شرح الموضوع
الإجارة (٢)
بعد بيان مفهوم الإجارة لغة واصطلاحاً لا بد من بيان أنواع الإجارة، وحكم كل نوع منها، والأحكام المتعلقة بذلك، والإجارة نوعان:
■ النوع الأول: إجارة الأعيان، وتسمى إجارة المنافع: وهي الإجارة الواقعة على منفعة متعلقة بعين معينة، كإجارة الدور والحوانيت والسيارات للركوب أو حمل متاع، وما شابه ذلك.
وهذا النوع من الإجارة جائز، ويشترط لصحته ما يأتي: ١ أن تكون الأجرة معلومة، إذ الجهل بها يؤدي إلى الخلاف المنهي عنه، إلا أن تكون الأجرة مما هو متعارف عليه بين الناس، فلا حرج إن لم يتم تحديدها، إذ هي متروكة للعرف السائد، كما هو الحال في تسعيرة المواصلات. ٢ أن تكون العين المستأجرة معلومة، فلا يصح أن يقول: أُؤَجِّرُكَ إحدى هاتين الدارين. ٣ تحديد مدة الإجارة، فلا تصح أن تكون مدى الحياة، ولا أن تكون معلقة على أمور غيبية قد تتحقق وقد لا تتحقق. ٤ أن تكون المنفعة مباحة، أما المنافع المحرمة فلا يحل التعاقد عليها.
فالإجارة عقد معاوضة كالبيع، إلا أن المعقود عليه في الإجارة هو المنفعة، فلا بد من بيانها بالعين والقدر والمدة.
■ أحكام إجارة المنافع
ما ينبني على إجارة المنافع: ١ وجوب تسليم العين المستأجرة عقب العقد، وليس للمؤجر حبسها إلى حين استيفاء الأجرة، كما هو الحال في البيع؛ لأن الأجرة واقعة على المنفعة، وهي معدومة عند العقد، خلافاً للبيع؛ إذ الثمن واجب بالعقد. ٢ وجوب الأجرة: إذ هي أثر مترتب على العقد، بل إنها الغاية من إبرام العقد من وجهة نظر المؤجر. ويكون دفع الأجرة بإحدى الطرائق الآتية:
- تعجيل دفعها، كما لو اشترط المؤجر دفع أجرة سنة مقدماً، أو من غير شرط، فلو دفعها المستأجر من تلقاء نفسه فلا بأس.
- التقسيط في دفع الأجرة.
- تأجيل الدفع إلى نهاية مدة الإجارة إن اشترط المستأجر ذلك، وهو بمثابة تأخير دفع الثمن في البيع.
٣ يعد ابتداء المدة من توقيع العقد هو الأصل، وإن تم الاتفاق على أن تبدأ بوقت محدد مستقبلاً فلا بأس، إذ هو ما يتعارف الناس على العمل به. أما أن تكون مدة الإجارة قبل العقد فلا. ٤ وجوب التزام كل من المتعاقدين بما تم الاتفاق عليه؛ إذ المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً. ٥ التزام المؤجر بتسليم المأجور سليماً من العيوب المانعة من استيفاء المنفعة، فإن تبين وجود عيب مانع من الانتفاع أو يقلل من قدره فللمستأجر بالخيار إن شاء أمضى العقد، وإن شاء فسخه.
■ النوع الثاني: الإجارة على الأعمال
وهي الإجارة التي تقوم على عمل معلوم، كمن يستأجر شخصاً لبناء حائط، أو خياطة ثوب، أو صباغته، أو حراسة، أو حمل أشياء، ويدخل في الإجارة على الأعمال الوظائف في الحكومات والشركات. والأشخاص الذين يُستأجرون لمثل هذه الأعمال قسمان: أجير خاص، وأجير مشترك، وفي ما يأتي بيان لهما:
■ الأجير الخاص
وهو الذي يعمل لشخص واحد أو جهة واحدة مدة معلومة، وللمستأجر منعه من العمل لغيره في الوقت نفسه، ويمكن تعريفه بأنه: ما كان نفعه مقدراً بالزمن.
- حكمه: أنه لا يجوز له العمل لغير مستأجره، ويجب على المستأجر الالتزام بدفع الأجرة، سواء
قام بالعمل أو لم يقم إن لم يكن عن تقصير منه، كما هو حال موظفي الدولة والشركات، والعمال في المصانع، والأجراء في الحوانيت، ودور الصناعة، وغيرهم.
واستحقاق الأجير الخاص الأجر إنما هو بتسليم نفسه وحبسها للمستأجر لا بالعمل.
■ الأجير المشترك
وهو الذي يتقبل الأعمال من الناس، ويمكنه التعاقد على العمل مع كثيرين في وقت واحد، كالخياط، والصباغ، ومصلحي السيارات والأجهزة الكهربائية، وغيرهم، وهؤلاء يطلق عليهم الفقهاء اسم (الصنّاع)، ويمكن تعريف الأجير المشترك بأنه: ما كان نفعه مقدراً بالعمل.
ويلاحظ في الأجير المشترك ما يأتي: ١ يعمل عند أكثر من مستأجر في وقت واحد. ٢ ليس من حق أي مستأجر منعه من التعاقد على العمل عند غيره. ٣ يستحق الأجرة بنهاية عمله. ٤ مكان العمل ليس للمستأجر، وإنما هو في محل الأجير غالباً، كمخيطته، أو محل ورشته.
واستحقاق الأجير المشترك الأجرة إنما هو بالعمل لا بتسليم نفسه. ضمان الأجير: والمقصود بذلك: مسؤولية الأجير تجاه العين المستأجرة في حال تلفها.
وقد سبق لنا البيان أن الأجراء نوعان: خاص ومشترك، وفيما يأتي بيان لمسؤولية كل منهما: ١ الأجير الخاص: نظراً لأن الأجير الخاص يسلم نفسه لصاحب العمل (المستأجر) في المدة المحددة، فهو يستحق الأجر وإن لم يعمل، كما لو كان خادماً أو عاملاً في المحل، فقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أن ما يكون في يده مما يعمل فيه أمانة عنده، وهو كالوكيل عن صاحب العمل، فلا يضمن العين التي تهلك في يده ما لم يحصل منه تعد أو تقصير في الحفظ، ولا فرق بين أن يتلف الشيء في يده أو أثناء عمله.
٢ الأجير المشترك: يعد هذا الصنف من الأجراء أميناً على الأعيان التي يعمل فيها؛ لأنه متطوع
٧٠ بالحفظ؛ إذ الأجرة مقابل العمل، وقبضه للعين إنما هو لمصلحة المستأجر، فيده يد أمانة، كالأجير الخاص، فلا يضمن إلا إذا تعدى، أو قصر في الحفظ، وهذا مذهب أبي حنيفة، والصحيح من مذهب الحنابلة، وهو أيضاً الصحيح من مذهب الشافعي، لكنه لم يفتي به لفساد الناس في زمانه.
وحجة هذا القول: أن الأصل عدم وجوب الضمان إلا بالاعتداء؛ لقوله تعالى:
﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
[البقرة: ١٩٣]،
ونظراً لعدم وجود التعدي من الأجير المشترك؛ لأنه مأذون له في القبض، ولم يكن سبباً في الهلاك؛ لذا فلا ضمان عليه.
وذهب الصاحبان أبو يوسف ومحمد إلى أن الأجير المشترك يضمن ما هلك تحت يده، إلا إذا كان الهلاك أو التلف بسبب جائحة عامة لا يمكن الاحتراز عنها، كالزلزال والحريق والغرق، أما إذا كان الهلاك أو التلف بسبب يمكن الاحتراز عنه، كالسرقة ونحوها فإنه يضمن.
- وذهب المالكية إلى أن الأجير المشترك ضامن لما في يده ولو بغير تعد أو تقصير.
- وحجة القائلين بتضمينهم قوله ﷺ: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»(١)، وأن عمر ؓ كان يضمن الأجير المشترك لأموال الناس(٢)، وروي عن علي ؓ أنه كان يضمنهم ويقول: «لا يصلح الناس إلا هذا»، ولأن الأجير قبض العين لمنفعته من غير استحقاق فيضمن كالمستعير، إذ إن الحفاظ على مصالح الناس أمر ضروري، وأمثال هؤلاء الأجراء إن لم يضمنوا ما تحت أيديهم من الصناعات وأمتعة المستأجرين وأموالهم فهو استهتار بها، وينبغي عليهم ألا يقبلوا أعمالاً تفوق طاقتهم، وما لا يقدرون على حفظه، فالناس في حاجة إلى صناعاتهم، فكانت المصلحة أن يضمنوا ما في أيديهم؛ لحملهم على الحرص عليها.
- وهذا هو الذي تميل إليه النفس في هذه الأزمان.
اما لو حبس الأجير العين المعقود عليها بحجة استيفاء الأجرة فهلكت عنده فهو ضامن لها؛ لأنه يُعد بمثابة الغاصب.
■ انتهاء عقد الإجارة
١ رواه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع. ٢ نصب الراية ٤ / ١٦٧.
ينتهي عقد الإجارة في حالات
١ موت أحد المتعاقدين: وهذا مذهب الحنفية، إذ إن عقد الإجارة واقع على المنافع، وهي ما يتحقق شيئاً فشيئاً، والإرث إنما يجري فيما يمكن انتقاله، والمنافع لا تنقل بالإرث، فيحتاج عقد الإجارة إلى التجديد مع الوارث حتى يكون قائماً مع المالك. وذهب الجمهور إلى أن العقد لا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين؛ لأنه عقد لازم كالبيع، والمستأجر ملك المنفعة بالعقد دفعة واحدة ملكاً لازماً فيورث. ٢ هلاك العين المعقود عليها (المؤجرة)، كالدار إذا انهدمت، أو الثوب إذا احترق، وما شابه ذلك، فلا فائدة تُرجى من العقد عندئذ. ٣ انقضاء المدة المحددة للعقد إلا لعذر، كمن استأجر أرضاً لزراعتها، وانقضت المدة ولم يستحصد الزرع، فإنه يُترك إلى حين حصاده مقابل أجرة المثل.
■ الخلو
لغة: من الإخلاء وهو الإفراغ. اصطلاحاً: هو ما يؤخذ مقابل إخلاء المأجور. ويسمى خلو الرجل أو اليد، وهذا إنما يُتصور في العقارات، وتنقسم صور الاتفاق على بدل الخلو إلى أربع صور، هي(١): ١ أن يكون الاتفاق بين مالك العقار وبين المستأجر عند بدء العقد. ٢ أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين المالك، في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها. ٣ أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين مستأجر جديد، في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها. ٤ أن يكون الاتفاق بين المستأجر الجديد وبين كل من المالك والمستأجر الأول، قبل انتهاء المدة، أو بعد انتهائها.
فإذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغاً مقطوعاً عن الأجرة الدورية - وهو ما يسمى في بعض البلاد خلوأ أو بالمفتاحية - فلا مانع شرعاً من دفع هذا المبلغ على أن يُعد جزءاً من أجرة المدة المتفق عليها، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة. وإذا تم الاتفاق بين المالك والمستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغاً مقابل
١ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨-٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ الموافق ٦-١١ شباط (فبراير) ١٩٨٨م، مجلة المجمع (العدد الرابع، ج ٣ ص ٢١٧١).
٧٢ تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً؛ لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.
أما إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمناً، أو تجدد العقد بحكم القانون الوضعي دون رضا المؤجر، فلا يحل بدل الخلو؛ لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.
وإذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول المستأجر الجديد، في أثناء مدة الإجارة، على التنازل عن بقية مدة العقد، لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً، مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول، ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.
على أنه في الإجارات الطويلة المدة، خلافاً لنص عقد الإجارة، طبقاً لما تسوغه بعض القوانين، لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر، ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك.
أما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول والمستأجر الجديد بعد انقضاء المدة فلا يحل بدل الخلو؛ لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين. والله تعالى أعلم.
التقويم
٧٣ ١ أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي: أ ( ) تسمى الإجارة على الأعمال إجارة المنافع. ب ( ) يستحق الأجير الخاص الأجرة بتسليم نفسه وحبسها لا بالعمل. ج ( ) يعمل الأجير الخاص عند مستأجر في وقت واحد. د ( ) ذهب جمهور الفقهاء إلى انتهاء عقد الإجارة بموت أحد المتعاقدين. هـ ( ) مكان العمل في الأجير المشترك ليس للمستأجر. و ( ) الأصل في ابتداء مدة إجارة الأعيان من توقيع العقد. ٢ أعلل ما يأتي: أ ليس للمؤجر حبس العين المستأجرة إلى حين استيفاء الأجرة. ب وجوب التزام كل من المتعاقدين بما تم الاتفاق عليه. ٣ أعدد طرق دفع الأجرة. ٤ أعرف اصطلاحاً كل من: ■ الأجير الخاص. ■ الأجير المشترك. ■ الخلو. ٥ أقارن بين الأجير الخاص والأجير المشترك من حيث ضمان العين المستأجرة حال تلفها، مبيناً أقوال الفقهاء في ذلك. ٦ أذكر صور الخلو، مع بيان حكم كل منها عند الفقهاء.