شرح الدرس
اجتناب الكبائر (١) (شرح)
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حَرَّمَ الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»(١).
شرح الحديث:
أمر النبي ﷺ في هذا الحديث الشريف أمته باجتناب سبع خصال، والابتعاد عنها، ووصفها بأنها موبقة؛ أي: مهلكة لمرتكبها. وهذا الأمر منه ﷺ؛ ليقيم مجتمعاً إسلامياً صالحاً نظيفاً من الدنس، بعيداً عن الفواحش والخبائث، متحلياً بالأخلاق الحميدة، متمسكاً بأوامر الدين، سائراً على نهج قويم من المثل الكريمة، والبُعد عن الأفعال الشنيعة الفاحشة.
قوله ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات»:
أي: ابتعدوا عن هذه الكبائر المهلكة التي تدمر دين المرء، وتوقعه في المهالك. و(الموبقات): المهلكات، وسميت موبقة؛ لأنها سبب في هلاك مرتكبيها في الدنيا بما يترتب عليها من الفساد ومن العقوبات، وفي الآخرة من العذاب. و(الموبقات) جمع موبقة، والمراد بها: الكبيرة. فعن أنس رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله، وقتل النفس . . . . . . . . . . . . الحديث»(٢).
لماذا اقتصر الرسول ﷺ على هذه السبع؟ مع أن الكبائر غيرها كثيرة؟ الجواب على ذلك: أن الكبائر على درجات ومستويات، وقد ذكر غير هذه السبع في أحاديث أخرى، واقتصر هنا على هذه السبع لخطورتها، وأثرها المدمر على الفرد، وعلى المجتمع أكثر من غيرها.
---
- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الحدود، باب رمي المحصنات.
- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الآداب، باب عقوق الوالدين من الكبائر.
ما مفهوم الكبيرة عند العلماء؟
الكبيرة: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سُنَّة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيمة، أو اخبر فيه بشدة العقاب، أو رُتِّبَ عليه الحد، أو شُدِّدَ النكير عليه.
الشرك بالله:
«قالوا: يا رسول الله! وما هنَّ؟ قال: الشرك بالله». والشرك لغة: من المشاركة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ طه: ٤٣٢ أي: اجعله شريكي فيه. واصطلاحاً: هو أن يجعل المرء لله نداً، يدعوه ويرجوه ويخافه كما يخاف الله. وبدأ به ﷺ؛ لأنه أعظم ذنب عُصي الله به، كما جاء في الصحيحين: عن ابن مسعود رضي الله عنه: سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً، وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم . . . . الحديث(١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ النساء: ٤٨. قال ابن كثير: «اخبر تعالى أنه ﴿لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك»، فتبين هذه الآية أن الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله تعالى اخبر أنه لا يغفر لِمَنْ لم يتب منه، وذلك يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي شأنه عند الله؛ لأنه أقبح القبيح، وأظلم الظلم، وأما ما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة، إن شاء غفر لمن لقيه به، وإن شاء عذبه به، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. ومن الجدير بالذكر أن الشرك نوعان:
- شرك أكبر: وهو مُخرج من الملة، وصاحبه كافر.
- شرك أصغر: وهو من الكبائر التي يأثم صاحبها، لكن لا يُخرج من الملة.
صور من الشرك:
- اتخاذ الند من دون الله: الند: الشبيه، يقال: فلان نِدُّ فلان، ونديده؛ أي: مثله، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ البقرة: ١٦٥، أي: أمثالاً ونظراء، يحبونهم كحب الله. فكل مَن اتخذ نداً لله، يدعوه من دونه ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه.
--- (١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ح رقم (٤٤٧٧)، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، ح رقم ١٤٢-(٨٦). من قضاء حاجاته وتفريج كرباته، فجزاؤه النارُ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مات، وهو يدعو من دون الله ندّاً دخل النار»^(١)، وقلت أنا -أي: ابن مسعود-: مَنْ مات، وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة»، وفي الحديث تحذير من الشرك، وتخويف منه.
٢ الذبح لغير الله
قال تعالى:
﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ﴾
[البقرة: ١٧٣]،
وقد لعن الله مَنْ ذبح لغيره سبحانه وتعالى؛ فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: «لعن الله مَنْ ذبح لغير الله ................ الحديث»^(٢).
واللعن: البُعد عن مظّانّ الرحمة ومواطنها، واصل اللعن: الطرد والإبعاد من رحمة الله. ومن هذا الباب ما يفعله الجهلة من الذبح للجن، وهذا شرك يجب على المسلم أن يطهر نفسه منه وألا يفعله، أمّا ما يقوم به البعض من الذبح عند شراء سيارة، أو بناء بيت فليس بشرك إذا كان الذبح بنية الشكر لله تعالى.
٣ النذر لغير الله تعالى
النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد، كأن يكون للإنسان غائب أو مريض أو له حاجه، فيأتي إلى قبور بعض الصالحين، ويقول: يا سيدي فلان، إنْ رد الله غائبي أو عوفي مريضي أو قُضيت حاجتي فلك كذا وكذا، فهذا النذر باطل بالإجماع؛ لعدة أسباب:
- منها: أنّه نذر لمخلوق والنذر لمخلوق لا يجوز؛ لأنّه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق بل لله وحده.
- ومنها: أنّ المنذور له ميت، والميت لا يقدر على شيء.
- ومنها: أنّه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاده ذلك كفر.
إذا علمت هذا فما يقدم إلى ضرائح الأولياء تقرباً إليهم حرام، بل كبيرة وشرك بإجماع المسلمين. والنذر لغير الله إشراك مع الله في العبادة؛ كالذبح لغيره.
٤ الاستعاذة بغير الله
الاستعاذة: هي الالتجاء إلى الله، والالتصاق بجانبه سبحانه من شَرّ كل ذي شر، والعياذ يكون لدفع الشر، واللّياذ لطلب الخير، قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾
[الجن: ٦]؛
ذلك أنّ الرجل من العرب كان إذا أمسى بواد قفر، وخاف على نفسه، قال: «أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه»، يريد كبير الجن.
--- ^(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ﴾. ^(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ١/ ١٠، ١١٨، ١٥٢، ٢١٧، ٣٠٩، ٣٤٧. وقد أجمع العلماء على أنّه لا يجوز الاستعاذة بغير الله؛ لأنّ من استعاذ بغير الله وتقرب بما يحب، فقد عبده.
٥ الاستغاثة بغير الله، أو دعاء غيره سبحانه وتعالى
الاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار (طلب النصر) والاستعانة (طلب العون).
والفرق بين الاستغاثة والدعاء أنّ الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنّه يكون من المكروب وغيره.
٦ الذهاب إلى العرّافين والكُهّان والسحره والمشعوذين
فيطلب منهم أن يقرؤوا لهم الطالع والأبراج والكف والفنجان، أو يعملوا السحر، أو يكشفوا لهم عمّا سُرِقَ منهم، وغير ذلك من ادّعاء معرفة الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
■ ما يستفاد من الحديث:
١ تحريم كل كبيرة من الكبائر السبع المذكورة. ٢ على الداعية أن يحذّر الناس من الخطر الذي يؤثر على عقيدتهم وسلوكهم. ٣ الإسلام يكوّن شخصية الفرد، ويحرره من البدع والخرافات. ٤ الإسلام دين المبادئ والمعاملة. ٥ الإسلام يحارب الشرك بكل صوره.
التقويم
١ أُبين معاني المفردات الآتية: الموبقة، الشرك، الاستغاثة، الاستعاذة. ٢ أذكر خمساً من صور الشرك. ٣ أُبين حكم الذبح لغير الله. ٤ أُعلل حرمة ما يأتي: أ النذر للصالحين من الأموات. ب قراءة الفنجان والكف والأبراج.