شرح الدرس
الاجتهاد (١)
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه انه سمع رسول الله ﷺ، يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»(١).
راوي الحديث:
هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي، قدم على النبي ﷺ مسلماً قبل الفتح بأشهر مع خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة، إلى المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان من الهجرة.
قال البخاري: ولاّه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل، أصله مكي، نزل المدينة، ثم سكن مصر، ومات فيها.
قال قبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلاً أبين -أو قال أفصح- رأياً، ولا أكرم جليساً، ولا أشبه سريرةً بعلانية منه.
كان من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، وكان شاعراً حَسَن الشعر، داهيةً من دهاة العَرَب الأربعة. قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد (بن أبيه).
مات رضي الله عنه سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة ثلاث وأربعين للهجرة الشريفة، روى له الجماعة.
أتعلم:
الجماعة: مصطلح حديثي يقصد به أصحاب الكتب الستة والإمام احمد في المسند.
شرح الحديث:
يبين الحديث الشريف فضل الاجتهاد وأهميته، والاجتهاد في اللغة: بذل الطاقة، وبلوغ الغاية في المشقة. وأما في الاصطلاح: فبذل الوسع في معرفة حكم شرعي بطريقة الاستنباط.
أهمية الاجتهاد وضرورته:
الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، ورسولنا محمد بن عبد الله ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، قال جل شأنه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب: ٤٠.
وقد خص الله سبحانه هذه الرسالة بالخلود والشمول والعموم؛ ذلك انها رسالة الله إلى الناس أجمعين، بغض النظر عن قومياتهم، أو أقطارهم، أو أجناسهم، أو ألوانهم، بل هي للإنس والجن على حد سواء، قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ الجن: ١-٢. وهي صالحة لكل زمان ومكان، ولكل البيئات، سواء أكان ذلك في الصحراء، أم في الجنان الخضراء، أم في الحضر أو في البادية، كما أنها صالحة لكل مجالات الحياة. من هنا أودع الله فيها خاصية المرونة؛ ففيها من الأصول والأحكام ما يجعلها قادرة على استيعاب كل جديد، والإجابة على كل تساؤل، وإعطاء حكم لكل مستجد.
فالاجتهاد وسيلة للتعرف على الأحكام الشرعية التي لا نص فيها، وهو دليل قاطع على مرونة التشريع الإسلامي وصلاحيته لكل زمان ومكان، ففيه إعمال للعقل بالنظر في الأدلة، وإلحاق الفروع بالأصول، وقياس الأمور بأشباهها ونظائرها، ما يحفظ شريعة الإسلام الاستمرارية والتجدد، والأخذ بزمام قيادة الحياة لما يحبه الله ويرضاه، وبهذا تتسع الشريعة الإسلامية حتى تستوعب كل مستحدث، وتمتلك القدرة على توجيه كل تطور إلى ما هو أقوم وأصلح وأنفع؛ لذلك ينبغي للأمة ألا تقفل باب الاجتهاد، حتى لا يقتلها التقوقع والجمود، فيكون المسلمون في واد ومسيرة الحياة وتطورها في واد آخر.
وفتح باب الاجتهاد يقتضي الحرص على تأهيل من يقوم بعبء ذلك من العلماء، وإلا فكيف السبيل للحكم على الأمور المشكلة والحادثات الكثيرة، والمسائل المستجدة الناجمة عن سير الحياة وتطور وسائلها؟
أجر المجتهد:
من المألوف في أذهان البشر أن الجزاء على الاحسان إحسان، وأن الخطأ لا يقابله ثواب، وحديث الرسول ﷺ في بيان أجر المجتهد جاء على خلاف ذلك، فقد بيّن ﷺ أن لكل مجتهد أجراً؛ فمن وافق الحق في اجتهاده وأصاب كان له أجران، ومَنْ اخطأ وجانبه الصواب فله أجر أيضاً؛ وفي ذلك تشجيع للعلماء على الاجتهاد، ورفع للحرج المتمثل في الخوف من الوقوع في الإثم في حال الخطأ في الاجتهاد. وفي ذلك تحفيز للعقول الناضجة والواعية لتفكر، وتستثمر المكنون من الطاقات والقدرات بما فيه النفع والخير.
من معاني الحديث:
في قوله ﷺ: «إذا حكم الحاكم»؛ أي إذا أراد أن يحكم، فعندئذٍ يجتهد، ويؤيده أن أهل الأصول قالوا: يجب على المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع النازلة (المسألة التي يراد أن يفتى فيها)، ولا يعتمد على ما تقدم له؛ لإمكان أن يظهر له خلاف غيره.
والمقصود بالمجتهد هنا الحاكم والخليفة، أو نائبه أو واليه، أو من كان مُنَصَّباً لمجلس القضاء أو الإفتاء، ومَنْ كان مثلهم من أهل العلم والصلاح.
وفي قوله ﷺ: «فاجتهد ثم أصاب»؛ أي: وافق اجتهاده وحكمه حكم الله تعالى.
وقوله: «ثم أخطأ»؛ أي: ظنّ أن الحق فيما اجتهد فيه، فوافق أن الصواب بخلاف ذلك، فالأول له أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، أما الثاني فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد. ومن رحمة الله تعالى أنه لم يؤاخذه على أخطائه؛ لأنه قصد وأراد الوصول إلى الحق فرفع عنه الإثم بالنية.
التقويم
- أكمل الحديث: «إذا حكم الحاكم . . . . . . . . . . الحديث».
- أعرّف براوي الحديث الشريف.
- أعرّف الاجتهاد لغة واصطلاحاً.
- أعلل ما يأتي:
- أ. فتح الإسلام باب الاجتهاد.
- ب. خاصية المرونة في نصوص الشريعة الإسلامية.
- ج. المجتهد المخطئ له أجر.
- أُبيّن المقصود بما يأتي:
- أ. قوله ﷺ: «إذا حكم الحاكم».
- ب. قوله ﷺ: «ثم أخطأ فله أجر».