شرح الموضوع
النسخ بين المجيزين والمانعين
لله حكمة في إثبات حكم شرعي، أو رفعه، ابتلاءً وامتحاناً للناس، أو تخفيفاً عنهم، فالله تعالى لا يشرع من الأحكام إلا ما فيه مصلحة للعباد، والقول بالنسخ هو مذهب جمهور علماء المسلمين، الذين قالوا بجوازه عقلاً ووقوعه شرعاً.
أدلة وقوع النسخ:
استدل جمهور العلماء من الفقهاء والمحدثين والمفسرين على وقوع النسخ بمجموعة من الأدلة العقلية والنقلية، أهمها:
- أن الله تعالى يحكم ويأمر بما يشاء، وينهى عما يريد، وهو أعلم بمصالح العباد، فقد يشرع الأمر في وقت ما، ثم ينسخه ويرفعه إذا شاء.
- نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الدالة على جواز النسخ ووقوعه، منها: قوله تعالى:
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[النحل: ١٠١]،
وقوله تعالى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
[البقرة: ١٠٦]؛
فالآيتان تدلان على وقوع النسخ، وأن الله تعالى إذا نسخ حكماً جاء بمثله أو بخير منه.
- وقوع النسخ في القرآن فعلاً في بعض الأحكام، ومن ذلك نسخ عدة المرأة المتوفى عنها زوجها، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾
[البقرة: ٢٤٠]،
وقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾
[البقرة: ٢٣٤]،
فهاتان الآيتان فيهما نسخ؛ لأن موضوعهما واحد، هو عدة المرأة المتوفى عنها زوجها. الأولى: حددت العدة بعام كامل. والثانية: حددت العدة بأربعة أشهر وعشر ليال. والمنسوخ هو الحكم الوارد في الآية الأولى، والناسخ هو الآية الثانية، التي حددت عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر ليال، وهذا في باب نسخ الحكم مع بقاء التلاوة كما سيأتي. وحكمة التشريع من هذا النسخ ظاهرة، وهي التخفيف من سنة إلى أربعة أشهر وعشراً، والمعروف أن الانتقال من الأشد إلى الأخف أدعى لامتثال الأمر وطاعة المحكوم به، وفيه بيان لرحمة الله عز وجل لعباده، وهو هدف تربوي عظيم عند أولي الألباب.
رأي أبي مسلم الأصفهاني المعتزلي:
تفرد محمد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني المعتزلي بالقول: إن النسخ لم يقع في الشريعة الإسلامية وإن كان يجوز وقوعه في العقل، على معنى أنه ليس مستحيلاً في العقل، واستدل على رأيه بقوله تعالى:
﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
[فصلت: ٤٢]،
وفسر الآية: بأن أحكام القرآن لا تلغى ولا تبطل فلا يحصل فيها النسخ، وحمل الآيات التي تدل على النسخ على التخصيص والتقييد؛ أي تخصيص العام، وتقييد المطلق. ورد عليه العلماء بأن معنى الآية: أن القرآن لا يوجد ما يبطله مما سبقه من الكتب ولا يأتي بعده ما يبطله، فلا دليل فيها لما ذهب إليه من إنكار النسخ.
موقف اليهود من النسخ:
أنكر اليهود النسخ مستدلين على قولهم بدليل عقلي، وهو أن النسخ يستلزم أنه ظهر لله ما كان خافياً عليه، وهو ما يسمى بـ(البداء)، فشرع الحكم الأول ثم ظهر له خلافه فرفعه ونسخه، أو ظهرت له حكمة لم يكن يعلمها فعلمها، وهذا لا يجوز على الله؛ ولذلك فإن النسخ عندهم لا يجوز.
وقول اليهود هذا غير صحيح، ويمكن الرد عليه بما يأتي:
- القول بالنسخ لا يستلزم أنه ظهر لله ما لم يكن يعلم، بل إنه يعلم حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ من قبل، ولم يتجدد علمه تعالى بذلك، وهو ينقل العباد من حكم إلى حكم حسب ما علمه من مصلحة العباد في ذلك.
- يقول اليهود بأن شريعة موسى عليه السلام ناسخة لما قبلها، وهذا إقرار منهم بوقوع النسخ.
- وقوع النسخ في شريعة موسى عليه السلام، فقد حرم الله على بني إسرائيل بعض المطعومات بعد أن كانت حلالاً بسبب ظلمهم، قال تعالى:
﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾
[النساء: ١٦٠].
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
أ ( ) ذهب اليهود إلى جواز القول بالنسخ؛ لأن فيه مصلحة للعباد. ب ( ) لا فرق بين القول بالنسخ وإثبات البداء لله عز وجل. ج ( ) القول بالنسخ هو مذهب جمهور علماء المسلمين. د ( ) ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى إنكار النسخ في القرآن الكريم.
- أعلل: إنكار اليهود للنسخ.
- كيف ترد على قول اليهود بعدم وقوع النسخ؟
- أبين مذهب أبي مسلم الأصفهاني في النسخ، ودليله.
- أستشهد بآية قرآنية تدل على وقوع النسخ في القرآن الكريم.