شرح الموضوع
الرهن
الدرس ۱۹
الرهن
الرهن من عقود التوثيقات المهمة، وهو اقوى انواع التوثيق؛ فالدائن يستوثق به لاستيفاء حقه عند حلول أجل الدَّين، وعجز المدين عن السداد أو مماطلته.
فما الرهن؟ وما حكمة مشروعيته؟ وما احكامه؟
تعريف الرهن:
الرهن لغة: الثبات والدوام، ويطلق على الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ المدثر: ٣٨؛ أي محبوسة بكسبها وعملها.
- أما اصطلاحاً: فهو جعل عين لها قيمة مالية وثيقة بالدَّين ليستوفى من ثمنها إن تعذر استيفاؤه مَمَّن هو عليه.
- فإذا استدان شخص دَيناً من شخص آخر، وسلّمه قطعة ذهب حتى يقضيه دينه، فهذا هو الرهن شرعاً، وعليه يقال لمالك العين المدين: (راهن)، ولصاحب الدَّين الذي يأخذ العين ويحبسها تحت يده نظير دينه: (مرتهن)، كما يقال للعين المرهونة نفسها: (رهن).
مشروعية الرهن:
الرهن جائز، وقد ثبتت مشروعيته بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع:
- فمن القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ البقرة: ٢٨٣، فقد ندب الله تعالى المتداينين إلى كتابة الدين والإشهاد عليه؛ لحفظ الأموال والحقوق، ولتجنب الوقوع في الخلافات والنزاعات، وفي حال تعذر وجود الكاتب فإنّ البديل هو الرهن.
- أما السنة النبوية الشريفة: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاماً ورهنه درعه»(١). دلّ الحديث على جواز الرهن؛ لأنّ عمل الرسول ﷺ تشريع.
- أما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جواز الرهن.
(١) صحيح البخاري، كتاب الرهن، باب من رهن درعه.
حكمة مشروعية الرهن:
للرهن حِكَمٌ، أهمها: ١ حفظ الحقوق وتوثيقها واستيفاؤها، فالمرتهن وهو الدائن يحتاج إلى الرهن؛ ليحقق الاطمئنان على أمواله، ويضمن حقه، ويمنع ضياع ماله. ٢ تشجيع أصحاب الأموال على تقديم العون للآخرين عن طريق القرض الحسن، فيتمكن الراهن وهو المدين من الحصول على المال الذي يحتاجه لتيسير حياته، حيث قد لا يجد مَنْ يقرضه دون رهن.
وينعقد الرهن كبقية العقود بالصيغة، والعاقدين، ومحل العقد. أما الصيغة: فبالإيجاب والقبول بين الطرفين، ويشترط فيها ما يشترط في صيغة البيع. وأما العاقدان فيشترط في الراهن والمرتهن أن يكونا عاقلين بالغين، فلا يصح الرهن من الصبي والمجنون والمحجور عليه. أما محل الرهن وهو المرهون فيشترط فيه أن يكون: ١ مالاً متقوماً، فلا يصح ما ليس بمال، كالميتة والخمر والخنزير، وغيرها. ٢ مقدوراً على تسليمه، فلا يصح رهن البعير الشارد، ولا الطير في السماء، ولا المفقود والمغصوب، وغيرها. ٣ معلوماً، فلا يصح رهن المجهول؛ لأنه لا يمكن قبضه، ويؤدي إلى الخلاف والنزاع. ٤ عيناً، فلا يصح رهن المنفعة، كركوب السيارة وسكن الدار؛ لأنّ مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمن العين عند عجز المدين عن السداد. وهذا قد يتعذر في المنفعة.
لزوم الرهن:
لا يملك أحد العاقدين فسخ عقد الرهن أو الرجوع عنه، ولكن متى يكسب الرهن هذه الصفة، أبمجرد العقد أم بشيء آخر؟
اختلف الفقهاء في ذلك
ذهب المالكية إلى أنّ الرهن يلزم بمجرد العقد، ثم يجبر الراهن على تسليم العين المرهونة للمرتهن، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ البقرة: ٢٨٣. فقد أثبت الله تعالى الرهن قبل القبض، وجعل القبض وصفاً للرهن، والوصف قيد للموصوف خارج عن حقيقته الشرعية، فالقبض شرط كمال، ولأنّ الرهن وثيقة بدَين فيلزم بالإيجاب والقبول مثل الكفالة والحوالة.
- وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنّ الرهن يلزم بالقبض، وللراهن الرجوع عنه قبل القبض؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾، فلو لزم الرهن دون قبض لما كان للقيد فائدة.
- والراجح والله تعالى أعلم ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من اشتراط القبض للرهن وتوقف لزومه عليه.
من أحكام الرهن:
١ لا يجوز للمرتهن التصرف بالمرهون بالبيع أو الهبة أو الإيداع؛ لأنه لا يملكه. ٢ لا يجوز للراهن أن يتصرف بالمرهون بما يزيل الملك، كالبيع والهبة والوقف إلا بإذن المرتهن. ٣ كل ما جاز بيعه جاز رهنه؛ لأنّ المقصود من عقد الرهن الضمان؛ ليستوفي الدائن حقه منه إذا تعذر على المدين سداد دينه، وعليه فإنه يجوز للمدين أن يرهن حصته من الملك المشاع: وهو ما يملكه أكثر من شخص، بحيث يملك كل منهم جزءاً غير معين منه، كالورثة يرثون أرضاً لم تقسم بينهم. ٤ لا يجوز للمقرض المرتهن أن ينتفع بالمرهون، كأن يؤجره أو يزرعه أو يسكنه؛ لأنه قرض جرّ نفعاً، وكل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، حيث يسترد المقرض أكثر مما أعطى، أما إذا جرّ انتفاع المرتهن بالمرهون دخلاً للمرتهن، كأن أجَّره واتفق الطرفان الراهن والمرتهن على أن يُخصم ذلك من قيمة الدَّين فذلك جائز. ٥ حق المرتهن في استيفاء دَينه من ثمن المرهون يكون مقدماً على حقوق بقية الدائنين، وهذا إذا أفلس المدين، وليس له مال سوى المرهون، فيباع المرهون، ويسترد الدائن دَينه من ثمنه، فإذا زاد شيء من ثمنه يُدفع إلى بقية الدائنين فيقسمونه بينهم بنسبة ديونهم. ٦ الزيادة الطارئة على المرهون ونماؤه إذا كان متصلاً بالعين المرهونة، كالسمنة وثمر الشجر، فإنّها تتبع الأصل؛ أي العين المرهونة والدين يتعلق بها، كذلك الزيادة المنفصلة عن العين المرهونة، كاللبن والصوف والحمل، فإنّه يتبع الأصل أيضاً في تعلّق الدَّين به، ويعد رهناً مع الأصل؛ لأنه تبع له. وأما إن كان غير متولد من العين المرهونة، مثل: كسب العبد وأجرة الدار أو الدابة، فإنّها لا تدخل في الرهن، وتكون للراهن. ٧ مؤونة الرهن: ذهب جمهور الفقهاء (من المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أنّ جميع نفقات الرهن من طعام وشراب وحفظ وصيانة تَجِبُ على الراهن؛ لأنه ملكه فعليه نفقته، وذهب الحنفية إلى أنّ النفقات المتعلقة بحفظ المرهون وصيانته تَجِبُ على المرتهن (الدائن)، وأما النفقات المتعلقة ببقاء المرهون ومصلحته فإنّها تَجِبُ على الراهن (المدين). والراجح ما ذهب إليه الجمهور، والله تعالى أعلم. ٨ الرهن أمانة في يد المرتهن، لا يُضْمَنُ إلا بالتَّعَدِّي أو التقصير. ٩ يتم رهن الأراضي والبيوت في وقتنا الحاضر بتسجيل ذلك في دائرة الأراضي، كما يتم رهن السيارات بتسجيل ذلك في دائرة السير، حفاظاً على الحقوق ومنعاً للنزاع. ١٠ ينتهي عقد الرهن بتسديد الدَّين، أو بتنازل المرتهن عن الدَّين، أو بإعادة المرهون.
التقويم
1 أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي : أ ( ) لا يوجد علاقة بين معنى الرهن لغة واصطلاحاً. ب ( ) الرهن من عقود التوثيقات. ج ( ) يحتاج إلى الرهن كل من الراهن والمرتهن. د ( ) يجوز للمقرض المرتهن أن ينتفع بالمرهون. هـ ( ) يصح رهن المنفعة. 2 أوضح المقصود بمفهوم الرهن لغة واصطلاحاً. 3 أدلل على مشروعية الرهن بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. 4 أبين حكمة مشروعية الرهن. 5 أعدد شروط محل الرهن. 6 أوضح مذاهب الفقهاء في زيادة المرهون ونمائه.