شرح الدرس
هناك ثلاث وجهات نظر مختلفة تساعدنا في فهم أسباب نشوء الظواهر الاجتماعية وتطورها، وطريقة تفاعل الناس مع بعضهم بعضًا، والعلاقات التي تربطهم، وهي كما يأتي:
ما المنظورات الرئيسة في علم الاجتماع؟
هناك ثلاث وجهات نظر مختلفة تساعدنا في فهم أسباب نشوء الظواهر الاجتماعية وتطورها، وطريقة تفاعل الناس مع بعضهم بعضًا، والعلاقات التي تربطهم، وهي كما يأتي:
أولًا | المنظور البنائي الوظيفي
يرى أتباع هذا المنظور أن المجتمع يشبه جسم الإنسان؛ فكما يتكوّن الجسم من أجهزة مختلفة مثل الجهاز العصبي والتنفسي والهضمي، ويتعاون كل جهاز ليحافظ على صحة الإنسان، كذلك يتكوّن المجتمع من مؤسسات مختلفة مثل الأسرة، والمدرسة، ودور العبادة، وكل مؤسسة لها وظيفة خاصة تساعد على تشكيل المجتمع واستقراره. وإذا توقفت إحدى هذه المؤسسات عن أداء دورها، فإنَّ ذلك سيؤثر في المجتمع كله، مثلما يتأثر الجسم عندما يتوقف أحد أجهزته عن العمل؛ ما يستدعي التدخل والعلاج.
يُعدُّ المفكر هربرت سبنسر من أوائل من استخدم هذا التشبيه البيولوجي، حيث رأى أن المجتمع كائنٌ حيّ يعمل بانسجام بين أجزائه. ثم جاء المفكر إميل دوركايم ليطوّر هذا المنظور بطريقة علمية، مؤكدًا أن لكل مؤسسة وظيفة ضرورية أو أكثر للحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه، وأن التعاون بين أجزائه يحقق التوازن والاستقرار الاجتماعي.
هربرت سبنسر إميل دوركايم
إثراء يؤكد المنظور البنائي الوظيفي أهمية أن تقوم كل مؤسسة في المجتمع بدورها ووظيفتها كما هو متوقع منها، حتى تسود المجتمع حالة من الاستقرار والسلام والتوازن. فإذا قامت كل أسرة، ومدرسة، ومؤسسة بدورها، عاش الناس في وئام، وتقدّم المجتمع بشكل طبيعي.
ثانيًا | المنظور التفاعلي الرمزي
يرى أتباع هذا المنظور الذي وضعه العالم هربرت بلومر في بدايات القرن العشرين، أنَّ المجتمع يتكوّن من تفاعل بين الأشخاص، سواء بين فردين أو بين فرد ومجموعة، وأنَّ هذا التفاعل يعتمد على فهم مشترك للرموز، مثل الكلمات، والإيماءات، والإيحاءات.
وغالبًا ما يستطيع أبناء المجتمع الواحد فهم بعضهم بعضًا؛ لأنهم يشتركون في الثقافة المجتمعية نفسها. ومن هذا المنطلق نجد أن ما يساعد على تكوين المجتمع وتماسكه هو هذه الرموز المشتركة؛ فالعرب مثلا يشتركون برموز خاصة بهم، وكذلك شعوب أوروبا أو شعوب شرق آسيا. ويمكن أن يكون في الدولة الواحدة مجتمعات فرعية، لكل واحدة منها رموز خاصة بها، يستخدمونها أثناء تفاعلاتهم وهي التي تشكل هويتهم المميزة.
هربرت بلومر
ثالثًا | منظور الصراع الاجتماعي
يرتبط هذا المنظور بأفكار الفيلسوف الألماني كارل ماركس، الذي يرى أن الاقتصاد (أو ما يُسمى «البنية التحتية») هو الأساس الذي يحدّد شكل الحياة في المجتمع، مثل العادات والتقاليد، والموسيقى، واللباس، وحتى طريقة التفكير، وهي تُعرف بـ«البنية الفوقية».
يرى ماركس أن المجتمع ينقسم إلى طبقتين حسب مستوى دخلهم:
| الطبقة الفقيرة (العمال) | الطبقة الغنية (البرجوازية) |
|---|---|
| طبقة متدنية الدخل والموارد الإنتاجية ويسعون لتحسين وضعهم المعيشي. | طبقة من الأثرياء يملكون المال ومصادر الدخل ومقومات الاقتصاد. |
كارل ماركس حسب هذا المنظور، يحدث صراع دائم بين الطبقات، لأنَّ كل طبقة تريد تحقيق مصالحها؛ فالأغنياء يريدون الحفاظ على أموالهم وزيادتها، والفقراء يريدون أجورًا أفضل وحياة كريمة، ولهذا، فإنَّ الصراع بينهم لا يتوقف وهو العنصر الأساسي في تشكيل المجتمعات وفي التمايز بينها. على سبيل المثال، في بعض المجتمعات قد تكون الطبقة البرجوازية قليلة العدد هي المسيطرة مع أن الطبقة الفقيرة هي التي تمثل السواد الأعظم من المجتمع. ومن هنا يبرز الصراع بين الطبقات، وتحاول كل منها فرض سيطرتها وفرض شروطها على الطبقة الأخرى.
هذا المنظور يؤكد أن الصراع بين الطبقات جزءٌ طبيعي من الحياة الاجتماعية، ويؤدي إلى الاختلاف والتنافس، وتضارب المصالح، وهو ما يدفع المجتمع أحيانًا إلى التغيير.
إثراء قدّم ابن خلدون في القرن الرابع عشر في مقدمته الشهيرة فكرة رائدة حول تطور المجتمعات أطلق عليها اسم «العُمران البشري»، وهي تقوم على دراسة انتقال المجتمع من البداوة إلى التحضّر، وكيف تنشأ الدول وتتطور ثم تضعف وتسقط. وقد لاحظ ابن خلدون أنَّ كل دولة تمر بثلاث مراحل:
- مرحلة البداوة والنشأة.
- مرحلة الحضارة والازدهار.
- مرحلة الضعف والانهيار.
وأكد أن العصبية القبلية، أي التضامن بين أفراد الجماعة، تؤدي دورًا مهمًا في قيام الدول، وأن الترف الزائد والابتعاد عن القيم يؤديان إلى ضعفها. تُعدُّ أفكار ابن خلدون أساسًا مهمًا في فهم تطور المجتمعات، ويستفيد منها علم الاجتماع الحديث حتى اليوم.
التّنوع البشري
التنوع البشري في الرموز والإيماءات يُظهر اختلافات كبيرة بين الثقافات، حيث قد تعبّر الحركة أو الرمز نفسه عن معانٍ متباينة، أو حتى متناقضة حسب السياق الثقافي. إليك أمثلة توضح ذلك:
- علامة رفع الإصبعين:
- في الغرب: تعني النصر أو السلام.
- في بعض دول آسيا (مثل كوريا واليابان): تُستخدم عند التقاط الصور كرمز للبهجة.
- في المملكة المتحدة إذا كانت ظهر اليد للخارج: قد تعني إهانة.
- رفع الحاجبين:
- في الغرب: قد تعني الدهشة أو السخرية.
- في الفلبين: تُستخدم لتحية شخص بدلًا من قول «مرحبًا».
- التلويح باليد:
- في الغرب: تحية ودّية.
- في الصين: قد تُعدّ وقحة إذا كانت الحركة سريعة (كأنها طرد شخص).
- إخراج اللسان:
- في الغرب: سخرية أو طفولة.
- في التبت: تحية تقليدية بين الرهبان البوذيين.
ومن هذا المنطلق، قد يحدث أحيانًا سوء الفهم في تفسير التفاعلات الرمزية. تخيل أنك قابلت صديقًا قديمًا لم تره منذ فترة طويلة، فقمت بتقبيله على الخد. هذا سلوك طبيعي ومقبول في ثقافتنا، لكنه في بعض الثقافات الغربية قد يُعدّ سلوكًا غير مناسب أو حتى «غريبًا». ونجد مثلًا أن تقبيل الرأس في ثقافتنا العربية يعبر عن التقدير والاحترام، ولكنه قد يعبر عن السيطرة في ثقافات أخرى.
أختبر معلوماتي
- ممَّ يتكون المجتمع حسب المنظور البنائي الوظيفي؟
- ما الطبقات الثلاث للمجتمع التي جاء بها المفكر كارل ماركس؟
- كيف تتكون المجتمعات حسب النظرية التفاعلية الرمزية؟
- ما المراحل التي تمرُّ بها الدولة كما بينها ابن خلدون؟