شرح الدرس
التعرّف إلى أبرز الممارسات الاستعمارية في الوطن العربي منذ الحرب العالمية الأولى، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1914-1945م).
المصطلحات
- اتفاقية سايكس بيكو (Sykes-Picot Agreement)
- وعد بلفور (Balfour Declaration)
- مؤتمر سان ريمو (San Remo conference)
مهارات التعلّم
- المقارنة
- الشبه والاختلاف
- التحليل
1) السياسة الاستعمارية الفرنسية في أقطار المغرب العربي
أولًا: الاستعمار الأوروبي في الأقطار العربية في إفريقيا (المغرب العربي)
انتهجت فرنسا في أقطار المغرب العربي، سياسات متباينة تتفق مع طبيعة التطوّر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في كلّ منها. لكنّ هذه السياسات المتنوّعة التقت على تحقيق هدف واحد، وهو استثمار خيرات كلّ قطر واستغلال قواه البشرية لأطول مدة ممكنة. وقد اتّبعت في الجزائر منذ احتلالها في عام 1830م، سياسة الدمج الرامية إلى الإلحاق الكلي بفرنسا، بينما قامت السياسة الفرنسية في تونس على التعاون المباشر منذ فرض الحماية عليها في عام 1881م؛ وذلك في محاولة للهيمنة على أجهزة الدولة وجميع المناصب الادارية من أدناها إلى أعلاها. في حين انتهجت فرنسا في المغرب (مراكش)، بعد فرض الحماية عليها في عام 1912م، سياسة تقوم على التعاون غير المباشر عن طريق توجيه إدارة السلطنة (المخزن) وإقامة إدارة فرنسية موازية لها.
واعتمدت فرنسا في سبيل تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية في الأقطار المغربية، مبادىء عامة ترمي إلى محو شخصيتها الوطنية والقضاء على انتمائها العربي الاسلامي وتمزيق وحدتها. ويمكن تلخيص هذه المبادئ بما يأتي: » فتح أبواب البلاد للمستعمرين الأوروبيين ومنحهم الامتيازات الاقتصادية والسلطات الإدارية الواسعة في كلّ قطر.
- محاربة الهوية العربية عبر محاربة اللغة العربية، وتشجيع التبشير المسيحي، وفرض التجنس بالجنسية الفرنسية، والاستيلاء على الأوقاف الإسلامية، ومقاومة القضاء الشرعي وتقليص سلطاته.
- السعي لكسب الأقليات الدينية والعرقية وعزلها عن مجتمعها الوطني. فقد اهتمت بكسب ودّ الطائفة اليهودية، وإيجاد هوّة بين العرب والبربر واصطناع الخلافات بينهما، والعمل على إيجاد هويات متضادة داخل المجتمعات المغربية على أسس عرقية.
- قطع الصلات بين الأقطار المغاربية، وبينها وبين المشرق العربي.
- تمكين القوى المحلية المغاربية المتعاونة مع المستعمر الفرنسي وبخاصة النخب المتفرنسة المنسلخة عن جذورها الحضارية والوطنية، وتعزيز مكانتها ودورها على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
- إجبار الشعوب في مستعمراتها على المشاركة في المجهود الحربي إلى جانب القوات الفرنسية، وجرّت فرنسا مئات الألوف من الشباب في المغرب العربي (مراكش والجزائر وتونس وموريتانيا) قسرًا إلى جبهات القتال، للدفاع عن الأراضي الفرنسية أمام الاحتلال الألماني لها. وأسهموا في تحرير فرنسا.
- محاربة الروح الوطنية وملاحقة الثوار والزعماء الوطنيين. كما تعمّدت خنق الحرّيات العامة والسياسية، وحاربت المنظمات الوطنية بكل أصنافها.
2 السياسة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا مارست إيطاليا سياسة الاستيطان الإحلالي في ليبيا، وحرصت على استثمار خيرات البلاد لصالحها، وسعت إلى سلب الأراضي الخصبة من أيدي أصحابها الليبيين ومنحها للمستعمرين الإيطاليين، كما عملت على تجريد الحركة السنوسية من الأراضي الوقفية والمؤسسات الاجتماعية والدينية المنتشرة في ليبيا، واتبعت سياسة استعمارية تقوم على ربط مصالح أهل البلاد بالمستعمر الإيطالي وشركاته ومؤسساته العاملة في القطاعات الاقتصادية والتعليمية والصحية. ومارست سياسات هادفة الى القضاء على الهوية (العربية - الإسلامية) للبلاد.
ولم تتورّع إيطاليا عن ممارسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الليبي بهدف تغيير التركيبة السكانية، وعبثت بالنسيج المجتمعي الليبي ساعية لتمزيق الوحدة الليبية على أسس عرقية ومناطقية. كما اعتمدت على الأقليات لتمزيق وحدة الشعب، فقرّبت الأقلية اليهودية ومنحتها حقوقًا سياسية وامتيازات اقتصادية ودينية متميزة. وأبعدت العرب عن العمل في الإدارة العامة، وحصرتهم في المحاكم الشرعية والشؤون الدينية والوظائف البسيطة، التي تتطلب أن يتقن شاغلها اللغة العربية. وسعت الدعاية الاستعمارية الإيطالية في مطلع العشرينيات من القرن العشرين إلى الترويج لما أطلق عليها سياسة النفوذ السلمي، بهدف التخفيف من أعباء الاحتلال المالية والعسكرية، والتمهيد لضمّ ليبيا نهائيًا إلى إيطاليا بالوسائل السلمية. لكنّ الشعب الليبي أدرك مرامي هذه السياسة وأصرّ على التحرّر من الاستعمار. ومع وصول الحزب الفاشي للحكم في إيطاليا في عام 1922م، روّج الفاشيون للحجّة التاريخية للاستعمار المتمثلة في ضرورة مواصلة إيطاليا رسالة روما الاستعمارية. وأنّ إيطاليا استمرار للإمبراطورية الرومانية، وأنّ البحر المتوسط بحيرة ايطالية، كما أنّ البلاد الواقعة على شواطئه مناطق نفوذ طبيعية لإيطاليا. كما استخدمت الحجّة الديموغرافية الهادفة الى تفريغ الفائض السكاني الإيطالي في المستعمرات أو الأوطان الجديدة ومنها ليبيا، وتوطين الإيطاليين فيها لأنها وطنهم النهائي. واستخدمت إيطاليا الحجّة الاقتصادية في تبرير سياساتها الاستعمارية بحثًا عن الموارد الأولية الضرورية للنمو الصناعي في المستعمرات ومنها ليبيا.
| الحركة الفاشية | |
|---|---|
| :--- | |
| وكان من دوافع الإيطاليين الاستعمارية شعورهم بالذلّ والإهانة أمام الدول الأوروبية الكبرى، وسعيهم إلى تأكيد العزّة الوطنية الإيطالية عبر الاستعمار وقهر الشعوب الضعيفة ونهب خيراتها. وفي الثلاثينيات من القرن العشرين تمادت إيطاليا في سياساتها الفاشية القمعية واعتمدت أسلوب القوّة والعنف في التعامل مع الشعب الليبي، وفي المجمل اتسمت السياسة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا بالشدّة والقسوة والغطرسة العنصرية. | حركة سياسية قومية متطرّفة ظهرت في إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى، على يد الصحفي الإيطالي (بينيتو موسوليني) تُنادي بإعادة أمجاد روما التاريخية، والهيمنة على البحر المتوسط، وإقامة إمبراطورية إيطالية استعمارية واسعة. استولت على الحكم في إيطاليا في عام 1922م، واستمرت في الحكم حتى عام 1943م. |
ثانيًا: الاستعمار في الأقطار العربية في آسيا (المشرق العربي)
أدّى دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) إلى تعريض مصيرها ومصير البلاد العربية التي كانت تحت حكمها للمجهول في ظل الأطماع الاستعمارية الأوروبية. وأدّى خروج الدولة العثمانية مهزومة من هذه الحرب إلى وضع مستقبلها ومستقبل البلاد العربية الخاضعة لها على طاولة التنافس الاستعماري الأوروبي. ومن هنا، بدأت الدول الأوروبية بإبرام سلسلة من الاتفاقيات التي حدّدت مصائر البلاد العربية لقرن قادم، ومن أبرزها:
اتفاقية (سايكس - بيكو) 1916م
لجأت الدولتان الاستعماريتان بريطانيا وفرنسا إلى حسم تنافسهما الاستعماري على ما تبقى في يد الدولة العثمانية من البلاد العربية في العراق وبلاد الشام، عبر اتفاقية سرّية ابرمها ممثلان هما (مارك سايكس) عن بريطانيا و(جورج بيكو) عن فرنسا، في 16 أيار 1916م. وتضمّنت تقاسم الهلال الخصيب (بلاد الشام والعراق) إلى مناطق انتداب بريطانية وفرنسية ودولية، على النحو الآتي:
1 المنطقة الزرقاء: تشمل الساحل السوري من رأس الناقورة إلى خليج الإسكندرونة، مع بعض أجزاء من جنوب الأناضول، وتكون منطقة سيطرة فرنسية مباشرة. 2 المنطقة الحمراء: تشمل ولايتي بغداد والبصرة، وتكون تحت السيطرة البريطانية المباشرة. 3 المنطقة (أ): المثلث المكوّن من المنطقة الممتدة من حلب إلى دمشق فالموصل، وتكون منطقة نفوذ فرنسي غير مباشر. 4 المنطقة (ب): تتألف من شرقي الأردن وبادية الشام حتى التقائها بالخليج العربي جنوبًا وكركوك شمالًا، وتكون تحت النفوذ البريطاني غير المباشر. 5 المنطقة البنية: وتشمل فلسطين، وتكون تحت إشراف دولي. 6 يمكن أن تؤلّف المنطقتان (أ + ب) دولة عربية واحدة، أو اتحادًا من دول عربية.

وعد بلفور 2 تشرين الثاني 1917م
عمدت بريطانيا في أثناء الحرب العالمية الأولى، إلى إصدار تعهّد رسمي باسم الحكومة البريطانية بدعم مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في مخالفة صريحة لأبسط مبادئ القانون الدولي؛ لأنّ فلسطين كانت آنذاك جزءًا من الدولة العثمانية ولا تملك بريطانيا التصرّف بمصيرها. وجاء هذا الوعد مخالفًا لمبادئ حقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومخالفًا لتعهدات بريطانيا للشريف الحسين بن علي بدعم استقلال ووحدة البلاد العربية في آسيا.
وقد وقفت عدّة عوامل خلف إصدار بريطانيا هذا الوعد المشؤوم، رغبة منها في مكافأة اليهود في العالم، ويُمكن اختصارها بما يأتي:
- ممارسة مجموعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية الضغوط على الحكومة الأمريكية لدخول الحرب إلى جانب الحلفاء.
- كسب ولاء رجال الأعمال اليهود في روسيا البلشفية، بعد قرار الحكومة البلشفية الانسحاب من صفوف الحلفاء في الحرب العالمية الأولى.
- الدعم المالي الكبير الذي قدّمته المؤسسات المالية اليهودية للخزانة المالية البريطانية لدعم المجهود الحربي.
وقد صدر هذا التعهّد عبر رسالة موجّهة من وزير الخارجية البريطانية اللورد (جيمس آرثر بلفور) في الثاني من تشرين الثاني لعام 1917م إلى اللورد (روتشيلد) زعيم الطائفة اليهودية في بريطانيا. وبعد نحو شهر من صدور وعد بلفور اجتاحت القوات البريطانية فلسطين ودخلت بقيادة الجنرال أللنبي (Allenby) مدينة القدس معلنة بدء الاحتلال البريطاني لفلسطين. وأصبحت فلسطين تحت الحكم العسكري البريطاني، ثمّ فُرض عليها الانتداب البريطاني. وقد اتّبعت سلطة الانتداب السياسات الكفيلة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
مؤتمر سان ريمو 1920م
انعقد المؤتمر السوري العام في دمشق في شهر آذار من عام 1920م، وقد كان بمثابة برلمان يُمثّل عموم أنحاء مناطق بلاد الشام. وقد أُعلن فيه استقلال بلاد الشام في دولة واحدة تحت اسم المملكة العربية السورية، كما نودي بفيصل بن الحسين ملكًا عليها. وعلى إثر هذا المؤتمر جاءت اتفاقية سان ريمو. فقد عقد المجلس الأعلى للحلفاء مؤتمرًا في مدينة سان ريمو الإيطالية في التاسع عشر من نيسان من عام 1920م، جرى فيه مناقشة شروط الصلح مع تركيا، بالإضافة إلى وضع ترتيبات الانتداب في المناطق العربية، ورسم مستقبل المنطقة العربية على أساس التجزئة والانتداب. وقد انتهى المؤتمر في الخامس والعشرين من نيسان من العام نفسه. واتّخذ القرارات الآتية:
- تقسيم بلاد الشام (سورية الكبرى) إلى الأقسام الآتية: سورية، ولبنان، وشرقي الأردن، وفلسطين.
- وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والأردن والعراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، مع الالتزام بتنفيذ وعد بلفور.
- الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على تنازل الأخيرة عن منطقة الموصل مقابل حصة تساوي (25%) من نفط الموصل الذي تستخرجه (شركة نفط العراق) البريطانية، مع منح فرنسا الشركة تسهيلاتٍ لنقل النفط.
ظلّت البلاد العربية تُعاني من السيطرة الاستعمارية بأشكالها المتنوّعة طوال النصف الأوّل من القرن العشرين على وجه التقريب، إلى أن بدأت تنال استقلالها بصورة تدريجية بعد الحرب العالمية الثانية. واستُثني العراق ومصر من ذلك، حيث حصل العراق على استقلاله في عام 1932م، وأصبح عضوًا في عصبة الأمم، في حين حصلت مصر على استقلالها بموجب المعاهدة (المصرية - البريطانية) في عام 1936م ونالت عضوية عصبة الأمم في العام التالي.
1. السياسة الاستعمارية الفرنسية في سورية ولبنان
قامت السياسة الاستعمارية الفرنسية في سورية ولبنان على الأسس الآتية:
» تمزيق وحدة البلاد السياسية وإقامة كيانات سياسية على أسس طائفية، مثل دولة دمشق، ودولة حلب، وحكومة جبل العرب (جبل الدروز)، وحكومة بلاد العلويين، وحكومة جبل لبنان. كما أقدمت على فصل لواء دير الزور الذي ضُمّ في ما بعد إلى حلب، ولواء الإسكندرون وضمّه إلى تركيا في عام 1939م. » محاربة الثقافة العربية ومحاولة فرض اللغة الفرنسية على البلاد. » ربط الاقتصاد السوري بالفرنك الفرنسي. » غرس بذور الخلاف الطائفي والمذهبي في المجتمعين السوري واللبناني. » قمع حركات التحرّر الوطني في سورية ولبنان.
2. السياسة الاستعمارية البريطانية في بلاد الشام والعراق
قامت السياسة الاستعمارية البريطانية في العراق والأردن على الأسس الآتية:
» الإسهام في تأسيس حكم عربي في البلدين. » بناء قواعد عسكرية في البلدين (ماركا والعقبة في الأردن، والحبّانية غرب بغداد، والشعيبة في البصرة في العراق). » قمع حركات التحرّر الوطني في البلدين. » السيطرة على النفط العراقي. » الهيمنة على الأوضاع الداخلية الإدارية والمالية والعسكرية في البلدين. » الإشراف على السياسة الخارجية في البلدين.
3. السياسة الاستعمارية البريطانية في فلسطين
ارتكزت السياسة الاستعمارية البريطانية في فلسطين على الأسس الآتية:
» فتح أبواب البلاد للمهاجرين اليهود بلا قيود. » تسهيل امتلاك اليهود لأراضي الدولة، التي أصبحت تحت سيطرة سلطة الانتداب البريطاني. » حماية المستعمرات اليهودية في فلسطين. » تدريب المستوطنين اليهود على الأساليب العسكرية الحديثة وتسليحهم، وإنشاء فيلق يهودي شارك إلى جانب الجيش البريطاني في الحربين العالميتين الأولى والثانية. » قمع المقاومة الفلسطينية المتمثلة في الاحتجاجات والثورات ضد سياسات الانتداب والتهويد. » تسليم السلطة الفعلية لليهود والصهاينة، عن طريق سلطة الانتداب وما سُمّي حكومة فلسطين.
التقويم الذاتي
بعد الانتهاء من دراسة الوحدة، أُقيّم نفسي ذاتيًا وفق الجدول الآتي، بوضع إشارة (✓) في المكان الذي يناسب درجة أدائي:
| الرقم | معيار الأداء | ممتاز | جيّد | ضعيف |
|---|---|---|---|---|
| 1 | أبحث في دوافع الحركة الاستعمارية الأوروبية في البلاد العربية. | |||
| 2 | أُبيّن أهداف الاستشراق في البلاد العربية والاسلامية. | |||
| 3 | أستنتج أبرز آثار الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام ونتائجها المختلفة. | |||
| 4 | أُوضّح أبرز ملامح السياسة الاستعمارية الفرنسية في المغرب العربي. | |||
| 5 | أُبيّن صلة وعد بلفور بالمخطّطات الاستعمارية الأوروبية في البلاد العربية. |