شرح الدرس
التعرّف إلى مفهوم الاستعمار ودوافعه وأشكاله.
المصطلحات
- الاستعمار الاستيطاني (Colonization)
- الانتداب (Mandate)
- الإمبريالية (الاستعمار الاقتصادي) (Imperialism)
- الكشوف الجغرافية (Geographical Discoveries)
مهارات التعلّم
- الشبه والاختلاف
- المقارنة
- التحليل
عرف التاريخ البشري منذ أقدم العصور أشكالًا متنوعة من الاستعمار؛ إذ سعت الدول والمجتمعات القوية لفرض هيمنتها على الدول والمجتمعات الأقل قوة منها واستعبادها، طمعًا في التوسع وفرض السيادة، وتحقيق مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية متنوعة. وقد عرف التاريخ القديم والحديث نماذج لإمبراطوريات آمنت بالتوسع والسيطرة وبسط النفوذ، كالإمبراطوريات اليونانية والفارسية والرومانية. وشهد التاريخ الحديث ظهور إمبراطوريات استعمارية متنافسة كالإمبراطوريات الإسبانية والبرتغالية والبريطانية والروسية والفرنسية. وقد عرفت بلادنا العربية صنوفًا من الاستعمار الأوروبي في التاريخ الحديث والمعاصر، وكان لها تجربتها في مقاومته والتحرر منه.
أولًا: مفهوم الاستعمار
الاستعمار يعني الاحتلال أو هيمنة دولة قوية على بلاد أو دولة ضعيفة، بهدف استغلال مواردها والسيطرة على مقدراتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لخدمة مصالح الدولة المستعمرة.
ثانيًا: دوافع الاستعمار الأوروبي الحديث
- الدافع السياسي
يتمثل في الصراع على امتلاك أدوات السيطرة والنفوذ وفرض الهيمنة والتوسع السياسي وتوسيع نطاق حدود الدولة الاستعمارية عبر العالم، وتحويلها إلى إمبراطورية مترامية الأطراف. وأسهم ظهور التنافس القومي الأوروبي والدولة القومية في أوروبا في تفاقم حدة التنافس الاستعماري الأوروبي، وزاد في تباهي الدول الأوروبية بقدراتها على التوسّع الاستعماري. يضاف إلى هذا بحث أباطرة وملوكها وقادتها عن المجد والنفوذ والتوسّع والثراء. وهكذا اشتعل التنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية؛ ما دفعها إلى البحث عن تفاهمات حول تقاسم النفوذ والمستعمرات.
وقد عقدت عدّة مؤتمرات أوروبية كان من أهدافها تحقيق التفاهم الاستعماري المطلوب، مثل مؤتمر فيّنا في عام 1815م، ومؤتمر برلين في عام 1884م، (وقد اتفق فيه على تقاسم القارّة الإفريقية بين الدول الاستعمارية الأوروبية). لكنّ هذه المؤتمرات لم تنجح في كبح جماح الصراع بين الدول الاستعمارية على نهب مقدّرات الشعوب وسلبها حرّيتها في إفريقيا وآسيا والأمريكيتين. وكان الوطن العربي في قلب هذا التنافس المحموم بين القوى الاستعمارية، وذاق ويلات الاستعمار على مدى قرنين من الزمن. نظرًا إلى موقعه الجيوسياسي المهمّ بين القارّات القديمة الثلاث (آسيا، وإفريقيا، وأوروبا)، وإطلالته على المحيطات والبحار والمضائق والممرّات المائية المهمّة للملاحة الدولية، وامتلاكه ثروات طبيعية هائلة كالنفط والمعادن المتنوّعة.
وقد انتهجت الدول الاستعمارية أساليب متعدّدة لتحقيق أهدافها السياسية الاستعمارية، من أبرزها:
- دعم الكشوف الجغرافية الهادفة إلى استكشاف الطرق والمنافذ البحرية والاستحواذ عليها، والبحث عن مستعمرات جديدة، وقد أسهمت الكشوف الجغرافية في التمهيد للاستعمار وتبريره.
وفي ما يأتي، جدول يوضّح أبرز إنجازات حركة الكشوف الجغرافية:
| الرحالة | المنطقة المستكشفة | العام |
|---|---|---|
| كريستوفر كولومبوس | العالم الجديد (القارة الأمريكية) وتحديدًا سواحل ألهاما (كولومبيا) | 1492م |
| فاسكو دي غاما | رأس الرجاء الصالح | 1498م |
| ماجلّان | سواحل أمريكا الجنوبية | 1519م |
- الاحتلال العسكري المباشر للبلاد المستهدفة، كما حصل في العديد من الدول العربية، كالجزائر عندما احتلتها فرنسا عام 1830م، والاحتلال البريطاني لعدن عام 1839م، والاحتلال الفرنسي لتونس عام 1881م، والاحتلال البريطاني لمصر عام 1882م، والاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911م، والاحتلالين الفرنسي والإسباني للمغرب الأقصى (مراكش) عام 1912م.
- التزاحم الاستعماري للسيطرة على طرق المواصلات البحرية والبرية، والتحكّم في الموارد المائية الحيوية كمنابع الأنهار ومعابرها. ومن أبرز الأمثلة على هذا الشكل من أشكال التنافس السياسي الاستعماري في الوطن العربي، الصراع والتوافق بين بريطانيا وفرنسا للسيطرة على قناة السويس المصرية.
2. الدافع الاقتصادي
وقفت الدوافع الاقتصادية بقوّة خلف حركة الاستعمار الأوروبي الحديث، وأسهمت الثورة الصناعية في أوروبا في تحفيز الاستعمار، للأسباب الآتية:
- السيطرة على المواد الخام؛ كالقطن والنفط، والأراضي الزراعية الخصبة، ومناجم المعادن الثمينة.
- البحث عن الأيدي العاملة الرخيصة أو المستغلّة بالسخرة.
- البحث عن الأسواق المستهلكة للمنتجات الصناعية للدول الاستعمارية.
- السيطرة على طرق التجارة والمعابر والمنافذ التجارية البرية والبحرية في العالم؛ لخدمة مصالحها التجارية.
- استخدام المستعمرات مجالًا لاستثمار رؤوس الأموال في الخارج عن طريق الشركات التجارية الاستعمارية. وقد عرفت الحركة الاستعمارية عددًا من الشركات الاستعمارية، مثل شركة الهند الشرقية البريطانية، وشركة الهند الشرقية الهولندية، وشركة الهند الشرقية الفرنسية.
3. الدافع الديني والثقافي
أسهمت الدوافع الدينية والثقافية في توليد حركة الاستعمار وتعزيزها ورفدها بالمسوّغات الفكرية والعقائدية. وتولّت الكنائس المسيحية ورجال الدين دعم عمليات الاستعمار، وأسهمت في التمهيد له عبر التبشير وإرسال البعثات التعليمية والصحّية والاجتماعية التي تفتح الأبواب للنفوذ السياسي والاقتصادي عن طريق الأدوات الناعمة. ووقفت الرغبة في نشر الدين وكسب الأتباع والمؤيدين لهذه الكنيسة أو تلك في أصقاع العالم وراء تنشيط الحركة الاستعمارية. وظهر مفكّرون يدافعون عن الاستعمار ويدّعون له أهدافًا حضارية وثقافية نبيلة، ويتحدّثون عن رسالة الرجل الأبيض تجاه العالم وشعوبه.
وعملت الدول الاستعمارية على فرض لغاتها على شعوب المستعمرات، وطمس اللغات المحلّية ومحاربتها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أنّ معظم البلدان التي خضعت للاستعمار الفرنسي مثل تشاد ومالي وغينيا أصبحت لغتها الرسمية الفرنسية، ونجحت فرنسا في ترك بصمتها الثقافية واللغوية في كلّ من الجزائر وتونس. كذلك فرضت إسبانيا لغتها على شعوب مستعمراتها كما في أمريكا اللاتينية، وتوجد أمثلة متعدّدة أخرى.
ثالثًا: أشكال الاستعمار الأوروبي الحديث
- الاحتلال العسكري
احتلال دولة قوية لأراضي دولة ضعيفة أو لمنطقة متنازع عليها أو خالية من السيادة احتلالًا عسكريًا مباشرًا، وإدارتها بصورة مباشرة عن طريق حاكم عسكري عام تُنصّبه في المستعمرة لإدارة شؤونها، وهذه الصورة الاستعمارية السافرة هي أكثر أشكال الاستعمار استفزازًا للشعوب ودفعًا لها نحو المقاومة والتحرّر.
2. الاحتلال الاستيطاني الإحلالي
من أخطر أشكال الاستعمار؛ إذ يهدف إلى التخلّص من السكان الأصليين، وإحداث تغيير ديموغرافي لصالح المستعمرين، بتكثيف الوجود السكاني للمستعمرين، واتّباع كلّ الوسائل والأساليب التي تخلق منهم أكثرية سكانية على حساب السكان الأصليين، وممارسة التمييز العنصري تجاههم. ويرافق هذه الممارسات محاولة الترويج لادّعاءات باطلة حول ملكية الأرض المستعمَرة. والإيهام بأنّ ملكيتها تعود للمستوطنين الذين جلبهم المستعمر معه. ومن أبرز الأمثلة على الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الاستعمار الاوروبي للعالم الجديد (أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية)، والاحتلال الفرنسي للجزائر، والاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، وتشريد الشعب الفلسطيني منها، والادّعاء بأنّها ملك لليهود، ومن حقهم إقامة وطن قومي لهم فيها. 3 الحماية والانتداب والوصاية
وهذه تسميات تندرج تحت مفهوم السيطرة السياسية كأحد أشكال الاستعمار، وتحاول تجميل الوجه البشع له. وبالإمكان تصنيفها على النحو الآتي:
- أ. الحماية: تعني أن تفرض دولة قوية معاهدة لصالح المستعمر بحجّة فرض الحماية للأنظمة الحاكمة في المستعمرات ومنع الدول الاستعمارية الأخرى من السيطرة عليها.
- ب. الانتداب: ظهر مفهوم الانتداب عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ومفاده أن الدولة المستعمرة القوية مكلّفة من عصبة الأمم بإدارة البلاد المستعمَرة بحجّة تطويرها وتنميتها إلى أن تصبح قادرة على إدارة شؤونها بنفسها. ومن الأمثلة على الانتداب في بلادنا العربية، فرض الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، والانتداب البريطاني على العراق والأردن وفلسطين.
- ج. الوصاية: شكل من أشكال الاستعمار ظهر بعد الحرب العالمية الثانية ليحلّ محلّ الانتداب، تحت مظلّة الأمم المتحدة. ومن أبرز الأمثلة عليه في البلاد العربية، فرض الوصاية الدولية على ليبيا بين عامي (1949-1951م).
4 الاستعمار الثقافي والفكري
يهدف إلى العبث بالمنظومة الفكرية والثقافية والحضارية للبلاد المستعمَرة، والسعي إلى سلخها عن مصادر قوّتها الحضارية والثقافية، وتحويلها إلى مجرد تابع للمركز الحضاري الاستعماري وقيمه ومفاهيمه ونظرته إلى الكون والإنسان والحياة. ومن أوضح الأمثلة عليه الاستعمار الفرنسي في البلاد العربية. ومن أبرز أساليب الاستعمار الفكري والثقافي:
- السيطرة على التعليم وتوجيهه لخدمة أهداف المستعمر، ومنع الشعوب المستعمَرة من التحرّر والتقدّم.
- الهيمنة على وسائل الإعلام وتوجيهها لخدمة المستعمر ومصالحه، وتجميل وجهه، وتشويه حركات التحرّر الوطني.
- تمكين الإرساليات التبشيرية من ممارسة نشاطها الديني والثقافي في المستعمرات.
- تفكيك المجتمعات في المستعمرات بهدف اضعاف قدرتها على مقاومة الاستعمار.
رابعًا: العوامل التي سهّلت سيطرة الاستعمار الأوروبي على البلاد العربية
أسهمت عدّة عوامل في تمكين الاستعمار الأوروبي من السيطرة على الوطن العربي، من أهمّها:
- ضعف الوعي الوطني والقومي في البلاد العربية الخاضعة للدولة العثمانية في تلك المرحلة.
- عجز الدولة العثمانية عن حماية البلاد العربية الخاضعة لها، بعد أن سيطرت عليها عدّة قرون دون أن تعمل على تحصينها وتنميتها وتقدّمها.
- غياب كيان سياسي عربي قادر على الدفاع عن البلاد العربية في مواجهة الأطماع الاستعمارية الأجنبية.
- معاناة المجتمعات العربية من آفات وتحدّيات متنوّعة؛ كالأمية والجهل والأمراض والفقر وسيطرة الخرافات والنزعات الطائفية والعرقية والمذهبية.
- التخلّف الاقتصادي في البلاد العربية.
- أفسّر: يُعدّ الاحتلال العسكري أخطر أنواع الاستعمار وأكثرها إثارة للشعوب المحتلّة.
- أرتّب أساليب الغزو الثقافي والفكري من حيث درجة خطورتها على المجتمعات الخاضعة للاستعمار.
- أقارن بين نظامي الانتداب والوصاية الاستعماريّين، من حيث الجهة التي أقرّتهما والصلاحيات الممنوحة للدولة المستعمِرة في كلّ منهما.