شرح الموضوع
الإعجاز البياني في القرآن الكريم
اشتمل القرآن الكريم على وجوه كثيرة من الإعجاز، واهم هذه الوجوه هو الإعجاز البياني الذي اتفق عليه جميع العلماء؛ لأنه موجود في كل آيات القرآن الكريم، بخلاف الوجوه الأخرى التي توجد في بعض الآيات دون غيرها.
فما المقصود بالإعجاز البياني؟ وما أهميته؟ وما مظاهره؟
معنى الإعجاز البياني:
يطلق البيان في اللغة: على التوضيح والإفصاح. ويوصف اللفظ بالفصاحة إذا كان بيّناً ظاهراً. والبلاغة تعني: إيصال المعنى إلى قلب السامع في أحسن صورة وأقوى تأثير. أما الإعجاز البياني فهو: أن يُؤدّى المعنى بطريق أبلغ من جميع ما عداه من الطرق.
ففي مفردات القرآن وتراكيبه ما يُظهر روعة البناء والنظم، وجمال الأسلوب، ودقة الألفاظ، وغزارة المعاني والدلالات.
أهمية الإعجاز البياني:
اهتم العلماء بالإعجاز البياني اهتماماً كبيراً، وألفوا العديد من الكتب التي تكشف عن مظاهره وأوجهه، وتظهر أهميته فيما يأتي:
- الإعجاز البياني أساس التحدي، فالقرآن الكريم نزل بلغة العرب، وهم أهل البلاغة وفرسان البيان، وهم أمّيون وليسوا أهل علم، فكان التحدي لهم بما اشتهروا به، وهذا لا ينفي القول بوجوه الإعجاز الأخرى؛ لأن التحدي ليس للعرب وحدهم بل للبشرية جمعاء، لذا تبقى وجوه الإعجاز القرآني قائمة في كل عصر.
- الإعجاز البياني واقع في ألفاظ القرآن وتراكيبه وآياته، فكل لفظة من الفاظه، أو تركيبة من تراكيبه وآياته، تتضمن وجهاً أو أكثر من أوجه الإعجاز البياني، بخلاف أوجه الإعجاز الأخرى، فتقع في بعض الآيات دون غيرها.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٢٣ ٢٤ .dJ« ʬdI« w “U−Žù« ∫WO½U¦« …bŠu«
- الإعجاز البياني حفظ اللغة العربية وأبرز عظمتها، وكشف تميزها عن غيرها من اللغات، بما اشتمل عليه القرآن الكريم من الاستعارة والتشبيه والتصوير والمجاز، وباقي أوجه البلاغة المتعددة.
- الإعجاز البياني يُظهر دقة الفاظ القرآن الكريم وتراكيبه ونظمه؛ ما يساعد في الكشف عن معانيه ودلالاته التي تشكل مادة غزيرة للمجتهدين في شتى العصور؛ لاستنباط الأحكام والتوجيهات والمبادئ بما يتناسب مع تطورات العصر ومستجداته.
أشهر الكتب التي ألفت في الإعجاز البياني:
ألف العلماء العديد من الكتب قديماً وحديثاً والتي كشفت عن مظاهر الإعجاز البياني في القرآن الكريم، ولكن منهم رؤيته الخاصة أو نظريته في الإعجاز. ومن أهم هذه الكتب:
- إعجاز القرآن للباقلاني: ويعد هذا الكتاب من أشهر كتب الإعجاز القديمة، ويرى الباقلاني أنّ إعجاز القرآن في براعة النظم والتأليف والرصف، إضافة إلى ما فيه من أخبار الأولين وغيب المستقبل.
- دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني: اشتهر الجرجاني بنظريته الخاصة في نظم القرآن، والقائمة على اختيار الألفاظ المتفقة مع المعاني، ونظمها نظماً دقيقاً وفق قواعد النحو.
- إعجاز القرآن واللغة النبوية، لمحمد صادق الرافعي: ويعد الرافعي من أشهر المدافعين عن اللغة العربية والقرآن الكريم في العصر الحديث. واهتم في هذا الكتاب بأسلوب القرآن الكريم ونظمه.
- التصوير الفني في القرآن الكريم لسيد قطب: وهو من العلماء المعاصرين، اعتنى بالثقافة عن سر اختيار الألفاظ والدقة في نظمها وفق سياق خاص وبيّن جمالها، واهتم -كذلك- ببيان أساليب القرآن الكريم في الخطاب، وركز على التصوير الفني في القرآن الكريم.
مظاهر الإعجاز البياني في القرآن الكريم:
يشمل الإعجاز البياني في القرآن المفردات والتراكيب التي تتشكل منها الآيات، وفق نظرة بنائية متكاملة؛ لأن البيان يقوم على الدعائم الآتية:
- الفصاحة في الألفاظ.
- البلاغة في المعاني.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٢٤ ٢٥ .dJ« ʬdI« w “U−Žù« ∫WO½U¦« …bŠu«
- النظم البديع.
- التناغم والتناسق.
أولاً: الإعجاز البياني في المفردة القرآنية:
اهتم علماء البيان بالمفردات القرآنية واعتنوا بها عناية فائقة، وألف بعضهم كتباً خاصة بالمفردات، ومنهم: الراغب الأصفهاني الذي ألف كتاب (المفردات في غريب القرآن).
ومفردات القرآن الكريم مختارة منتقاة، وتتميز بثلاث ميزات هي:
- جمال موقعها.
- اتساقها الكامل مع المعنى.
- اتساع دلالتها.
والأمثلة الآتية توضح هذه الخصائص:
- قال تعالى:
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾
[البقرة: ٢]،
تضمنت الآية الكريمة وجوهاً متنوعة للإعجاز البياني، أهمها:
- استخدام كلمة (ريب) بدل (شك)؛ لأنها أبلغ في هذا السياق، فالريب يعني الشك مع القلق، أما الشك فهو مجرد التردد بين شيئين.
- التقديم والتأخير، فقد قدّم الريب على الجار والمجرور (فيه)؛ للدلالة على نفي وقوع جنس الريب عن القرآن الكريم دون التعرض لغيره من الكتب السماوية.
- العام والسّنّة: كلمة عام في الاستخدام القرآني تشير إلى الخصب والخير، وكلمة سنة تشير إلى الشدة والصعوبة والقحط، قال تعالى:
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
[يوسف: ٤٨-٤٩]،
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾
[العنكبوت: ١٤].
- الغيث والمطر: غالباً ما يستخدم القرآن الكريم كلمة (المطر) في معرض النقمة والغضب، وأما كلمة (الغيث) ففي معرض النعمة والخير، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾
[الفرقان: ٤٠]،
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾
[الشورى: ٢٨].
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٢٥ ٢٦ .dJ« ʬdI« w “U−Žù« ∫WO½U¦« …bŠu«
- حذف الحروف وذكرها: من جمال المفردات ودقة اختيارها واتساقها مع المعنى استعمال الحروف أحياناً وحذفها أحياناً أخرى؛ لحكمة معينة، ومثال ذلك قوله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾
[الواقعة: ٦٣-٦٥]،
وقوله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾
[الواقعة: ٦٨-٧٠].
لو تاملنا هاتين الآيتين لوجدنا أن الأولى أثبت فيها اللام في قوله: ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾، بينما في الثانية لم تذكر اللام ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، وسبب ذلك: أن الأولى تحدثت عن الزرع، والناس يظنون أنهم يتحكمون فيه، فهم الذين يحرثون ويزرعون، فجاء بحرف اللام؛ للتأكيد على أن ذلك كله بيد الله تعالى. أما الثانية فتحدثت عن الماء ولا حاجة لوجود اللام في (جعلناه)؛ لأن الناس يعترفون بعجزهم في هذا المجال.
ثانياً: الإعجاز البياني في التراكيب القرآنية:
تضمنت التراكيب القرآنية وجوهاً عديدة من أوجه الإعجاز، كلها تقوم على أساس اختيار المفردات وصياغتها وفق ترتيب ونسق معين لأداء المعنى المقصود، ومن هذه الأوجه الآتي:
- الإيجاز: ومعناه جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ قليلة، ومثال ذلك:
- قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[القصص: ٧]،
إذا تاملنا هذا النص القرآني وجدنا أن هذه الآية الكريمة جمعت بين أمرين هما: (ارضعيه، والقيه)، ونهيين هما: (لا تخافي، ولا تحزني)، وخبرين هما: (أوحينا، وخفت)، وبشارتين هما:
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[القصص: ٧].
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾
[البقرة: ١٧٩]
تضمنت هذه الآية بياناً لأثر قيمة القصاص في حياة المجتمع بكلمة واحدة هي (حياة). والحياة تحصل من القصاص؛ لأنها تكف الجناة وتردعهم عن هذه الجريمة إذا عرفوا أنهم سيقتلون، والقصاص حياة للمجتمع؛ لأنه يشفي صدور أولياء المقتول، ويمنعهم من التفكير بقتل غير القاتل، فيوقف ذلك عادة الثار، ويحفظ أمن المجتمع.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٢٦ ٢٧ .dJ« ʬdI« w “U−Žù« ∫WO½U¦« …bŠu«
- التقديم والتأخير: ومعناه ترتيب المفردات عند تكوين الجملة على وجه معين، بحيث يؤدي المعنى بصورة جمالية مؤثرة، فيقدم الاسم على الفعل أو الخبر على المبتدا لحكمة وغاية. ومن أمثلة ذلك:
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾
[الأنفال: ١١]،
﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾
[آل عمران: ١٥٤]،
ففي الآية الأولى قدم النعاس على (أمنة)، وهذا يتناسب مع حال المؤمنين قبل بدء معركة بدر؛ لأن الله وعدهم بإحدى الطائفتين، فهم في طمأنينة وحاجتهم إلى النعاس أكثر. أما الآية الثانية فقدم (أمنة) على (نعاساً)، وهذا يتناسب مع حال المؤمنين بعد انتهاء معركة أحد، فهم بحاجة إلى الشعور بالأمن والطمأنينة أكثر من النعاس.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾
[القمر: ١٢]،
والمعنى: تفجرت الأرض كلها فكانت تنبع بالماء لإحداث الطوفان، ولو قال: (فجرنا عيون الأرض) لما أفاد ذلك، بل يكون المعنى أن العيون الموجودة في الأرض قد تفجرت، وليس هذا هو المراد.
- التصوير والتشبيه: من أوجه البيان في القرآن الكريم أسلوبه المتميز في التشبيه والتصوير، حيث إنه يعمد إلى المعنى المجرد فيضفي عليه الحركة والحياة، ويوضحه في صورة حسية ملموسة، ومن الأمثلة على ذلك:
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾
[الكهف: ٧٧]؛
فالجدار جماد لكن الآية تضفي عليه معاني الحركة بكلمة يريد.
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
[يس: ٣٨]؛
فالشمس في دورانها كأنها إنسان يجري ويتحرك.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾
[التكوير: ١٧-١٨]؛
فكلمة عسعس تعبر عن إقبال الليل وتمدده، وكلمة تتنفس كذلك تصور الصبح كأنه كائن حي، وهذا يتناسب مع النشاط والحيوية، كحركة الكائنات الحية عندما يطلع الصبح.
ومن أوجه البيان التصويري للقرآن الكريم تصوير المعاني الذهنية والحالات النفسية وإبرازها في صورة حية، ومن الأمثلة على ذلك:
- قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾
[يونس: ٢٤]؛
هذه الآية تشبه متاع الحياة الدنيا، بدورة حياة النبات، ووجه الشبه منتزع من متعدد، فحال الدنيا في سرعة انقضائها واعتزاز الناس بها كحال الماء النازل من السماء وإنباته للعشب، وتزيّن الأرض بالخضرة والنبات، حتى إذا طمع أهلها في حصادها والانتفاع بها جاءها أمر الله وبأسه.
﴿مَّثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾
[البقرة: ١٧-١٨]؛
في هذه الآية تشبيه لحال المنافقين وقد ادعوا الإسلام وتظاهروا بالإيمان، فظنوا في أنفسهم أن هذا الخداع لن تكون له نهاية، ولكن هيهات، فمثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فبدت الظلمات وأضاءت ما حوله، وبينما هو كذلك في فرحه ومرحه وسروره، وإذ بهذه النار تخمد وتنطفئ فلا يبقى منها شيء.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٢٧
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
أ ( ) الإعجاز البياني هو الأصل وهو موجود في جميع آيات القرآن الكريم. ب ( ) البيان في اللغة يعني الإفصاح والإيضاح. ج ( ) اشتهر الخطابي بنظريته في النظم القرآني. د ( ) الإعجاز البياني يتعلق بالمفردات دون التراكيب.
- أعرف الإعجاز البياني.
- أبين أهميتين للإعجاز البياني.
- تتميز المفردات القرآنية بميزات ثلاث، أذكرها.
- من أوجه الإعجاز البياني في التراكيب التقديم والتأخير، أمثل على ذلك بمثال.
- من أوجه الإعجاز البياني الإيجاز، أمثل على ذلك بمثال.
- أقارن بين الكلمات الآتية في الاستعمال القرآني:
- أ. الغيث والمطر.
- ب. الريب والشك.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٢٨