شرح الموضوع
بين يدي النص:
يسلط هذا الدرس الضوء على اثنين من أشهر الأطباء في العصر العباسي، هما: ابن سينا، والرازي. الرازي (250هـ - 311هـ): عالم وطبيب مسلم من الري، وصفته (سيغريد هونكه) في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب): أنه «أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق»، ألف كتاب (الحاوي في الطب). ابن سينا (370هـ - 427هـ): عالم وطبيب مسلم، اشتهر بالطب والفلسفة، واشتغل بهما. ولد في بخارى من أب من مدينة بلخ، وأم قروية، ألف كتاب (القانون في الطب).

الرازي هو أبو بكر محمد بن زكريا، نسبة إلى الري مسقط رأسه، وهي بلدة قريبة من طهران عاصمة إيران. بدأ حياته بالضرب على العود، ثم ترك الغناء، واهتم بالطب والفلسفة، وبرع فيهما براعة متقدمة. ذكره ابن النديم أنه كان - أوحد دهره، وفريد عصره -، وقد جمع المعرفة بعلوم القدماء، ولا سيما الطب. كان الرازي كريماً، عطوفاً على الفقراء والمرضى، حتى إنه كان يجري عليهم الجرايات الواسعة، ويعالجهم. ومن الأمثال التي كانت جارية على الألسنة، وتدل على المكانة المرموقة للرازي قولهم: كان الطب معدوماً فأحياه جالينوس، وكان متفرقاً فجمعه الرازي، وكان ناقصاً فأكمله ابن سينا-، ولذلك يعد الرازي أبا الطب العربي، وعرف بين معاصريه باسم جالينوس العرب، وقيل عنه في كتاب (طبقات الأمم): إنه طبيب المسلمين غير مدافع. ينسب إلى الرازي اختراع الفتيلة في الجراحة، كما أنه أول من كتب عن الجدري والحصبة، ووضع قواعد الطب الروحاني، حيث ذكر أن النفس لها الشأن الأول فيما بينها وبين البدن من صلة، ولذلك أوجب على طبيب الجسم أن يكون طبيباً للروح أيضاً. وله رسائل جديدة في المداواة، كاستخدام الماء البارد في الحميات المستمرة، مما أخذ به علم الطب الحديث. ألف الرازي واحداً وثلاثين ومئة كتاب، نصفها في الطب، فقد معظمها؛ ولذلك قيل عنه: إنه لم يكن يفارق النسخ، إما يسود، وإما يبيض. ومن أشهر كتبه (الحاوي)، وهو دائرة معارف ضخمة، تقع في عشرين جزءاً، جمع بين دفتيه ما وصل إليه الإغريق، والفرس، والهنود في الطب، ومبتكراته، وترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية سنة ألف ومئتين وتسع وسبعين للميلاد في صقلية، وطبع كذلك سنة ألف وأربعمئة وست وثمانين للميلاد، وأعيد طبعه مرات عدة. وكذلك كتاب (المنصوري) الذي أرسله
برع: أبدع. الجرايات: المخصصات المالية. المرموقة: ذات المنزلة العالية. جالينوس: طبيب، وفيلسوف يوناني مشهور. الحميات: الإقلال من الطعام ونحوه مما يضر، ومفردها: حمية. النسخ: الكتابة. الدفة: الجنب من كل شيء، أو الصفحة.
إلى الأمير منصور بن إسحاق الساماني، وهو على صغر حجمه من الكتب الفريدة المختارة، جمع فيه بين العلم والعمل. ويستنبط من مؤلفات الرازي أن معمله كان مجهزاً بمختلف الأدوات، والأجهزة، والأدوية اللازمة لمهنة الطب. ويظهر من مناهج جامعة لوفان في بلجيكا أن كتب الرازي وابن سينا كانت المصادر المعتمدة عند أساتذة هذه الجامعة حتى أوائل القرن السابع عشر. وتقديراً لجهود الرازي، فقد أطلقت جامعة برينستون الأمريكية على أفخم ناحية في أجمل أبنيتها اسمه؛ لمآثره. ويروي مؤرخو حياة الرازي أنه فقد البصر في آخر حياته، ورفض أن تجرى له عملية جراحية، وقال: «لا، قد أبصرت في الدنيا حتى مللت». أما ابن سينا فبرع في الطب أيضاً، وهو أبو علي الحسين بن عبد الله، ولد في بلخ، وانتقل إلى بخارى، ولقب بالشيخ الرئيس؛ لشهرته. وقد تفوق الرازي على ابن سينا في الطب، ولكن ابن سينا تفوق عليه في الفلسفة، وتجمعت عدة علوم في شخصية ابن سينا؛ فكان طبيباً، وفيلسوفاً، ولغوياً، وشاعراً، وقد وضع فيها ما يزيد على مئة كتاب ورسالة، يعد بعضها موسوعات، ودوائر معارف، ما دفع البروفيسور (سارت) إلى القول: «إن ابن سينا أعظم علماء الإسلام، ومن أشهر العلماء العالميين». وأشهر كتب ابن سينا في هذا المضمار كتاب (القانون في الطب)، وظل هذا المؤلف، وكذلك الجزء التاسع من موسوعة الرازي أساس المحاضرات التي ألقيت عن الطب في الجامعات الأوروبية حتى القرن السادس عشر. ينسب إلى ابن سينا أنه أول من كشف عن الدودة الطفيلية الموجودة في الإنسان المسماة بالأنكلستوما (الدودة الخطافية)، والمرض الناشئ عنها المسمى بالرهقان، وقد أقرت مؤسسة (روكفلر) الأمريكية أن ابن سينا
مآثر: أفعال حميدة، ومفردها: مأثرة. المؤرخ: من يكتب التاريخ. بلخ وبخارى: موضعان.
عرف هذا المرض قبل الطبيب الإيطالي (دوبيني) بتسعمئة عام. كما تحقق ابن سينا بطريقة تجريبية من قوة الثوم ضد سم الحية. وفي كتاب القانون لابن سينا ما يشير إلى أن الأطباء المسلمين عرفوا السل الرئوي، وبه أول وصف لداء الفيلاريا (مرض الفيل)، وانتشاره في الجسم، وأول وصف للجمرة الخبيثة التي أطلق عليها العرب النار الفارسية، وقد بين ابن سينا في كتابه تشريح جميع أعضاء الجسم حتى تشريح الأسنان، وعظام الفكين، وأعصاب الوجه، والجبهة، والمقلة، والجفن، والخد، والشفة، واللسان، وأعصاب النخاع، والصدر. وبهذا يكون المسلمون قد سبقوا غيرهم في مجال الطب وغيره من مجالات العلوم الأخرى، بفضل هذين العالمين الفذين اللذين أجادا في هذا المضمار أيما إجادة، فبزغ نجمهما في دياجي الظلم، وبلغت شهرتهما أرجاء المعمورة. (تاريخ الحضارة الإسلامية، أ. د. خلقي خنفر، بتصرف)
دياجي: ظلمات.
الفهم والاستيعاب:
- بم برع كل من الرازي وابن سينا؟
- اتصف الرازي بصفات إنسانية، نستخرجها من النص.
- ما دلالة كل مما يأتي:
- أ. تأليف كل من الرازي وابن سينا عدداً كبيراً من الكتب.
- ب. كتب الرازي وابن سينا تدرس في بعض الجامعات الأمريكية والأوروبية.
- ج. قول (سارت): إن ابن سينا أشهر العلماء العالميين.
- نذكر أبرز كتب كل من الرازي وابن سينا في مجال الطب.
- ينسب إلى كل من الرازي وابن سينا عدد من الاختراعات، نعددها.
المناقشة والتحليل:
- ما المقصود بالطب الروحاني؟
- سبق المسلمون غيرهم إلى اكتشاف الداء والدواء، ما دليلنا على ذلك؟
- برأيك، ما الذي أدى إلى تراجع العرب والمسلمين في مختلف مجالات المعرفة هذه الأيام؟
اللغة والأسلوب:
- نستخرج معنى الكلمات الآتية من المعجم الوسيط: الغناء، الطب، يستنبط، المضمار، المقلة.
- ما نوع الهمزة فيما يأتي: أول، الجسم، استخدام، ابن، أرجاء؟
- نعرب ما تحته خط فيما يأتي:
- أ. ابن سينا هو أبو علي الحسين بن عبد الله.
- ب. كانت للرازي مكانة مرموقة في العالم.
- ج. ألف الرازي واحداً وثلاثين ومئة كتاب.
- د. ظل هذا المؤلف أساس المحاضرات التي ألقيت عن الطب.