شرح الموضوع
التَّعْبِيرُ:
نَقْرأُ القِصَّةَ الآتِيَةَ، وَنُلَخِّصُها فِي حُدودِ عَشَرَةِ أَسْطُرٍ، وَنَضَعُ عُنْواناً مُناسِباً لَها: أَرادَ شابٌّ أَنْ يُسافِرَ إِلَى مَكَّةَ؛ لِيُؤَدِّيَ العُمْرَةَ، فَأَعَدَّ جَمَلَهُ وَطَعامَهُ، وَبَدَأَ رِحْلَتَهُ. وَبَعْدَ ساعاتٍ مِنَ السَّفَرِ، وَجَدَ مَكاناً فِيهِ عُشْبٌ أَخْضَرُ، فَلَجَأَ إِلَيْهِ؛ لِيَسْتَرِيحَ بَعْضَ الوَقْتِ. جَلَسَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، وَراحَ فِي سُباتٍ عَمِيقٍ. وَفِي أَثْناءِ نَوْمِهِ، راحَ جَمَلُهُ يَتَنَقَّلُ هُنا وَهُناكَ، حَتَّى دَخَلَ فِي بُسْتانٍ قَرِيبٍ. بَدَأَ الجَمَلُ يَأْكُلُ مِنَ الثِّمارِ وَالأَعْشابِ، وَيُفْسِدُ كُلَّ مَكانٍ يَمُرُّ بِهِ، وَكانَ حارِسُ البُسْتانِ شَيْخاً كَبِيرَ السِّنِّ. حاوَلَ الحارِسُ طَرْدَ الجَمَلِ مِنَ البُسْتانِ، فَلَمْ يَقْدِرْ. خافَ الحارِسُ أَنْ يُفْسِدَ الجَمَلُ البُسْتانَ كُلَّهُ، فَقَتَلَهُ. وَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الشَّابُّ مِنْ نَوْمِهِ، بَحَثَ عَنْ جَمَلِهِ، فَوَجَدَهُ داخِلَ البُسْتانِ مَقْتولاً. جاءَ حارِسُ البُسْتانِ، فَسَأَلَهُ الشَّابُّ: مَنْ قَتَلَ هذا الجَمَلَ؟ ذَكَرَ الحارِسُ أَنَّ ما فَعَلَهُ الجَمَلُ بِأَشْجارِ البُسْتانِ دَفَعَهُ إِلَى قَتْلِهِ. غَضِبَ الشَّابُّ غَضَباً شَدِيداً، وَضَرَبَ الحارِسَ ضَرْبَةً قَتَلَتْهُ فِي الحالِ. نَدِمَ الشَّابُّ عَلَى ما فَعَلَ، وَفَكَّرَ فِي الهَرَبِ. وَفِي أَثْناءِ ذلِكَ، وَصَلَ ابْنا الحارِسِ، وَأَمْسَكا بِهِ، وَذَهَبا بِهِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (رضي الله عنه)، وَطَلَبا تَنْفِيذَ القِصاصِ فِيهِ. سَأَلَ عُمَرُ (رضي الله عنه) الشَّابَّ، فَاعْتَرَفَ بِجَرِيمَتِهِ، وَقالَ إِنَّهُ نادِمٌ عَلَى ما فَعَلَ أَشَدَّ النَّدَمِ. قالَ عُمَرُ (رضي الله عنه): لَيْسَ لَكَ عِنْدِي إِلا تَنْفِيذُ شَرْعِ اللهِ. عِنْدَئِذٍ طَلَبَ الشَّابُّ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (رضي الله عنه) أَنْ يُمْهِلَهُ يَوْمَيْنِ يَذْهَبُ فِيهِما إِلَى بَلَدَتِهِ؛ لِيُسَدِّدَ بَعْضَ الدُّيونِ الَّتِي عَلَيْهِ. فَقالَ عُمَرُ بْنِ الخَطَّابِ (رضي الله عنه): أَحْضِرْ مَنْ يَضْمَنُ لَنا عَوْدَتَكَ ثانِيَةً، وَإِذا لَمْ تَعُدْ، نَفَّذْنا فِيهِ الحُكْمَ بَدَلاً مِنْكَ. فَقالَ الشَّابُّ: أَنا يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، غَرِيبٌ عَنْ هذِهِ الدِّيارِ، وَلا أَسْتَطِيعُ أَنْ آتِيَ بِضامِنٍ. وَكانَ الصَّحابِيُّ أَبو ذَرٍّ الغِفارِيُّ (رضي الله عنه) حاضِراً، فَقالَ لِعُمَرَ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هذِهِ رَأْسِي أُقَدِّمُها لَكَ إِذا لَمْ يَحْضُرْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي الله عنه) فِي دَهْشَةٍ: أَأَنْتَ الضَّامِنُ يا أَبا ذَرٍّ، يا صاحِبَ رَسولِ اللهِ؟! قالَ أَبو ذَرٍّ: نَعَمْ، يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. وَفِي يَوْمِ تَنْفِيذِ حُكْمِ القَتْلِ، انْتَظَرَ الجَمِيعُ عَوْدَتَهُ، وَكانَتِ المُفاجَأَةُ! فَقَدْ رَآهُ الحاضِرونَ مُقْبِلاً مِنْ بَعِيدٍ بِسُرْعَةٍ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَكانِ تَنْفِيذِ الحُكْمِ، فَنَظَرَ الجَمِيعُ إِلَيْهِ فِي دَهْشَةٍ! حِينَئِذٍ قالَ عُمَرُ (رضي الله عنه): لِماذا عُدْتَ أَيُّها الشَّابُّ، وَكُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ؟ قالَ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَعَلْتُ هذا كَيْ لا تَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ قَدْ ضاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وَتَوَجَّهَ عُمَرُ (رضي الله عنه) إِلَى أَبي ذَرٍّ، وَسَأَلَهُ: وَأَنْتَ يا أَبا ذَرٍّ، لِمَ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ، وَأَنْتَ لا تَعْرِفُهُ؟! فَأَجابَ أَبو ذَرٍّ (رضي الله عنه): فَعَلْتُ ذلِكَ حَتَّى لا تَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ المُرُوءَةَ قَدْ فُقِدَتْ مِنْ أَهْلِها!. وَعِنْدَئِذٍ قالَ الشَّابَّانِ ابْنا الحارِسِ المَقْتولِ: وَنَحْنُ بِدَوْرِنا -يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ- نُشْهِدُكَ بِأَنَّنا قَدْ عَفَوْنا عَنْهُ، وَتَنازَلْنا عَنْ حَقِّنا؛ فَلَيْسَ هُناكَ أَفْضَلُ مِنَ العَفْوِ عِنْدَ المَقْدَرَةِ. (موقع الحكواتي، المؤسسة العربية للثقافة، 2013م، بتصرف)
نَشاطٌ:
نَعودُ إِلَى مَجْمَعِ الأَمْثالِ، وَنَخْتارُ مِنْهُ قِصَّةً مِثْلَ آخَرَ، وَنَكْتُبُها.