شرح الدرس
الاستعمار الأوروبي في الوطن العربي قبل الحرب العالمية الأولى
الفكرةُ الرئيسة
التعرّف إلى الاستعمار الأوروبي في البلاد العربية، قبل الحرب العالمية الأولى (1914-1918م).
المصطلحات
- الحملة العسكرية الفرنسية على مصر وبلاد الشام
- The French Military Campaign Against Egypt and Syria
- الاستشراق
- Orientalism
- الامتيازات الأجنبية
- Capitulations
مهارات التعلّم
- التحليل
- التصنيف
أوّلاً: الاستعمار البرتغالي في سواحل الجزيرة العربية
في ظلّ احتدام التنافس الاستعماري بين البرتغال وإسبانيا تدخّل البابا (إلكسندر السادس) لفضّ النزاع بينهما، وجرى الاتفاق على أن تكون لإسبانيا الأحقية في استعمار الجزء من العالم الممتدّ غربي خطّ الطول الوهمي الممتدّ من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، مارًّا بجزر الآزور والساحل الغربي للقارّة الافريقية، في حين تمتلك البرتغال الأحقية في فرض استعمارها على أجزاء العالم الواقعة شرقي الخطّ المذكور.
فتحت الكشوف الجغرافية الأوروبية الأبواب للتوسّع الاستعماري البرتغالي في ساحل عُمان والخليج العربي، فقد كانت البرتغال تُخطّط منذ زمن للوصول إلى الهند، وهذا دفعها لتمويل ودعم عمليات الاستكشاف لطرق جديدة لا تخضع للسيطرة العربية الإسلامية. فجاء اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح على يد الرحالة (فاسكو دي غاما) الذي أفاد من جهود سابقيه وأبرزهم (دياز). وهكذا تمكّن البرتغاليون من الدوران حول إفريقيا في عام 1498م، واستعانوا بالبحّارة العرب النشيطين في السواحل الجنوبية والشرقية للجزيرة العربية (ساحل عُمان والخليج العربي)، وأفادوا من معلوماتهم وأدواتهم وخرائطهم الملاحية.
وأنشأ البرتغاليون محطّات (تجارية - عسكرية) في السواحل العربية، من أهمها: سوقطرة ومسقط ومضيق هرمز على بوّابة الخليج العربي، وعدد من الجزر المهمة؛ فتمكّنت من إحكام احتكارها لتجارة التوابل مع الهند.
الرحالة والمستكشف العربي ابن ماجد ابن ماجد هو شهاب الدين أحمد بن ماجد، وهو رحّالة ومستكشف وجغرافي عربي مسلم، وُلد في رأس الخيمة في عام 1432م، وله مؤلّفات وتصانيف عديدة في علوم الجغرافية والرحلات والاستكشاف والفلك والملاحة. تعاون ابن ماجد مع البحّار البرتغالي فاسكو دي غاما في عام 1498م، بعد التقائهما بالقرب من ساحل ملبار، وكان فاسكو دي غاما مهتمًّا باكتشاف الطريق إلى الهند؛ لأهداف تتصل بتجارة البهارات والتوابل، وكان ابن ماجد قد أرشد البرتغاليين إلى الطريق إلى الهند.
وقد أفسحت المنطقة العربية المجال أمام التمدّد البرتغالي، فقد كانت دولة المماليك في مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية تعاني من الضعف والتراجع في قوّتها العسكرية والاقتصادية، في حين كانت منافستها الدولة العثمانية ما زالت بعيدة عن المنطقة العربية ومنشغلة بالتوسّع في أوروبا غربًا، لكنّ هذا الضعف المملوكي في مواجهة البرتغاليين ومجمل الأخطار الاستعمارية المُهدّدة للمنطقة، كان أحد عوامل التوسّع العثماني في المنطقة العربية على حساب الدولة المملوكية، وتمكّن العثمانيون من انتزاع بلاد الشام منها بعد معركة مرج دابق في عام 1516م، وشمال العراق بعد معركة شالديران في عام 1516م، ومصر بعد معركة الريدانية في عام 1517م.
أما بخصوص السياسة الاستعمارية البرتغالية في المنطقة العربية، فقد اتّسمت بالقسوة والتعصّب الديني والعرقي، وفرض الاحتكار التجاري والعبودية على السكّان في الجزر.
ثانيًا: الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام (1798-1801م)
شكّلت الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام انطلاقة جديدة للاستعمار الأوروبي في البلاد العربية، وقد جاءت مدفوعة بعدّة عوامل، منها:
- التنافس الاستعماري (الفرنسي - البريطاني) في الشرق، والرغبة الفرنسية في قطع طرق مواصلات بريطانيا الى الهند.
- الأطماع الفرنسية في السيطرة على موانئ البحر المتوسط في الشمال الإفريقي ومصر وبلاد الشام.
- الحلم الفرنسي الذي قاده نابليون بتأسيس إمبراطورية استعمارية فرنسية في الشرق العربي وفي قلبه مصر وبلاد الشام.
- قناعة نابليون بضعف الدولة العثمانية، وأنّها باتت عاجزة عن حماية ما تحكمه من مناطق ومن ضمنها البلاد العربية بفعل سلسلة الحروب المتواصلة مع الدول الاوروبية، وفي ظلّ توسّع نظام الامتيازات الاجنبية التي تمتّعت بها الدول الاوروبية الاستعمارية.

الامتيازات الأجنبية مجموعة التسهيلات التي قدّمتها الدولة العثمانية لعدد من الدول الأوروبية الاستعمارية مثل فرنسا وبريطانيا وغيرهما، في المجالات التجارية والقنصلية والقانونية والطائفية والتعليمية، تحت ضغط الرغبة في تعزيز الاقتصاد العثماني، وتشجيع الأجانب على الإقامة واستثمار أموالهم وخبراتهم في أراضيها من جانب، وبسبب الرغبة في تجنّب الصدام معها لا سيّما في مراحل تراجع قوّة الدولة العثمانية من جانب آخر. وبتوالي ضعف الدولة العثمانية أصبحت الدول الأجنبية تتشدّد في فرض شروطها وإملاءاتها، وأخذت تعدّ الامتيازات حقوقًا مكتسبة لها ولرعاياها. وزادت في تدخّلها في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية. وأسهمت الامتيازات الأجنبية في تدمير اقتصاد الدولة العثمانية وانتهاك سيادتها ومراكمة ديونها، وفي المجمل كانت أحد أسباب انهيارها.
تمكّن الأسطول الحربي الفرنسي من احتلال مدينة الإسكندرية في عام 1798م، ولم تتمكّن المقاومة الشعبية من صدّ العدوان، الذي تمدّد إلى أن وصل إلى القاهرة التي احتلّها الفرنسيون على الرغم من المقاومة التي أبداها الشعب المصري. لكنّ بريطانيا كانت في المرصاد لحملة نابليون، فعمد الأسطول الحربي البريطاني إلى تحطيم الأسطول الحربي الفرنسي في ميناء أبي قير المصري، وتمكّن من إلحاق هزيمة نكراء بعد شهر من احتلال الفرنسيين للقاهرة. وهكذا أصبحت الحملة الفرنسية وقائدها نابليون تحت حصار بريطاني مُحكم داخل مصر، وقطعت بريطانيا جميع طرق الإمداد على الفرنسيين في مصر. وفي محاولة للهروب من هذا الحصار لجأ نابليون إلى تسيير حملة عسكرية على بلاد الشام، بدءًا من فلسطين فاستولت قوّاته على العريش وغزة والرملة ويافا. لكنّ حملته اصطدمت بهزيمة غير محسوبة على أسوار عكا المنيعة التي صمدت، وقاوم أهلها وحاميتها العسكرية بقيادة أحمد باشا الجزار الحملة الفرنسية؛ ما اضطرّ نابليون للانسحاب نحو مصر يجرّ أذيال الهزيمة التي أسهم الأسطول البريطاني في تحقيقها بحصاره لشواطئ عكا.
ثمّ اضطرّ نابليون لمغادرة مصر سرًّا عائدًا إلى بلاده، وتمكّن الشعب المصري من اغتيال نائبه الجنرال كليبر على يد سليمان الحلبي الطالب السوري في الجامع الأزهر. وأخيرًا، اضطرّت فرنسا لسحب جيشها من مصر دون أن تنجح في تحقيق أحلامها الإمبراطورية التوسّعية. لكنّ الحملة الفرنسية شكّلت حدثًا مهمًّا أنتج تحولات في حياة الشرق العربي، كما أسهمت في صياغة شكل العلاقات العربية الفرنسية في قادم الأيام. ويُمكننا حصر أبرز نتائجها في ما يأتي: » لفتت أنظار المستعمرين إلى الأهمية الإستراتيجية للبلاد العربية؛ ما فاقم من حدة الأطماع الأوروبية فيها. » كشفت عن ضعف الدولة العثمانية وعجزها عن حماية مصر وبلاد الشام. » برزت بريطانيا بوصفها لاعباً سياسياً وإستراتيجياً مؤثراً في الشؤون الدولية وفي البلاد العربية. » أثمرت تحوّلات سياسية مهمة، من أبرزها تأسيس نظام سياسي في مصر بقيادة محمد علي باشا. » دفعت بريطانيا لاحتلال مصر عسكرياً. » فتحت أذهان المصريين والعرب على الاختلاف الشاسع الذي يفصلهم في ميادين التقدم العلمي والقوة العسكرية عن أوروبا. » أدخلت الطباعة الى مصر، وأسهمت في تنشيط حركة التأليف والبحث في الشؤون المصرية. » الاهتمام بتاريخ مصر وآثارها على يد المستشرقين والعلماء الذين رافقوا الحملة.
الاستشراق الاستشراق حركة علمية (أكاديمية) غربية (أوروبية - أمريكية) تشكلت بمرور الوقت بهدف دراسة الشرق العربي الإسلامي تاريخاً وحضارة وديناً ولغة وثقافة، وفقاً لمناهج التفكير الغربية في التحليل والتفسير والنقد. لكن الدراسات الاستشراقية لم تسلم من التحيز وتبنى مواقف وآراء مسبقة تخدم المصالح الاستعمارية. ومن المهم الإشارة إلى دور المستشرقين في حفظ التراث الحضاري العربي الإسلامي المدون، ودراسته وتحقيقه وإعادة نشره.
ثالثاً: الاستعمار البريطاني في الخليج العربي واليمن
أسهمت بريطانيا تدريجياً في إضعاف الاستعمار البرتغالي في سواحل عُمان والخليج العربي، وما لبثت أن حلّت محلّه بصورة كاملة. وأقامت بريطانيا حامية عسكرية لها في الكويت منذ عام 1793م، فكانت أوّل محطّة استعمارية بريطانية في الوطن العربي. ومع نهاية القرن الثامن عشر تصدّى القواسم (وهم قبيلة عربية استقرّت في الإمارات العربية المتحدة) بأساطيلهم للسفن التجارية البريطانية ونافسوها في الميدان التجاري، فاتهمتهم بريطانيا بالقرصنة وممارسة تجارة العبيد لإيجاد مبرر للقضاء عليهم والسيطرة على بلادهم.
وانتهجت بريطانيا سياسة عقد الاتفاقيات والمعاهدات مع شيوخ وحكام المنطقة، بما لها من أهمية حيوية لطرق مواصلاتها إلى درّة تاج مستعمراتها الهند. فقد عقدت معاهدة حماية مع سلطان مسقط في عام 1800م، ومع عدد من شيوخ إمارات الخليج، في عام 1820م. ثم أقدمت على الكشف عن مخططها الاستعماري بوضوح عندما احتلت عدن في عام 1839م، ونصّبت حاكمًا عسكريًا عامًا عليها، نظرًا إلى تنامي أهميتها بعد افتتاح قناة السويس.
رابعًا: الاستعمار الأوروبي في المغرب العربي
1 الاستعمار الفرنسي للجزائر
طمعت فرنسا في احتلال الجزائر عسكريًا منذ زمن طويل، ونظرت إلى الجزائر بوصفها منطقة استعمارية واعدة لعدة أسباب، هي:
- الموقع الإستراتيجي للجزائر على الجزء الجنوبي من البحر المتوسط المقابل لفرنسا مباشرة.
- الخشية الفرنسية من عمليات البحارة الجزائريين المنطلقة من الموانئ الجزائرية على مصالحها التجارية ومواصلاتها البحرية.
- الأطماع الاقتصادية الفرنسية في الجزائر المتمثلة في المواد الخام، والسوق الاستهلاكية الواعدة، والأراضي الزراعية الخصبة.
- الرغبة في تعزيز النفوذ السياسي الفرنسي في المنطقة، ومنح الأسرة الحاكمة في فرنسا الفرصة لتحقيق مكاسب سياسية تدعم سلطتها.
- كسب ودّ الكنيسة الكاثوليكية عن طريق احتلال بلاد إسلامية.
- تراكم الديون الجزائرية على فرنسا، جرّاء استيرادها كميات من الحبوب من الجزائر، ومماطلتها في تسديد ثمنها؛ ما قاد إلى أزمة دبلوماسية بين البلدين تفجّرت في ما يعرف بحادثة إهانة الداي حسين حاكم الجزائر للقنصل الفرنسي بلطمه بالمروحة التي بيده. وقد شكّلت هذه الحادثة السبب المباشر للاحتلال الفرنسي للجزائر.
تمكّن الجيش الفرنسي من احتلال الجزائر في عام 1830م. وفرضت فرنسا عليها أبشع أشكال الاستعمار الاستيطاني، وعمدت إلى فرض سياسات الفرنسة، زاعمة أنَّ الجزائر تحوّلت إلى قطعة من الأراضي الفرنسية. 2 الحماية الفرنسية على تونس
بدأ الاحتلال العسكري الفرنسي لتونس في عام 1881م، فقد توجّهت الأطماع الاستعمارية الفرنسية نحو تونس منذ احتلالها للجزائر، وتمثلت الدوافع الاستعمارية الفرنسية في تونس، في موقعها الإستراتيجي المجاور للجزائر، وضعف الحكم فيها، في ظل معاناته من مشكلات اقتصادية عميقة. وتذرّعت فرنسا بتكرار الحوادث الحدودية، وجعلت منها سببًا مباشرًا لاحتلال تونس، وتمكنت من فرض معاهدة (باردو) للحماية الاستعمارية على حاكمها الباي محمد الصادق في عام 1881م. ثم جرى توقيع معاهدة المرسى الكبير في عام 1883م، وبموجبهما أُجبرت تونس على قبول الحماية الفرنسية، والسيطرة على علاقات تونس الخارجية، ونزع سيادتها على القضاء والشؤون الخارجية.
لم تتوقّف فرنسا عن التفكير بتوسيع استعمارها من الجزائر صوب الغرب مستهدفة سلطنة مراكش، واحتاجت إلى إجراء سلسلة من التفاهمات مع بقية الدول الاستعمارية لتمكينها من إطلاق يديها في بلاد مراكش، فعمدت إلى توقيع اتفاقية مع إيطاليا في عام 1900م وافقت بموجبها فرنسا على احتلال إيطاليا لليبيا، مقابل موافقة إيطاليا على احتلال فرنسا لمراكش. كما توصلت فرنسا إلى اتفاقية مع بريطانيا في عام 1904م، أيدت بموجبها الاحتلال البريطاني لمصر، مقابل الموافقة البريطانية على احتلالها لمراكش. وفي العام التالي، وقّعت فرنسا مع إسبانيا اتفاقية تقاسم سلطنة مراكش، بحيث تكون منطقة الريف في الشمال مستعمرة إسبانية، وبقية البلاد مستعمرة فرنسية. وفي عام 1911م، أكملت فرنسا سلسلة تفاهماتها الدولية لاحتلال مراكش؛ فعقدت اتفاقًا مع ألمانيا انتزعت بموجبه موافقة الأخيرة على احتلال فرنسا لمراكش مقابل صمتها عن الاحتلال الألماني للكونغو.
وبذلك عمدت إلى استغلال لحظة لجوء سلطان مراكش عبد الحفيظ بن الحسن العلوي (مولاي عبد الحفيظ) لطلب حمايتها من القبائل الثائرة ضد حكمه. واجبرته على الموافقة على وضع بلاده تحت الحماية الفرنسية في عام 1912م. وهذا قاد فرنسا إلى التنازل عن منطقة الريف المراكشي لإسبانيا، في حين عُدّت منطقة طنجة ذات صفة دولية خاصة. 4 الاحتلال الفرنسي لموريتانيا (بلاد شنقيط)
كانت الأطماع الفرنسية في منطقة موريتانيا المجاورة لمراكش واضحة، نظرًا إلى أهميتها في طرق المواصلات مع المستعمرات الفرنسية في مناطق غربي إفريقيا، وتمكّنت فرنسا من احتلالها عسكريًا في عام 1905م، وعمدت إلى إجراء تقسيمات إدارية في البلاد تخدم مصالحها وتحكم عن طريقها قبضتها عليها.
بدأت إيطاليا نشاطها الاستعماري في أواخر القرن التاسع عشر في مناطق شرقي إفريقيا والقرن الإفريقي، عن طريق سيطرتها على كل من أرتيريا وسُمّيت (أرتيريا الإيطالية)، والصومال وأطلق عليه (الصومال الإيطالي). ونظرت إيطاليا إلى البحر المتوسط بوصفه بحرها، بالإضافة إلى نزعتها الاستعمارية بأنَّ الأفارقة متخلفون وبرابرة، وسعت طويلًا إلى السيطرة على ليبيا المواجهة لها على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط. فقد استغلّت تراجع السيطرة العثمانية في المنطقة، وأجرت تفاهمات متعدّدة مع الدول الاستعمارية الأوروبية لتمكينها من احتلال ليبيا، وتطلّع الإيطاليون إلى فرض استعمار استيطاني طويل الأمد في ليبيا عبر هجرة أعداد من الإيطاليين إليها لاتخاذها موطنًا لهم. وتمكّنت من احتلال أجزاء من ليبيا بعد حربها مع الدولة العثمانية في عام 1911م، مستخدمة الطيران للمرّة الأولى في قصف طرابلس، ثم انتهزت فرصة اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ فرشّحت احتلالها لطرابلس وبنغازي وطبرق وعموم أنحاء ليبيا تدريجيًا.
خامسًا: الاستعمار البريطاني في مصر والسودان
لم تتوقّف المحاولات البريطانية عن احتلال مصر منذ جلاء الحملة الفرنسية عنها في عام 1801م، وقد كان لبريطانيا دور مهم في إفشال الحملة، وراحت تُخطّط لتكبيل مصر بالقيود المتعدّدة للنيل منها. وكان الاقتصاد أحد هذه القيود التي كبّلت مصر بالديون بسبب الإنفاق الترفي والإسراف التبذيري لحكّامها ولا سيّما الخديوي إسماعيل. وقاد هذا إلى فرض المراقبة على مالية مصر من قِبل بريطانيا وفرنسا، وهما أكبر الدائنين لمصر. وأدّت هذه الرقابة إلى ما عُرف بالوزارة المختلطة المكوّنة من وزير بريطاني (وزير المالية) وآخر فرنسي (وزير الأشغال) يحكمان قبضتهما على الشؤون الاقتصادية والعمرانية في مصر. حاول الشعب المصري الوقوف في وجه هذه السياسات، فقامت الثورة العُرابية (1881-1882م) بقيادة الضابط المصري أحمد عُرابي، ومن أبرز مطالبها إصلاح الجيش المصري، وإعادة الحياة البرلمانية، ووقف التدخل الأجنبي في الشؤون المصرية. وقد استجاب الخديوي توفيق للضغوط الأوروبية فأجريت انتخابات نيابية أسفرت عن مجلس نواب حاول مناقشة موازنة الدولة، لكنه اصطدم بالمعارضة البريطانية الفرنسية، على أساس أنها خاضعة للرقابة الثنائية من قبلهما. وقد قادت تطوّرات الأحداث في البلاد إلى تصميم بريطانيا على غزو مصر من ميناء الإسكندرية، وقد قاوم الجيش المصري الغزو، لكنّ الخديوي أيّد الإنجليز ووضع يده بأيديهم فتمكّنوا من احتلال مصر والسيطرة على القاهرة في صيف عام 1882م. وحوكم عُرابي ورفاقه الثوار من الضباط وجرى نفيهم الى جزيرة سيلان (سيريلانكا حاليًا). وما إن أحكمت بريطانيا قبضتها على مصر حتى بدأت بالتخطيط إلى التوجّه جنوبًا نحو السودان، وتمكّنت من احتلاله في عام 1898م بعد هزيمة الزعيم السوداني محمد المهدي وجيشه أمام الغزو البريطاني. وفي العام التالي فُرض على السودان الحكم الثنائي (البريطاني - المصري)، وقد فرضت الاتفاقية الخاصة بهذا الحكم البنود الآتية:
- إدارة السودان تكون بالتوافق (البريطاني - المصري).
- تعيين حاكم عام بريطاني للسودان ويتولّى قيادة الجيش.
- إلغاء الامتيازات الأجنبية في السودان؛ لتمكين بريطانيا من الاستفراد بها.
- تحمّل الميزانية المصرية نفقات المشاريع العامة في السودان.
سادسًا: الاستعمار الأوروبي في منطقة القرن الأفريقي العربية
تمكّنت عدّة دول استعمارية من السيطرة الاستعمارية على منطقة القرن الأفريقي، فمنذ أن احتلت بريطانيا عدن في عام 1839م بسطت سيطرتها على الضفة الأخرى من مضيق باب المندب الإستراتيجي؛ فاحتلت منطقة ما عُرف بالصومال البريطاني، في حين بسطت إيطاليا سيطرتها على بقية البلاد فسمّيت الصومال الإيطالي، أما جيبوتي التي احتلتها فرنسا فقد أطلق عليها الصومال الفرنسي، كما احتلت فرنسا جزر القمر.