شرح الموضوع
الإجارة (١)
الأصل في البيوع أن يكون المعقود عليه حاضراً عند العقد، أو يمكن تسليمه، ونظراً لأن المنافع المعقود عليها في الإجارة غير موجودة عند التعاقد بل هي معدومة، وتتحقق شيئاً فشيئاً بمرور الزمن، لذلك فإن الأصل في الإجارة المنع، ولكن نظراً لثبوت مشروعيتها بالكتاب والسنة، ونظراً لحاجة الناس إليها، ورفعاً للحرج عنهم، وتعاملهم بها قديماً وحاضراً فإنها أقرّت استحساناً خلافاً للقياس.
تعريفها: لغة: أَجَرَهُ وَآجَرَهُ إذا أثابه على عمله، ولا يطلق لفظ أجر إلا في النفع دون الضرر. ويغلب استعمال لفظ أجر في الثواب الأخروي، وأما الأُجْرَةُ فهي الثواب الدنيوي. فالإجارة: اسم لما يُعطى مقابل القيام بعمل ما، جزاءً على ذلك العمل. أما في الاصطلاح: فهي عقد يقتضي تمليك منفعة مقصودة بعوض معلوم.
■ شرح التعريف
كونها عقداً: لا بد فيه من الاتفاق بين المُؤَجِّر والمُسْتَأْجِر. تمليك منفعة: قيد يخرج به العقد على الأعيان؛ إذ هو بيع العين والمنفعة معاً. بعوض: قيد يخرج به العارية؛ إذ هي تمليك المنفعة بلا عوض.
■ مشروعية الإجارة
ثبتت مشروعية العمل بالإجارة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وكذا الإجماع والمعقول:
- فأما القرآن الكريم: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق: ٦، وقد أمرت الآية الكريمة بإيتاء المرضعة أجرها.
- ومما يستدل به على العمل بالإجارة عند الأمم السابقة قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ القصص: ٢٦، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يعارضه.
- وأما من السنة النبوية الشريفة: فقوله ﷺ: «قَالَ الله تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ
أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»(١)، وقوله ﷺ: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»(٢). وقد استأجر النبي ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه رجلاً من بني الديل لهدايتهما إلى الطريق في الهجرة إلى المدينة(٣).
- وانعقد الإجماع على مشروعية العمل بالإجارة دون نكير.
- وأما المعقول: فنظراً لتعلق الإجارة بحوائج الناس، ولا يمكنهم الاستغناء عنها فإنها تنزل منزلة الضرورة.
ونظراً لثبوت مشروعية الإجارة بالكتاب والسنة، وهي على خلاف القياس، قال الحنفية: إنها شرعت استحساناً، وهو استحسان الأثر عندهم.
■ مقومات عقد الإجارة:
للإجارة أربعة مقومات
الأول: العاقدان: وهما المؤجر والمستأجر، ويشترط في العاقد أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يصح عقد مجنون ولا صغير؛ لانعدام ولايته على نفسه، ولا نائم أو مكره؛ لعدم قصدهما. الثاني: الصيغة: وهي «الإيجاب والقبول»، وهما علامة الرضا، وقد يصح العقد بلا كلام إن كان قد جرى العرف بذلك، كمن دخل سيارة لنقل الركاب، تعمل بتسعيرة محددة أو وفق عداد المسافة، فهو متعاقد مع السائق على نقله إلى موضعه مقابل أجرة يدفعها إلى السائق، وهي التسعيرة، أو قدر ما يُعَدُّ عليه العَدَّاد.
ويشترط في الصيغة
١ موافقة الإيجاب والقبول. ٢ ألا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول بسكوت أو كلام خارج العقد؛ ما يدل على الإعراض عن التعاقد. ٣ عدم تعليق القبول على شرط، كما لو قال: أُؤَجِّرُكَ إذا وافق فلان، فليس هذا بعقد.
١ البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب إثم من منع أجر الأجير ٧٩٢. ٢ سنن ابن ماجه، كتاب الإجارة، باب أعطوا الأجير أجره. ٣ البخاري، كتاب الإجارة، باب استئجار المشركين عند الضرورة. الثالث: المنفعة: وهي المقصود من العقد، ويشترط فيها: ١ أن تكون متقومة؛ أي معتبرة ومقصودة في نظر الشرع، ليكون بذل المال في مقابلها مشروعاً، كاستئجار بيت للسكن، أو سيارة لنقله. ولذلك لا يصح استئجار آلات اللهو والمغنيات والنائحات، وما فيه مخالفة للشرع، كاستئجار النساء لجلب الزبائن في المحال التجارية. ٢ أن يكون بمقدور المؤجر تسليم العين المستأجرة ليتمكن المستأجر من الانتفاع بها، فلا تصح إجارة المغصوب إن كان لا يتمكن من استرداده، أو المفقود كسيارة مفقودة أو ضائعة، ولا يجوز استئجار كافر لخدمة المسجد؛ لعدم جواز دخوله فيه. ٣ أن يكون حصول المنفعة للمستأجر لا للمؤجر، فلا يصح استئجار شخص للقيام بالعبادات التي لا تدخلها النيابة كالصلاة والصوم؛ لأن منفعة الفعل لا تعود على المستأجر. أما ما تدخله النيابة فلا بأس في ذلك كما لو استأجر رجلاً للحج عن قريبه المتوفى، أو عن نفسه إن كان عاجزاً، أو لذبح أضحية، أو تفريق مال زكاة. ٤ ألا يكون في الإجارة استهلاك العين المستأجرة، كما لو استأجر طعاماً ليأكله، فإن الطعام سوف ينتهي، ولا يمكن إعادته لصاحبه، وكذا لا يجوز استئجار بستان فيه شجر ليقطف الثمار وينتفع بها، أما لو استأجر داراً فيها شجر مثمر جاز له الانتفاع بالثمر؛ لأنه تبع للدار المؤجرة. ٥ أن تكون المنفعة معلومة ومحددة الأوصاف، وكذلك أن تكون الأجرة معلومة، وتحديد نوع الاستخدام، كما لو استأجر داراً فقد تكون للسكن أو التجارة أو الصناعة.
الرابع: الأجرة: ويشترط في الأجرة ما يشترط في الثمن في عقد البيع؛ إذ الإجارة بيع المنفعة، فيشترط فيها: ١ أن تكون مالاً متقوماً له قيمة في نظر الشرع، فلا يصح أن تكون من المحرمات، كالخنزير، أو لحم ميتة، أو خمراً، أو النجاسات. ٢ أن تكون مما يمكن الانتفاع به، فما لا منفعة فيه لا يجوز أن يكون أجرة، كالحشرات الضارة، أو الحيوانات المفترسة، وغيرها. ٣ أن تكون مقدوراً على تسليمها، فلا يصح أن تكون سمكاً في البحر، أو استئجار الجمل الشارد، أو مالاً مفقوداً أو مغصوباً، فلا يصح استئجار السيارة المسروقة. ٤ أن تكون معلومة للعاقدين، فلا يجوز أن تكون أجرة الدار بما تحتاجه من تصليح أو عمارة، أو أن تكون أجرة السيارة بما تحتاجه من تصليح ووقود.
■ حكم الإجارة
إذا تم عقد الإجارة بتوافر مقوماته من الأركان والشروط، وانتفت موانع فإنه ينعقد صحيحاً، وتترتب عليه آثاره الشرعية، ومنها:
- ثبوت حق المستأجر في الانتفاع بالعين المستأجرة، والتصرف فيها واستيفائها على الوجه المشروع.
- ثبوت حق المؤجر بالأجرة التي هي قيمة المنفعة التي تم التعاقد عليها، فقد أصبحت ملكاً له يتصرف فيها كبقية أمواله.
التقويم
١ أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي: أ ( ) الأصل في الإجارة الإباحة. ب ( ) عقد إجارة المجنون والمكره والصغير لا يصح. ج ( ) يصح عقد الإجارة بلفظ: أُؤَجِّرُكَ إذا وافق فلان. د ( ) تصح إجارة مستهلك العين، كالطعام للأكل. هـ ( ) يترتب على عقد الإجارة حق المستأجر بالانتفاع بالعين المستأجرة وحق المؤجر بالأجرة. ٢ أدلل على مشروعية الإجارة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ٣ أُعرّف الإجارة اصطلاحاً، مع الشرح. ٤ أُعلل ما يأتي: أ لا يصح استئجار شخص للقيام بالصلاة والصوم نيابة عن المؤجر. ب يصح استئجار شخص للحج عن قريب المؤجر المتوفى. ٥ أذكر شروط الأجرة. ٦ أُبيّن الشروط الواجب توافرها في الصيغة.