شرح الدرس
هنالك من يرى أنّ حملات الفرنجة، أو ما يُعرف في الغرب بالحروب الصّليبيّة، لم يكن هدفها الأساسي دينيّاً، وإنّما اقتصاديّ. في حين ادّعت الكنيسة الغربيّة أنّها حرب عادلة؛ بهدف تحرير المقدّسات المسيحيّة…
الدرس الثالث: الحروب الفرنجيّة (١٠٩٥ - ١٢٩١م)
يُتوقّع من الطلبة بعد نهاية الدّرس أن يكونوا قادرين على:
- تعريف المقصود بالحروب الفرنجيّة.
- توضيح دوافع الحروب الفرنجيّة.
- بيان سير أبرز الحملات الفرنجيّة إلى الشّرق.
- الموازنة بين أخلاقيات القتال عند كلّ من الفرنجة والمسلمين أثناء الحروب الفرنجيّة.
- استكشاف نتائج الحروب الفرنجيّة على الشّرق.
التّهيئة الحافزة:
هنالك من يرى أنّ حملات الفرنجة، أو ما يُعرف في الغرب بالحروب الصّليبيّة، لم يكن هدفها الأساسي دينيّاً، وإنّما اقتصاديّ. في حين ادّعت الكنيسة الغربيّة أنّها حرب عادلة؛ بهدف تحرير المقدّسات المسيحيّة في الأراضي المقدّسة، وضمّها لسلطتها.
- ما رأيك بهذين الادعاءين؟ وكيف تردّ عليهما؟
مفهوم حروب الفرنجة:

خريطة (١) الإمارات الصليبية في المشرق الإسلامي (١٠٩٥-١٢٩١م)
وقد اشتهر منها ثماني حملات: كانت الأولى، والثّانية، والثّالثة، والسّادسة باتّجاه الأراضي المقدّسة، بينما الخامسة، والسّابعة باتّجاه مصر، في حين استهدفت الرّابعة القسطنطينيّة، وأخيراً الثّامنة نحو تونس. أمّا الغرب، فقد أطلق عليها بداية (الحجّ المسلّح)، ثمّ تطوّر المصطلح في العالم الغربي لتعرف لاحقاً باسم (الحروب الصّليبيّة).
دوافع الحروب الفرنجيّة:
ساهم النّظام الإقطاعي السّائد في الغرب الأوروبّي في تحفيز كثيرين إلى التّوجّه نحو الشّرق، حيث كانت أوروبا مقسّمة إلى عدد كبير من الإقطاعيّات المتصارعة والمتحاربة، وعندما بدأت الدّعوة لغزو الشّرق، وجد الأمراء الإقطاعيّون الفرصة لبناء إمارات خاصّة بهم في الشّرق؛ لوقف الحروب الدّاخليّة الدّائرة بينهم، وفي الوقت نفسه، دفعت العامّة والفلاّحين والأقنان للانضمام إلى هذه الحروب؛ أملاً في التّخلّص من حالة الفقر والبؤس التي كانوا يعيشونها؛ بسبب ضغط الطّبقة الإقطاعيّة عليهم؛ للحصول على الضّرائب والأتاوات، وهرباً من الأوضاع الاقتصاديّة السّيّئة التي كانت تعصف بأوروبّا. أمّا الكنيسة، فقد عدّتها (حرباً عادلة)؛ لأنّ هدفها ضمّ المقدّسات المسيحيّة في الأراضي المقدّسة لسلطتها، ومن أجل تأمين طرق الحجّ إلى الأراضي المقدّسة، وتوحيد الكنيستين الشّرقيّة والغربيّة تحت زعامة البابا في روما، إضافة إلى أطماع المدن التّجاريّة الإيطاليّة في السّيطرة على تجارة البحر المتوسّط، وحبّ بعض الفرسان للمغامرة والاستطلاع، والمنافع الدّنيويّة، والأخرويّة. ساعدت الأوضاع في الشّرق على اندفاع قسم من الفرنجة نحو المنطقة؛ بسبب انقسام العالم الإسلامي، ودخول الإمارات الإسلاميّة في حالة من الصّراع والعداء الدّائم، وتأكّد الغرب من عدم وجود جبهة إسلاميّة موحّدة في وجههم، ونجاح الأوروبّيين في الأندلس باسترداد بعض الممالك الإسبانيّة، والذي أكّد لهم عجز العالم الإسلامي عن مقاومتهم في حالة شنّ هذه الحروب.
- نوضّح الدّوافع الرّئيسة للحروب الفرنجيّة في المشرق العربي.
قضيّة للنّقاش: ساهمت أوضاع العالم الإسلامي الدّاخليّة في نجاح الحملات الفرنجيّة.
الحملات الفرنجيّة، ومقاومتها:

خريطة (٢) الحملات الفرنجية على الشرق (١٠٩٧-١١٤٩م)
- نذكر أبرز الحملات الفرنجيّة على الشّرق خلال الفترة ١٠٩٧-١١٤٩م.
- نحدّد اتّجاه الحملتين الأولى والثّانية إلى الشّرق.
- نبيّن النّجاحات التي حقّقتها الحملتان الأولى والثّانية.
استجابت أوروبا لدعوة البابا أوربان الثّاني في مؤتمر كليرمونت الّذي انعقد في فرنسا عام ١٠٩٥م، ودعا فيه إلى شنّ حملات عسكريّة باتّجاه الشّرق؛ لإنقاذ المسيحيين، وتحرير قبر السّيّد المسيح على حدّ زعمه، وبدأ الرّهبان والنّسّاك بحث النّاس على المشاركة، وأخذت الكنيسة بالاتّصال بالأمراء الإقطاعيّين والفرسان؛ بغرض تجهيز الحملات العسكريّة. سارت الحملة الأولى على مرحلتين، عُرفت الأولى بحملة الفقراء، أو الحملة الشّعبيّة بقيادة الرّاهبين بطرس النّاسك، ووالتر المفلس، ولكنّها فشلت، وهزمها السّلاجقة؛ بسبب افتقارها إلى التّسليح الجيّد، واتّسمت بالفوضى، وانعدام الانضباط، وغياب القيادة الموحّدة والتّموين الكافي. أمّا المرحلة الثّانية، فقد قادها الأمراء الإقطاعيّون والفرسان المدربّون، والمسلّحون جيّداً، وكانوا أكثر تمويناً وانضباطاً وخبرة في الحروب، وابتدؤوا بتحرّكات عسكريّة مخطّطة ومنظّمة، نجحت في تأسيس الإمارات الفرنجيّة، كإمارة الرّها، وأنطاكية، ثمّ إمارة بيت المقدس في تمّوز سنة ١٠٩٩م.
- تباينت ردود الفعل في العالم الإسلامي على الحملة الأولى؛ فيروى أنّ الفاطميّين حاولوا التّحالف مع الفرنجة في صراعهم مع السّلاجقة، إلا أنّهم فشلوا في ذلك.
- أمّا الإمارات السّلجوقيّة، فقد أدركت أنّ سبب انتصار الحملة يكمن في تفرّقهم، وأنّ الانتصار يكمن في الوحدة، وأنّه لا بدّ من بعث روح الجهاد، لذا عمل عماد الدّين زنكي على توحيد الجزيرة الفراتيّة مع حلب؛ ما أدّى إلى قضائه على إمارة الرّها سنة ١١٤٤م، وبذلك كانت الرّها أوّل إمارة ينشئها الفرنجة، وأوّل إمارة يستعيدها المسلمون.
أدّى سقوط الرّها إلى إرسال الحملة الفرنجيّة الثّانية سنة ١١٤٧م بقيادة كونراد ملك ألمانيا، ولويس السّابع ملك فرنسا، إلا أنّ السّلاجقة تمكّنوا من القضاء على الحملة في منطقة الأناضول، ولم يتمكّن الملكان من الوصول إلى القدس، ثمّ اجتمعوا مع الأمراء في مدينة عكّا، وتقرّر العمل على احتلال دمشق، إلا أنّهم سرعان ما هُزموا، ولم تحقّق الحملة شيئاً من أهدافها.
كان وصول صلاح الدّين الأيّوبي إلى الحكم بين عامي (١١٧٤-١١٩٣م) بعد انتهاء حكم الزّنكيين في دمشق نقطة تحوّل في الصّراع الإسلامي مع الفرنجة؛ إذ تمكّن من هزيمة الصّليبيين في معركة حطّين، بالقرب من طبريّة عام ١١٨٧م، والتي كان من أهم نتائجها: إفراغ الإمارات الفرنجيّة من المقاتلين؛ بسبب كثرة مَن قُتِل، أو أُسِر في المعركة، وتحرير مدينتي بيت المقدس، وعكّا، وعلى إثر هذه الانتصارات، أرسلت أوروبا حملات عسكريّة جديدة إلى الشّرق.
تمكّنت الحملة الفرنجيّة الثّالثة ١١٨٩م من إعادة احتلال مدينة عكّا، ولكنّها فشلت في إعادة احتلال القدس؛ ما دفع الطّرفين إلى المفاوضات سنة ١١٩٢م، التي انتهت بتوقيع صلح الرّملة، بين صلاح الدّين الأيّوبي والملك ريتشارد، الذي نصّ على هدنة بين الطّرفين مدّة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، بحيث تبقى المنطقة السّاحليّة من صور إلى يافا بأيدي الفرنجة، وتكون عسقلان والقدس بأيدي المسلمين، مع إعطاء النّصارى الحقّ بزيارة الأماكن المقدّسة.

خريطة (٣) موقع معركة حطين
أما الحملتان الرابعة والخامسة، فقد كان هدفهما مصر، إلا أن الرابعة غيرت وجهتها نحو القسطنطينية. بينما توجهت الحملة الخامسة نحو السواحل المصرية، فقاموا بمهاجمة دمياط، واحتلالها، ثم ساروا نحو القاهرة، إلا أنهم هزموا؛ ما اضطرهم للرحيل دون تحقيق أي شيء.
- أسفرت الحملة السادسة عن توقيع اتفاقية يافا عام ١٢٢٩م مع الملك الكامل ملك مصر، مدتها عشر سنوات، تنازل بموجبها عن مدينة القدس، وبيت لحم، وطريق الساحل إلى القدس، مقابل عدم مهاجمة مصر، ويقدّم الملك فردريك للملك الكامل المساعدة العسكرية ضد خصومه من المسلمين وإخوته، وإبقاء سور القدس مدمراً، واحتفاظ المسلمين بالسيادة على الحرم القدسي الذي يحتضن المسجد القبلي، وقبة الصخرة.
- وتوجهت الحملة السابعة بقيادة الملك الفرنسي لويس التاسع إلى مصر، ولكنهم فشلوا في احتلالها؛ بسبب حصار الأيوبيين لهم من البر والبحر، ونقص المؤن، وانتشار الأمراض والأوبئة بينهم، وأسر الملك لويس التاسع.
- واتجهت الحملة الثامنة نحو تونس، وكان سببها خلافاً على الضرائب بين ملك قبرص وحاكم تونس الحفصي، وانتهت بتوقيع اتفاقية بين الطرفين مدة عشر سنوات، يحترم فيها الطرفان المصالح التجارية والدينية، وعدم معاودة الفرنجة الهجوم على تونس مرة ثانية.
وتسلمت دولة المماليك زمام المقاومة والتصدي للحملات الصليبية منذ عام ١٢٥٨م، وكان من أبرز السلاطين اللذين لعبوا دوراً في تصفية الإمارات الفرنجية السلطان الظاهر بيبرس ١٢٦٠- ١٢٧٧م، الذي استعاد ما كان بيد الفرنجة، حتى أصبحت ممالكهم لا تتعدى منطقتي عكا وطرابلس، ثم جاء السلطان قلاوون الذي انتزع منهم طرابلس، ولم يتبق لهم إلا عكا التي استعادها منهم ابنه الأشرف خليل بن قلاوون سنة ١٢٩١م؛ ما أدى إلى تحرير آخر معاقل الفرنجة في فلسطين.
سياسات قادة الفرنجة والمسلمين وجيوشهم وأخلاقياتهم:
فاعتدوا على المقدسات، وحولوا المسجد الأقصى (المسجد القبلي)، وقبة الصخرة إلى مراكز إدارية، والمسجد المرواني تحت ساحة المسجد الأقصى اصطبلاً لخيولهم، وعملوا على نهب المدن والقرى، وارتكاب المذابح، والاعتداء على السكان، وإبادتهم، ومن أمثلة ذلك: مدينة القدس؛ إذ وصل عدد القتلى إلى (٢٥) ألف، وفي روايات أخرى (٧٠) ألف.
أما المسلمون، فيُعد تعاملهم نموذجاً يحتذى به؛ فلم يقتلوا الأسرى، إلا من خان العهود والاتفاقيات، فعندما حاصروا القدس كان بإمكانهم دخول المدينة بالقوة، لكن صلاح الدين آثر الدخول مع الفرنجة في مفاوضات؛ حقناً للدماء، وأعفى الفئات الفقيرة والعاجزة من دفع الفدية، وتأمينهم، حتى وصلوا إلى مدينة صور، كما حافظ على كنيسة القيامة، وعين عليها بطريركاً لرعاية شؤونها.
- نوضح السياسات التي اتبعها الفرنجة أثناء حملاتهم العسكرية على الشرق.
- نعطي أمثلة على تعامل المسلمين مع الغزاة المحتلين أثناء الحملات الفرنجية.
نتائج الحروب الفرنجية:
شهد الشرق حالة من الصراع مع الغرب، استمرت مئتي عام، ظهرت نتائجه في كثير من النواحي، فمن الناحية الاجتماعية، مُني الطرفان بخسائر بشرية هائلة؛ حيث أزهقت مئات الآلاف من الأرواح، ودُمرت عديد من المدن والقرى، وتم توطين الآلاف من الأوروبيين في فلسطين بشكل خاص، وفي الشرق الإسلامي على العموم، وأدت الحروب إلى اقتباس الغرب لكثير من العادات الشرقية.
أثبتت الحروب الفرنجية أن الرابطة الوطنية لأبناء الشرق المسيحيين والمسلمين أكثر رسوخاً وقوة من الرابطة الدينية؛ فلم ينظر مسيحيو الشرق لهذه الحملات كقوات محررة، أو منقذة لهم، فلم يشاركوا الفرنجة في حروبهم، ولم يدعموهم، ووقفوا ضد أطماعهم، كما أثبتت أن الاستعمار لا بقاء له، وأنه إلى زوال.
كان الهدف الرئيس للكنيسة الغربية فرض سيطرتها على الكنيسة الشرقية، وزيادة نفوذها وقوتها أمام السلطة السياسية التي أخذت تنافسها في أوروبا، ووقف اعتداءات الأمراء الإقطاعيين على أملاكها. إلا أن جميع أهدافها فشلت؛ فخرجت أكثر ضعفاً مما كان عليه الحال قبل الحروب.
- أما على الصعيد الاقتصادي، فقد نهب الفرنجة خيرات البلاد، وسيطروا على مقوماتها الاقتصادية، إلا أن أوروبا خسرت كثيراً من الأموال، وكان مقدار الربح أقل من الخسائر، واكتشف الأوروبيون أن العلاقات التجارية أكثر فائدة من الحروب؛ فالمدن الإيطالية بما عقدته من صفقات مع دول الشرق الإسلامي، وبيزنطة كانت عوائدها أكثر مما حققته مع الموانئ التجارية التابعة للفرنجة.
- كما أخذ الفرنجة عن الشرق بعض وسائل التعامل التجاري، مثل نظام السندات والكمبيالات، وطوروا صناعة الحرير، واقتبسوا الطواحين المائية، وأخذوا بعض المزروعات، كزراعة قصب السكر، وزراعة الحنطة السوداء، وزراعة السمسم، وزراعة الورد الدمشقي.
- نوضح نتائج الحروب الفرنجية، والوطنية، والدينية، والاقتصادية.
- نستنتج التأثيرات الحضارية المتبادلة بين الشرق والغرب.
قضية للنقاش: الأسباب التي أدت إلى نجاح الحملات الفرنجية، وفشلها.
أقيم تعلمي:
السؤال الأول: أختار رمز الإجابة الصحيحة فيما يأتي:
- في أي عام احتل الفرنجة القدس؟
- أ. ١٠٩٨م.
- ب. ١٠٩٩م.
- ج. ١٠٩٥م.
- د. ١١٨٧م.
- ما أول إمارة استعادها المسلمون من الفرنجة؟
- أ. القدس.
- ب. الرها.
- ج. عسقلان.
- د. عكا.
- ما اسم الصلح الذي أنهى الحملة الفرنجية الثالثة؟
- أ. يافا.
- ب. القدس.
- ج. صور.
- د. الرملة.
- أين وقعت معركة حطين عام ١١٨٧م؟
- أ. في مصر.
- ب. في فلسطين.
- ج. في سورية.
- د. في العراق.
السؤال الثاني: من خلال دراستي لدوافع الحروب الفرنجية، أستنتج:
- أثر النظام الإقطاعي في هذه الحروب.
- دور الكنيسة الأوروبية في تشجيع الحروب الفرنجية.
- أثر الأوضاع الداخلية في المشرق الإسلامي.
السؤال الثالث: أعرف ما يأتي: الحروب الفرنجية، وصلح الرملة، وقانون الفتح.
السؤال الرابع: أذكر نتائج معركة حطين.
السؤال الخامس: أوضح النتائج الاجتماعية، والاقتصادية للحروب الفرنجية.
السؤال السادس: أعلل ما يأتي:
- اندفاع العامة نحو المساهمة في الحروب الفرنجية.
- فشل حملة بطرس الناسك على الشرق.
- إرسال الحملة الفرنجية الثانية عام ١١٤٧م إلى الشرق.