شرح الموضوع
الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم ما تضمنه من تشريعات شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية؛ ما جعله يسمو فوق كل تشريع وضعي عرفه البشر في القديم والحديث. فالقرآن الكريم وضع أصول العقائد وأحكام العبادات، وقوانين الفضائل والأخلاق، وقواعد التشريع السياسي والاقتصادي والمدني، وحفظ حقوق الأفراد والأسرة والمجتمع.
وفي هذا العصر اعترفت المؤتمرات القانونية بمكانة التشريع الإسلامي، واعتبرته مصدراً من مصادر القانون العالمي، ولا غرابة في ذلك، فالقرآن الكريم دستور تشريعي كامل، يقيم الحياة الإنسانية على أفضل صورة، ولا يستطيع أحد أن ينكر أنه أحدث أثراً عبر وجه التاريخ.
فما معنى الإعجاز التشريعي وما ميزاته ومظاهره؟
معنى الإعجاز التشريعي:
هو ما جاء به القرآن الكريم من نظم وتشريعات شاملة لكل جوانب حياة الإنسان بصورة توازن بين جميع مكوناته الجسمية والروحية والعقلية، وتوازن بين حاجات الفرد والجماعة على وجه محكم دقيق، يفوق ما عرفته البشرية في جميع أزمانها.
ميزات الإعجاز التشريعي:
يتميز التشريع القرآني عن غيره من التشريعات الوضعية بجملة من الميزات، من أهمها الآتي:
أولاً: التشريع القرآني رباني؛ لأنه من عند الله تعالى، وبهذا يختلف اختلافاً جوهرياً عن جميع القوانين والشرائع التي يضعها البشر. وقد ترتب على هذه الميزة أمران مهمان، هما:
- أن مبادئ التشريع القرآني خالية من معاني الجهل والجور والنقص والهوى؛ لأن الله تعالى متصف بالكمال والعدل، بخلاف القوانين الوضعية التي تتصف بهذه المعاني؛ لأنها من طبيعة البشر.
ومثال ذلك: دعوة القرآن للمساواة بين الناس، بغض النظر عن اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، واعتبار أساس التفاضل هو العمل الصالح وما يقدمه الإنسان من خير أو يمتنع عنه من شر، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: ١٣].
- أن التشريع القرآني له هيبة واحترام في نفوس المؤمنين به، وله صفة الخضوع والطاعة ممن اتبعه، بخلاف القوانين الوضعية التي يحرص أتباعها على التفلت منها كلما سنحت لهم الفرصة. ومثال ذلك: استجابة المؤمنين وطاعتهم عندما نزل عليهم تحريم الخمر، بعدما كان العرب مولعين بشربه، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[المائدة: ٩٠].
بينما عجزت أمريكا عن منع شعبها من شربه عندما حاولت ذلك في الفترة ما بين (١٩٣٠-١٩٣٣)، وأنفقت مئات الملايين في سبيل الدعاية لبيان أضراره، وأعدمت ما لا يقل عن مئتي شخص ممن يتاجرون به، وحبست نصف مليون نسمة، ولكنها لما رأت استحالة تطبيق هذا القانون تراجعت عنه، وسمحت بشرب الخمر.
ثانياً: الجزاء في التشريع القرآني دنيوي وأخروي: انفرد التشريع القرآني بالجزاء الأخروي الذي يزرع رقابة الله في نفس العبد فيخشى من مخالفة أوامر الله احتراماً وتعظيماً له، وخوفاً من عذاب الله الذي ينتظر المخالفين، قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾
[آل عمران: ٣٠]،
وهذا أعظم ضمان لمنع النفوس من المخالفة وكفها عن المعصية. كما أن التشريع القرآني فرض عقوبات دنيوية على المخالفين لأحكامه؛ لردعهم وزجرهم.
ثالثاً: التشريعات القرآنية عامة لجميع البشر في كل زمان ومكان، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾
[سبأ: ٢٨].
فالتشريع القرآني رحمة للعالمين، بما فيه من قوانين تحقق المصالح وتدفع المفاسد.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٣٠ .dJ« ʬdI« w “U−Žù« ∫WO½U¦« …bŠu«
ونظراً لعموم التشريع القرآني وبقائه جاءت أحكامه على قسمين، هما:
- أحكام تفصيلية تتصف بالثبات؛ لأنها مناسبة لكل زمان ومكان، كأحكام العقيدة، والأخلاق، والعبادات، وأحكام الأسرة من زواج وميراث وغير ذلك، وأحكام الحدود والقصاص والجنايات.
- مبادئ وقواعد عامة، كأحكام الشورى والمساواة والعدل ودفع الضرر. وهذه تختلف أساليب تطبيقها باختلاف العصور.
رابعاً: شمول التشريع القرآني: من المعلوم أن التشريع القرآني شامل لكل جوانب الحياة الإنسانية، فقد جاء القرآن الكريم بأحكام شاملة في نظرتها إلى الخالق والكون والإنسان والحياة.
كما تشمل توجيهات القرآن الكريم القيم الأخلاقية وأحكام العبادات، وتشمل أيضاً تنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان في المعاملات والعقوبات، وعلاقة الإنسان بالدولة وواجبات الحاكم ومسؤولياته، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول. وهذا الشمول الذي جاءت به الشريعة الإسلامية لا نظير له في القوانين الوضعية.
أمثلة على الإعجاز التشريعي:
- قال تعالى:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾
[البقرة: ١٧٣]؛
فهذه الآية الكريمة تحرّم أنواعاً معينة من الأطعمة؛ لما فيها من الأضرار البالغة التي اجمع عليها علماء الطب، فالميتة والدم تاباهما النفس السليمة، وقد أثبت الطب بعد فترة طويلة من تحريم القرآن للميتة والدم أن الميكروبات والمواد الضارة تتجمع في الميتة والدم، وقد يكشف الطب الحديث عن أمور أخرى تسبب الأذى والضرر للناس من تناول الميتة والدم.
ويظهر الإعجاز التشريعي في تحريم أكل لحم الخنزير في عدة أمور، منها:
- الخنزير منفر بذاته للطبع السليم القويم؛ لأنه يتغذى على الأوساخ والقاذورات.
- اكتشف العلماء أن فيه دودة شديدة الخطورة تسمى الدودة الشريطية، قد تصيب مَنْ يأكله.
- الخنزير ينفرد من بين الحيوانات بأنه لا يغار على عرضه، كثير من الذين يتناولون لحمه قد يصابون بهذه الآفة.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٣١ ٣٢ .dJ« ʬdI« w “U−Žù« ∫WO½U¦« …bŠu«
- قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[النحل: ٩٠]؛
يظهر الإعجاز التشريعي في الآية القرآنية في:
- الأمر بجوامع الخير، وهي: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى؛ فالعدل: يكفل للناس حقوقهم بعيداً عن الهوى والانحياز لفئة معينة. والإحسان: يشمل إتقان العمل ووجوب الإخلاص فيه، وفعل كل خير. وإيتاء ذي القربى: يحقق التكافل الاجتماعي والتعاون بين أفراد المجتمع.
- النهي عن جوامع الشر، وهي: الفحشاء، والمنكر، والبغي؛ فالفحشاء: هي كل أمر يتجاوز الحد، وأخطرها فاحشة الاعتداء على الأعراض. والمنكر: وهو كل أمر أنكرته الشريعة الإسلامية وحرمته. والبغي: وهو الظلم والاعتداء على الناس. ولا يخفى على أحد أن هذه الشرور والمفاسد سبب رئيس في انهيار المجتمعات وتفككها.
- الآيات القرآنية الواردة بشأن المال، فتارة يُنسب إلى الله، قال تعالى:
﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾
[النور: ٣٣]؛
لأن الله هو المالك الحقيقي للمال، وهذا يعني أن يد الإنسان على المال هي أمانة لا يتصرف فيه إلا بأمر الله تعالى. وتارة يُنسب إلى الإنسان، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٢٤) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
[المعارج: ٢٤-٢٥]
ليرشده إلى وجوب السعي والعمل وعمارة الكون. وتارة ينسب إلى الجماعة، قال تعالى:
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾
[النساء: ٥]،
وفي ذلك دلالة على أن للجماعة حقاً في المال، وأنه لا يصح للإنسان أن يتصرف فيه على وجه يضر بالجماعة.
ويظهر أن هذه الآيات الكريمة تضمن تحقيق فكرة الاستخلاف في الكون كما أراد الله تعالى، وإيجاد مجتمع مترابط متكافل.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٣٢
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
أ ( ) التشريعات القرآنية جميعها جاءت على وجه التفصيل. ب ( ) الجزاء في التشريع القرآني دنيوي وأخروي. ج ( ) التشريعات الوضعية تتصف بالكمال والعدل. د ( ) جميع التشريعات القرآنية تتصف بالثبات.
- يترتب على كون التشريع القرآني من عند الله أمران، أبينهما.
- أمثل على كون التشريع القرآني له هيبة واحترام في نفوس المؤمنين.
- أوضح شمولية التشريع القرآني.
- أستخرج أوجه الإعجاز التشريعي في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[النحل: ٩٠].
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٣٣