شرح الموضوع
ثبتت مشروعية البيع بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع والمعقول.
عقد البيع
حاجة الفرد والمجتمع لعقد البيع ماسة؛ ذلك أن رغبات الإنسان مختلفة غير متناهية، فقد يكون بحاجة إلى ما في يد غيره، ولا يبذل الناس ما في أيديهم دون عوض -غالباً-، فلأجل ذلك شُرع البيع سبيلاً للوصول إلى ما في أيدي الغير، ولأن أخذ أموال الناس بغير رضاهم حرام شرعاً، فكانت مشروعية البيع المبني أصلاً على التراضي.
فما البيع؟ وما دليله مشروعيته؟ وما أركانه؟ وما شروطه؟
تعريف البيع:
البيع لغة: مصدر باع، وهو مطلق المبادلة؛ أي المعاوضة. اصطلاحاً: هو مبادلة مال بمال على وجه التمليك. ولذلك لا يكون البيع والشراء إلا بما يعتبر مالاً في عرف الشرع.
مشروعيته:
ثبتت مشروعية البيع بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع والمعقول.
- من القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282].
- ومن السنة النبوية الشريفة: قوله ﷺ حين سئل عن أطيب الكسب فقال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور»(1)، والبيع المبرور: هو البيع الذي لا غش فيه ولا خيانة. وقوله ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»(2).
- الإجماع: انعقد الإجماع على جواز البيع من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا.
- وأما المعقول فلأن حاجة الناس ماسة للبيع فلا غنى لأحد عنه.
حكمة مشروعيته:
لما كانت مطالب الحياة متشعبة وغير متناهية والإنسان دائماً في حاجة إلى معونة بني جنسه، فلا يعقل أن يكون الإنسان طبيباً ومزارعاً ومهندساً وغير ذلك في وقت واحد، فشُرع البيع وسيلة لحفظ كيان المجتمع وصوناً له من التداعي والانهيار، وسبيلاً للوصول إلى ما في أيدي الغير عن طريق الحلال المشروع، وليس هناك طريق أفضل من المبادلة بالتراضي.
مقومات عقد البيع:
عرفنا فيما سبق أن لكل عقد مقومات من الأركان وبعض الشروط، ولا بُدَّ لهذه الأركان من شروط حتى يصح العقد وتترتب عليه آثاره. ومقومات عقد البيع هي:
- الصيغة: هي الإيجاب والقبول، ويصدران من المتعاقدين، كقول البائع: بعت. ويقول المشتري: قبلت. ولا يشترط فيها ألفاظ معينة، فيصح البيع بكل ما يعده الناس بيعاً، كما تبين في الدرس الأول.
- العاقدان: وهما البائع والمشتري اللذان يبرمان العقد بناء على توافق إرادتيهما.
- المعقود عليه: ويقصد به محل العقد، وهو المبيع.
- الثمن: وهو البدل المقدم من المشتري.
شروط عقد البيع:
هناك أربعة أنواع من الشروط لا بد من توافرها في عقد البيع، وهي:
أولاً: شروط الانعقاد، وهي أربعة:
- شروط العاقدين: يجب أن يكون البائع أهلاً للتعاقد، فلا ينعقد بيع الصبي غير المميز والمجنون وكذلك المحجور عليه لسفه. ويجب أن يكون المشتري أهلاً للتعاقد بألا يكون سفيهاً ولا صبياً لم يؤذن له. وكذلك يشترط في كل من العاقدين توافر عنصر الاختيار، فلا يصح بيع المكره؛ لأنه يكون فاقد الإرادة، وفقدان الإرادة يُفسد العقد.
- مكان العقد: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، ويشترط ألا يطول الفصل بينهما.
- صيغة العقد: أن يكون القبول موافقاً للإيجاب من كل وجه.
- المحل المعقود عليه، وذلك بأن يكون:
- مشروعاً، ويخرج بذلك غير المشروع، كالميتة والخنزير وغيرها.
- مملوكاً للبائع أو مأذوناً له فيه، وإلا فلا ينعقد البيع وإن ملكه بعد ذلك بوجه من الوجوه
باستثناء كل ما يثبت في الذمة كالسَّلَم، وفي هذا ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السَّلَم.
- معلوماً، حيث يشترط العلم بصفة المبيع من نوع وجنس ومقدار.
- مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيع الجمل الشارد أو الطير في الهواء، أو السمك في الماء؛ لنهي النبي ﷺ عن بيع الغرر.
ثانياً: شروط الصحة:
وهي التي يجب توافرها في كل أنواع البيع لتعتبر صحيحة من الناحية الشرعية، وهي على النحو الآتي:
- الرضا: فلا يصح بيع المكره، كتهديده بالقتل، أو ضربه مبرحاً يؤدي إلى فقد عضو من أعضائه، إلا إذا كان إكراهه بحق لوفاء دين عليه، فيكرهه الحاكم على بيعه وشرائه؛ لأنه إكراه بحق.
- انتفاء الغرر: وهو كل بيع احتوى جهالة فاحشة أو تضمن مخاطرة أو قماراً. ومن صوره: بيع شاة غير معينة من قطيع، أو الشراء بثمن مجهول، أو بثمن مؤجل غير معلوم المدة. أما إذا كان الغرر في الوصف والمقدار فإنه يوجب فساد العقد، كما لو باع إنسان بقرة، واشترط أنها تحلب كذا رطلاً.
- التأبيد، فلا تأقيت في عقد البيع.
- عدم وجود الشرط الفاسد، كأن يبيع قطعة أرض على أن يزرعها سنة بعد إبرام عقد البيع، فهذا الشرط إذا وجد في عقود المعاوضات المالية كالبيع أفسدها في الراجح عند الفقهاء. وكأن يبيع منزلاً ويشترط على المشتري ألا يدخله شخص معين، فإن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد الذي يفيد حرية التصرف بالملك.
ثالثاً: شروط اللزوم:
ويقصد بها خلو عقد البيع من أحد الخيارات التي تجيز لمن له الخيار من العاقدين طلب فسخ العقد، مثل: خيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار الشرط، وغيرها.
رابعاً: شروط النفاذ:
- الملك أو الولاية: يملك الإنسان بيع ماله أو مال من تحت ولايته، كالوصي، أو الولي على القاصر، وعلى المجنون، أما مَنْ يبيع ملك غيره من غير إذنه فلا يعتبر نافذاً، كبيع الفضولي مال غيره من غير إذنه؛ لانعدام الملك والولاية.
ألا يكون للغير حق في المبيع، فإذا باع شخص عقاراً مؤجراً في فترة تأجيره، أعطي المشتري خيار فسخ العقد أو انتظار العقار حتى تنتهي فترة الإجازة فيخليه المستأجر.
من آداب البيع:
- الصدق في التعامل: فلا يخدع الناس أو يكذب في الإخبار عن نوع السلعة أو جنسها أو مصدرها أو سعرها، قال رسول الله ﷺ: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى وبر وصدق»(1). والبر بمعنى حسن المعاملة.
- القناعة وعدم المغالاة في الربح: لأنهما يؤديان إلى الاستغلال والغبن الفاحش، وهذا لا يجوز في الشرع.
- السماحة في البيع بين المتبايعين، وهذا يعني: أن يتساهل البائع في الثمن أو الصبر عليه، وألا يتشدد المشتري في اشتراطاته، قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى»(2).
- أن يتجنب الحلف ولو كان صادقاً؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: 224]، وقوله ﷺ: «الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة»(3).
- توثيق الديون للنزاع والخصام بين الناس، وكذا الإشهاد عليها؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} [البقرة: 282].
- التكفير عما يقع من التاجر بالحلف والغش والكتمان للعيوب، وغير ذلك من المخالفات الشرعية التي تشوب عملية البيع والشراء بالإكثار من التصدق؛ لقوله ﷺ: «يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة»(4).
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
( ) البيع المبرور هو البيع الذي لا غش فيه ولا خيانة. ( ) صيغة العقد شرط من شروط الانعقاد. ( ) لا يصح تأخير الثمن في عقد البيع. ( ) الغرر في الوصف والمقدار يوجب فساد العقد. ( ) وجود الخيار في عقد البيع يمنع لزومه.
- أدلل على مشروعية البيع من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
- أبين حكمة مشروعية البيع.
- أذكر أنواع الشروط التي يجب توافرها في عقد البيع.
- للبيع آداب ينبغي الالتزام بها، أبين أربعة منها.