شرح الموضوع
يعد بيع المرابحة من بيوع الأمانة، فالبائع عليه أن يخبر المشتري بالثمن الأول دون خيانة؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ…
البيع الصحيح (٢)
بيع المرابحة
الغاية المنشودة من إنشاء عقد البيع تحقيق الربح، فما المرابحة؟ وما حكمها؟
معنى المرابحة:
لغة: من الرِّبح (بكسر الراء)، وتعني: الفضل والزيادة، تقول: أربحته على السلعة كذا؛ أي: زدته. اصطلاحاً: البيع بمثل الثمن الأول مع زيادة. ويطلق عليه المرابحة البسيطة.
حكم المرابحة البسيطة:
ذهب الأئمة الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز بيع المرابحة بلا كراهة. واستدلوا لذلك بعموم النصوص الشرعية والإجماع والمعقول. ومن ذلك:
- عموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥].
- وعموم قوله ﷺ عندما سئل أي الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور»(١).
- والإجماع: فإنَّ الناس تعارفوا المرابحة في البيوعات، وتعاملوا بها على مر العصور دون نكير.
- وكذا المعقول؛ لأنَّ الغاية المنشودة من البيع هو الربح، وإلا لكان البيع وغيره من أنواع التجارات ضرباً من العبث وعديم الفائدة.
شروط المرابحة البسيطة:
يعد بيع المرابحة من بيوع الأمانة، فالبائع عليه أن يخبر المشتري بالثمن الأول دون خيانة؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: ٢٧].
ويمكن إجمال أهم هذه الشروط فيما يأتي:
- إعلام المشتري بمقدار الثمن الأول (رأس المال)، وهذا شرط لصحة البيع وإلا كانت المرابحة فاسدة.
- إعلام المشتري بمقدار الربح، كأن يقول البائع للمشتري: بعتك هذه السيارة، ورأس مالها ألف دينار بربح مقداره مائة دينار، أما لو كان الربح مجهولاً كقوله: على أن تربحني شيئاً ما فلا تصح المرابحة وتفسد.
- ألا تكون المرابحة في الأموال الربوية، فلا يبيع المكيل أو الموزون أو النقد بجنسه مع زيادة؛ لأنَّ الزيادة تكون عندئذ من الربا المحرم، مثل: أن يبيع دنانير أردنية بدنانير أردنية مع زيادة، أو قمحاً بقمح مع زيادة. أما عند اختلاف الجنس فتجوز الزيادة.
١ رواه أحمد في مسنده، مسند الشاميين، حديث رافع بن خديج.
حكم الخيانة في بيع المرابحة:
إنَّ المرابحة من بيوع الأمانات، وعلى البائع أن يصدق المشتري في إخباره عن رأسمال المبيع دون غش أو خديعة، أما لو خان البائع في الثمن، كأن يقول له: بعتك هذه السيارة ورأسمالها أو ثمنها ألف دينار وأربحني مئة دينار، ثم ظهر أنَّ ثمنها على البائع تسعمئة.
فما الحكم عندئذ؟
اختلف الفقهاء في المسألة على قولين
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنَّ المشتري بالخيار إما أن يأخذ السلعة بكل الثمن المسمى في العقد أو أن يرد المبيع ويفسخ العقد. القول الثاني: وذهب إليه الحنابلة وأبو يوسف من الحنفية، وقالوا: يحط من الثمن بمقدار الخيانة أو العيب، ولا خيار للمشتري.
المرابحة المركبة (المرابحة للآمر بالشراء):
بيع المرابحة للآمر بالشراء من المصطلحات المالية المعاصرة التي لم تكن معروفة سابقاً. وهو من صيغ التمويل الذي تجريه المصارف الإسلامية في معاملاتها البنكية مع الزبائن وأكثرها انتشاراً وأوسعها تداولاً. ولبيان طبيعة هذه المعاملة وكيف تتم، لا بد من تحديد معنى هذا المصطلح:
معناه: هو أن يتقدم مَنْ يريد شراء سلعة معينة بطلب إلى المصرف الإسلامي لشراء المطلوب وبالوصف الذي يحدده، وعلى أساس الوعد منه بشراء السلعة المطلوبة بنسبة مرابحة معينة على أن يتم دفع الثمن على أقساط بحسب الاتفاق. ومن التعريف نرى أنه لا بد من توافر العناصر الآتية في هذه العملية:
- طلب شراء من الزبون مقدم إلى المصرف يحدد فيه طبيعة السلعة والمواصفات التي يريدها مع وعد بشراء السلعة.
- أن يقوم المصرف بشراء السلعة وبالمواصفات المطلوبة.
- بيان ثمن السلعة ونسبة المرابحة والاتفاق على دفعها مقسطة في مدة معينة.
صورة المسألة كما تجريها المصارف الإسلامية:
- هي أن يتقدم شخص بطلب إلى المصرف الإسلامي لشراء سلعة بمواصفات معينة مع وعد يلتزم بموجبه بشراء السلعة بعد أن يشتريها المصرف، وفي حال موافقة المصرف على الطلب يتم الاتفاق على ثمن السلعة، ونسبة المرابحة وطريقة دفع الثمن الجديد.
- ومثال ذلك: أن تطلب مدرسة من أحد المصارف الإسلامية شراء عدد من أجهزة الحاسوب وبحسب مواصفات معينة مع التزامها التام بشرائها من المصرف، وبعد موافقة المصرف على الطلب يتم الاتفاق على نسبة ربح محددة تضاف إلى ثمن الشراء، بعد ذلك يقوم المصرف بشراء السلعة المطلوبة ويدفع ثمنها حالاً، ثم يقوم ببيعها ثانية إلى المدرسة مع زيادة نسبة الربح التي تم الاتفاق عليها، على أن تقوم المدرسة بدفع ثمن الأجهزة مقسطاً بحسب الاتفاق.
- والدافع لمثل هذه العملية هو عدم توافر التمويل اللازم لشراء السلعة، حيث يتم اللجوء للمصرف الإسلامي لتمويل شراء السلعة التي يريدها الزبون، مع زيادة نسبة الربح التي يتم الاتفاق عليها بين الطرفين، وهذه المعاملة هي عبارة عن علاقة عقدية ثلاثية جديدة لم تكن معروفة من قبل، تتكون من أطراف ثلاثة هي: الآمر بالشراء (الزبون)، والمصرف الإسلامي، والبائع صاحب السلعة التي يرغب الزبون (المشتري) بشرائها.
وهي علاقة عقدية؛ لأنها تتم من خلال عقدين منفصلين: الأول: عقد الشراء الذي يقوم به المصرف لتأمين السلعة التي طلبها الآمر وتوفيرها. الثاني: عقد بيع المرابحة، وفيه يقوم المصرف ببيع السلعة التي اشتراها إلى الآمر مع زيادة نسبة ربح متفق عليها مسبقاً. وفكرة العقد الثاني - وهو المقصود - تقوم على أساس الوعد الملزم من الآمر والمصرف معاً، فالآمر يعد المصرف بشراء السلعة، والمصرف يعد الآمر (الزبون) بشراء السلعة وبيعها له. من هنا نلاحظ أن هذه المعاملة متداخلة بعضها مع بعض، ولا يمكن فصل أحد العقدين عن الآخر، فهي معاملة جديدة لا تخضع لأي عقد آخر، فهي مستقلة باسمها وعناصرها وأحكامها.
الحكم الشرعي لبيع المرابحة المركبة (للآمر بالشراء):
اختلف العلماء المعاصرون في مشروعية هذه المعاملة على قولين: القول الأول: ذهب أغلب العلماء المعاصرين إلى جواز هذا البيع، واستدلوا بمجموعة من الأدلة أهمها:
- عموم النصوص الشرعية من الكتاب الكريم والسنة الشريفة الدالة على حل جميع أنواع البيوع، إلا ما خصص منها بنص في التحريم، منها قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥]، وقوله ﷺ: «إنما البيع عن تراض»(١). فالنصان الكريمان عامان في حل كل أنواع البيوع، بما فيها بيع المرابحة للآمر بالشراء.
- فتاوى المؤتمرات الخاصة بالمصارف الإسلامية: حيث أفتى كثير من علماء الأمة الإسلامية بجواز هذه المعاملة؛ لما فيها من التيسير على الناس، وكبديل إسلامي عن القروض الربوية.
القول الثاني: ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى عدم جواز بيع المرابحة للآمر بالشراء، ومن أهم الأدلة التي استدلوا بها:
- يدخل في بيع المعدوم، وهذا منهي عنه؛ لقوله ﷺ: «لا تبع ما ليس عندك»(٢).
- المصرف الإسلامي ليس مشترياً حقيقةً وإنما هو مشتر لغيره وهو الزبون، فهو وسيط بين الطرفين، ضامن للربح غير مخاطر بشيء. وهذا حيلة على القرض الربوي.
القول الراجح: هو القول الأول؛ لما فيه من التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم، وإبعادهم عن القروض الربوية والتعامل بها، ثم إن الخطر يحصل للمصرف إذا باع الآمر بالشراء سلعة لم يحصل فيها الشرط المرغوب فيه من الآمر. والله تعالى أعلى وأعلم.
١ صحيح ابن حبان، باب البيع المنهي عنه، ذكر العلة التي من أجلها نهي عن هذا البيع. ٢ سنن الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك.
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
( ) تعد المرابحة من بيوع الأمانة. ( ) المرابحة المركبة هي عقدان في عقد واحد. ( ) تجوز المرابحة في المكيل والموزون والنقد بجنسه مع زيادة. ( ) يشترط في المرابحة المركبة تقديم طلب شراء من الزبون مقدم إلى المصرف يحدد فيه طبيعة السلعة ومواصفاتها التي يريدها مع وعد بشرائها.
- أعرف المفاهيم الآتية اصطلاحاً:
- المرابحة البسيطة.
- المرابحة المركبة (للآمر بالشراء).
- أدلل على مشروعية بيع المرابحة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
- أذكر شروط بيع المرابحة البسيطة.
- أبين أقوال الفقهاء في حكم بيع المرابحة التي وقع فيها خيانة.
- ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى عدم جواز بيع المرابحة (للآمر بالشراء)، أوضح الأدلة التي استدلوا بها، والرد عليها.