة لسميح القاسم يصف فيها معاناة الأسر في زنزانة مظلمة والبعد عن الأهل، ويحاور زائره الليلي، ويخاطب أمه، ويستبشر بزيارة النهار والفرج.
بين يدي النّص
(سميح القاسم)
سميح القاسم (١٩٣٩- ٢٠١٤م)
شاعر فلسطينيّ معاصر، وُلِدَ في مدينة الزّرقاء الأردنيّة، تعرّض للاعتقال، والإقامة الجبريّة، واتّخذه المحتلّ رهينة مرات عدّة، في محاولات بائسة لثنيه عن شعره الوطنيّ، إلّا أنّ ذلك زاده تصميماً، وعزماً على مواصلة طريقه النّضاليّ.
ترك القاسمُ خلفه مجموعة من الدّواوين الشّعريّة، منها: مواكب الشّمس، ودمي على كفّي، ودخان البراكين، وسقوط الأقنعة، وأغاني الدروب الذي أخذت منه هذه القصيدة.
وفي هذا النّصّ، وصف الشّاعرُ معاناته في الأسر، وهو معزول في زنزانةٍ سوداء مظلمةٍ، وبيّن آلام الوحدة والعزلة والفرقة، والبعد عن الأهل والأحبة، راسماً حواراً خياليّاً مع محيطه الصّامت، مستعيضاً عن الحَمام في نقل أخباره بالوطواط الّذي لا يظهر إلّا ليلاً، مُستبشراً بالفرج الّذي يحمل ضوء النّهار، ويطرد ظلمة اللّيل.
رسالة من المعتقل
ليس لديّ ورقٌ، ولا قلمْ
لكنّني.. من شدّة الحرّ، ومن مرارة الألمْ
يا أصدقائي.. لم أنمْ
فقلتُ: ماذا لو تسامرتُ مع الأشعار
وزارني من كوّةِ الزنزانةِ السوداء
لا تستخفّوا.. زارني وطواط؟
وراح، في نشاط
يُقبّل الجدران في زنزانتي السّوداء
وقلتْ: يا الجريء في الزّوّار
حدّث!.. أما لديك عن عالمنا أخبار؟
فإنّني يا سيّدي، من مدّةٍ
لم أقرأ الصُّحْف هنا.. لم أسمع الأخبار
حَدّث عن الدّنيا، عن الأهل، عن الأحبابِ
لكنّه بلا جواب!
صفّق بالأجنحة السّوداء عبر كُوّتي.. وطار!
وصحتُ: يا الغريب في الزّوّار
مهلاً! ألا تحملُ أنبائي إلى الأصحاب؟
***
من شدة الحرّ، من البقّ، من الألم
يا أصدقائي.. لم أنم
والحارس المسكين، ما زال وراءَ الباب
ما زال .. في رتابةٍ يُنَقّل القدم
مثليَ لم ينم
كأنّه مثليَ، محكوم بلا أسباب!
أسندتُ ظهري للجدار
مُهدَّماً... وغُصتُ في دوّامةٍ بلا قرار
والتهبتْ في جبهتي الأفكار
أُمّاه!! كم يُحزِنُني
أنّكِ، من أجليَ في ليلٍ من العذاب
تبكين في صمتٍ متى يعود
من شُغْلِهم إخوتيَ الأحباب؟
وتعجزين عن تناول الطّعام
ومقعدي خالٍ.. فلا ضِحْكٌ.. ولا كلام
أُمّاه! كم يؤلمني أنكِ تَجْهَشين بالبكاء
إذا أتى يسألكم عنّيَ أصدقاء
لكنّني.. أومن يا أُمّاه
أومنُ.. .. أنّ روعة الحياة
أولَدُ في مُعتَقَلي
أومنُ أن زائري الأخير.. لن يكونْ
خفّاش ليلٍ.. مُدْلِجاً، بلا عيون
لا بدّ.. أن يزورني النّهار
وينحني السّجان في انبهار
ويرتمي.. ويرتمي مُعتقِلي
مُهدَّماً.. لهيبةِ النّهار!