شرح الموضوع
الكفالة من عقود التبرعات والتوثيقات، فالكفيل يتبرع بضمان دين المدين، والدائن يتوثق بها لاستيفاء دينه.
الكفالة
الدرس ١٧
الكفالة
الكفالة من عقود التبرعات والتوثيقات، فالكفيل يتبرع بضمان دين المدين، والدائن يتوثق بها لاستيفاء دينه.
■ تعريف الكفالة
الكفالة لغة: تعني الضم والضمان، ومنه قوله تعالى:
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾
[آل عمران: ٣٧].
أما اصطلاحاً: فهي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة بنفس أو عين أو دين أو عمل. فالكفيل بكفالته يصبح مطالباً بما يطالب به المكفول، فكل من الكفيل والمكفول مطالب، وللدائن حق مطالبة أيهما شاء. ويطلق على الكفالة أسماء، منها: حمالة وضمانة وزعامة. وهي تقتضي كفيلاً وأصيلاً ومكفولاً له ومكفولاً به. ويسمى الكفيل: الضامن والزعيم والحميل والقبيل. وهو الذي يلتزم بأداء المكفول به، ويجب أن يكون بالغاً عاقلاً مطلق التصرف في ماله، راضياً بالكفالة. والأصيل هو المدين وهو المكفول عنه، ولا يشترط بلوغه ولا عقله ولا حضوره ولا رضاه بالكفالة. والمكفول له هو الدائن. والمكفول به هو النفس أو الدين أو العين أو العمل الذي وجب أداؤه على المكفول عنه. وتتم الكفالة بأي لفظ يدل عليها، مثل: أنا كفيل أو ضمين أو زعيم، أو غير ذلك.
■ حكم الكفالة ومشروعيتها
الكفالة جائزة، وثبتت مشروعيتها بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع: ١ فمن القرآن الكريم: لقوله تعالى:
﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾
[يوسف: ٧٢]؛
فكلمة (زعيم): تعني كفيل، كما قال ابن عباس ؓ: وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما ينافيه. ٢ أما السنة النبوية الشريفة: فلقوله ﷺ: «الزعيم غارم»(١). فالزعيم الكفيل، والغارم الضامن، وبذلك فإن المعنى بالحديث أن الكفيل ضامن لما التزم به. ٣ وقد أجمع العلماء على جواز الكفالة ومشروعيتها.
١ سنن ابن ماجه، كتاب الصدقات، باب الكفالة.
■ حكمة مشروعية الكفالة
تحقق الكفالة كثيراً من الفوائد لكل من الدائن والمدين والكفيل، منها: ١ تطمين الدائن (المكفول له) على دينه؛ لأن الكفيل - في الغالب - يكون أقدر على السداد من المدين. ٢ تخفف عن المدين ذل المطالبة بالدين؛ ما يدفعه إلى العمل والإنتاج وطلب الرزق، فينفق على نفسه وعياله ويقضي دينه. ٣ طريق من طرق الخير ينال الكفيل الأجر والثواب في الآخرة.
■ أنواع الكفالة
تتنوع الكفالة باعتبار محلها إلى ثلاثة أنواع: ١ الكفالة بالنفس، وهي: أن يلتزم شخص بإحضار شخص معلوم في وقت معلوم. وهذا النوع مشروع بدليل قوله تعالى:
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾
[يوسف: ٦٦]،
فقد رفض سيدنا يعقوب ؑ أن يبعث شقيق يوسف ؑ مع أولاده إلا أن يتعهدوا بإرجاعه ويتكفلوا بذلك، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد في شريعتنا ما يعارضه. ٢ الكفالة بالفعل، وهي: كفالة شخص بأداء فعل معين. ومنه كفالة الأجير، كالخياط أو الحداد بإنجاز العمل وتسليمه في الوقت المحدد إلى المستحق. ٣ الكفالة بالمال، وهي: الكفالة بأداء المال، وهي ثلاثة أقسام:
- الكفالة بالدين: بأن يلتزم الكفيل بأداء الدين الذي في ذمة المدين، ففي حديث سلمة ابن الأكوع قال: «كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة، فقالوا: صل عليها. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا. فصلى عليه ثم أتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رَسُولَ الله، صل عليها، قال: هل عليه دين، قيل: نعم. قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير. فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل عليها. قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير. قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: صل عليه يا رَسُولَ الله، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ»(١). فهذا الحديث دليل على مشروعية الكفالة بالدين.
- الكفالة بالعين: بأن يلتزم الكفيل بتسليم عين موجودة في يد المكفول له للمكفول له. ومثال ذلك: أن يغصب شخص سيارة زيد، فيتكفل محمد برد السيارة من الغاصب إلى صاحبها.
١ صحيح البخاري، كتاب الحوالات، باب أن أحال دين الميت على رجل جاز.
٧٦
- الكفالة بالدَّرَك (أو ضمان الدرك)، وهي: أن يضمن الكفيل بائع سلعة من كل حق للغير، ككفالة حق المشتري تجاه البائع إذا أظهر للمبيع مستحق، كما لو تبين أنّ المبيع مملوك لغير البائع أو مرهون.
آثار الكفالة:
إذا تم انعقاد الكفالة ترتّب عليها عدة آثار، منها: ١ لزوم الكفالة بالنسبة للكفيل، فإذا قبل المكفول له بالكفالة صارت لازمة بالنسبة للكفيل، فلا يجوز له الرجوع عنها؛ كي لا يغرر بالمكفول له. أما المكفول فلا تعدّ الكفالة لازمة له، ولا يجوز أن يعفي الكفيل منها. ٢ صيرورة ذمة الكفيل مشغولة بالدَّين، إضافة إلى انشغال ذمة المدين، وللدائن مطالبة من شاء منهما عند حلول الأجل. ٣ التزام الكفيل بما تضمنته الكفالة من شروط وقيود اقترنت بالكفالة، فإذا اشترط أن يؤدي الدَّين من مال معين التزم به. ٤ التزام المكفول (المدين) بدفع ما أداه الكفيل عنه إلى الدائن إذا أدَّي بإذنه. ٥ التزام المكفول بدفع جميع النفقات التي تحملها الكفيل في سبيل القيام بهذا الأمر؛ لأنّ الكفالة تشمل كل المصروفات التي تحملها الكفيل.
انتهاء الكفالة:
تنتهي الكفالة بعدة أمور، منها: ١ تحقق المقصود من الكفالة: فقد يقصد منها أداء دَيْن أو تسليم عين أو إحضار نفس، فمتى تحقق المقصود انتهت الكفالة. ٢ الإبراء: إذا أبرأ الدائن المدين من الدَّين انتهت الكفالة، وكذلك تنتهي بإبراء الدائن للكفيل من الكفالة، لكنّ الدَّين لا يسقط عن الأصيل (المدين)؛ لأنّ الدَّين ثابت في ذمته، فلا يسقط بإبراء الكفيل. ٣ تلف العين (محل الكفالة): إذا كان محل الكفالة عيناً مغصوبة مثلاً، ثم تلَفَتْ بقوة قاهرة انتهت الكفالة. ٤ موت الشخص المطلوب إحضاره: إذا كفل شخص إحضار شخص آخر، ثم توفي الشخص المطلوب إحضاره انتهت الكفالة. ٥ موت الكفيل بالكفالة بالنفس: إذا مات الكفيل قبل إحضار النفس انتهت الكفالة؛ لعجزه عن تسليم المكفول.
أحكام تتعلق بالكفالة:
١ لا تصح كفالة المجنون ولا الصغير ولو كان مميزاً؛ لأنّ الكفالة عقد تبرع. ٢ لا تصح كفالة المكره ولا السكران. ٣ تصح كفالة المريض مرض الموت لكن حكم ضمانه حكم الوصايا، فينفذ في ثُلث التركة، ويتوقف الباقي على إجازة الورثة. ٤ تنعقد الكفالة بمجرد إيجاب الكفيل عند جمهور الفقهاء. ٥ لا تصح الكفالة بدَيْن قبل ثبوته في ذمة المدين؛ لأنّ الكفالة وثيقة بدين، ولا يتصور أن تسبق الكفالة ثبوت الدَّين. ٦ لا تصح الكفالة بدَين غير مباح، كالرشوة والقمار، وغيرهما. ٧ لا تصح الكفالة بغير مقدور التسليم، كأن يكفل شخص بإحضار غائب لا يعرف مكان إقامته، ولا الكفالة بتنفيذ حد أو قصاص في شخص؛ لأنّ الكفيل لا يحد ولا يقتص منه بدلاً من المكفول؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ فاطر: ١٨.
التقويم
١ أضعُ إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي: أ ( ) تصح كفالة الصبي المميز. ب ( ) تصح كفالة المريض مرض الموت في كل ماله. جـ ( ) تنعقد الكفالة عند جمهور الفقهاء بمجرد الإيجاب. د ( ) يلتزم المكفول بدفع جميع النفقات التي يحملها الكفيل. هـ ( ) ضمان الكفيل لبائع سلعة في خلوص السلعة من كل حق للغير يطلق على الكفالة بالدَّرَك.
٢ أوضح معنى الكفالة لغة واصطلاحاً.
٣ أدلل على مشروعية الكفالة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
٤ أبين أنواع الكفالة.
٥ أذكر أربعة آثار للكفالة.
٦ أعدد الأمور التي تنهي الكفالة.