شرح الموضوع
تَشَكَّلُ هِجْرَةُ العُقولِ العَرَبِيَّةِ إِلى خارِجِ أَوْطانِها خَطَراً شَديداً عَلى الأَوْطانِ.
نَزيفُ الأَدْمِغَةِ
(المُؤلِّفون)
بَيْنَ يَدَيِ النَّصِّ:
تَشَكَّلُ هِجْرَةُ العُقولِ العَرَبِيَّةِ إِلى خارِجِ أَوْطانِها خَطَراً شَديداً عَلى الأَوْطانِ. وَتَكْتَسِبُ هَذِهِ الظّاهِرَةُ أَهَمِّيَّةً مُتَزايِدَةً فِي ظِلِّ تَزايُدِ أَعْدادِ المُهاجِرينَ، خاصَّةً مِنَ الكَوادِرِ العِلْمِيَّةِ المُتَخَصِّصَةِ؛ لِما لَها مِنْ آثارٍ سَلْبِيَّةٍ، تَتَمَثَّلُ فِي حِرْمانِ هَذِهِ الدُّوَلِ مِنْ خُبُراتِ هَذِهِ الكَفاءاتِ وَمُؤَهِّلاتِها؛ لِتُؤَثِّرَ سَلْباً عَلى تَطَوُّرِ الِاقْتِصادِ القَوْمِيِّ، وَعَلى التَّرْكيبِ الهَيْكَلِيِّ لِلسُّكّانِ وَالقُوى البَشَرِيَّةِ. وَفِي هَذا النَّصِّ بَيانٌ لِمَفْهومِ هِجْرَةِ العُقولِ، أَوْ نَزيفِ الأَدْمِغَةِ، وَالأَسْبابِ وَالدَّوافِعِ الَّتي تَقِفُ وَراءَها، وَجُمْلَةٍ مِنَ المُقْتَرَحاتِ لِلْحَدِّ مِنْها.
كَثيرَةٌ هِيَ الظَّواهِرُ الَّتي باتَتْ تُؤَرِّقُ أُمَّتَنا الَّتي تَكالَبَتْ عَلَيْها الأُمَمُ، وَنَهَشَتْ جَسَدَها لِئامُ الدُّوَلِ، فَلَمْ يَعُدِ الدَّمُ وَحْدَهُ هُوَ النّازِفُ مِنْ أَوْرِدَةِ هَذا الوَطَنِ، بَلْ إِنَّنا أَمامَ نَزيفٍ أَعْمَقَ، وَأَخْطَرَ، وَأَشَدَّ إِيلاماً؛ إِنَّهُ نَزيفُ الأَدْمِغَةِ، أَوْ هِجْرَةُ الأَدْمِغَةِ، وَمَكْمَنُ الخُطورَةِ فِي هَذا النَّزيفِ القاتِلِ أَنَّهُ يَجْري بِصَمْتٍ دونَ ضَجيجٍ كَالَّذي يُثيرُهُ نَزيفُ الدِّماءِ، مَعَ أَنَّ آثارَهُ أَشَدُّ وَطْأَةً عَلى مُسْتَقْبَلِ الوَطَنِ العَرَبِيِّ، وَلِعِدَّةِ أَجْيالٍ، فَما المَقْصودُ بِهَذِهِ الظّاهِرَةِ؟ وَما انْعِكاساتُها السَّلْبِيَّةُ عَلى أَقْطارِنا العَرَبِيَّةِ؟ وَكَيْفَ السَّبيلُ إِلى إيقافِ هَذا النَّزيفِ، أَوِ الحَدِّ مِنْهُ؟
- لَقَدْ أُطْلِقَ مُصْطَلَحُ هِجْرَةِ الأَدْمِغَةِ عَلى هِجْرَةِ العُلَماءِ وَالمُتَخَصِّصينَ فِي مُخْتَلِفِ فُروعِ العِلْمِ مِنْ بِلادِهِمُ الأَصْلِيَّةِ إِلى بُلْدانٍ أُخْرى؛ التِماساً لأَحْوالٍ مَعيشِيَّةٍ أَوْ فِكْرِيَّةٍ أَفْضَلَ، أَوِ اسْتِكْمالاً لِدِراساتِهِمُ العُلْيا.
- وَقَدْ بَدَأَتْ ظاهِرَةُ هِجْرَةِ العُقولِ العَرَبِيَّةِ بِشَكْلٍ مُحَدَّدٍ مُنْذُ القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ المِيلاِدِيِّ، وَخاصَّةً مِنْ سورِيَّةَ، وَلُبْنانَ، وَفِلَسْطِينَ، وَمِصْرَ، وَالجَزائِرِ، وَتَفاقَمَتْ بَعْدَ انْتِهاءِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ، حَيْثُ اضْطُرَّ كَثيرٌ مِنَ العُلَماءِ العَرَبِ، وَبَعْضُ الكَفاءاتِ إِلى الهِجْرَةِ، وَظَلَّتْ هَذِهِ الظّاهِرَةُ آخِذَةً فِي الازْدِيادِ المُخيفِ، فَما كانَ مِنَ الدُّوَلِ الغَرْبِيَّةِ إِلا أَنْ تَحْتَضِنَ هَذِهِ العُقولَ؛ لِتَسْتَنْزِفَ طاقاتِها وَقُدُراتِها، بِما يَخْدُمُ مَصالِحَ تِلْكَ الدُّوَلِ.
وَلَعَلَّ الحَقيقَةَ المُؤْلِمَةَ حَقّاً تِلْكَ النَّتائِجُ الصّادِمَةُ الَّتي تُداهِمُكَ إِذا حاوَلْتَ البَحْثَ عَمّا آلَتْ إِلَيْهِ أَحْوالُ هَؤُلاءِ العُلَماءِ، حَيْثُ تُصيبُكَ الأَرْقامُ بِالدَّهْشَةِ وَالذُّهولِ، كَيْفَ لا، وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ المُهَنْدِسينَ وَالأَطِبّاءِ، وَعُلَماءِ الذَّرَّةِ وَالفَضاءِ! فَقَدْ أَظْهَرَتِ الدِّراساتُ الَّتي قامَتْ بِها جامِعَةُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ، وَمُنَظَّمَةُ اليُونِسْكُو، وَالبَنْكُ الدَّوْلِيُّ عام (٢٠١٦م) أَنَّ (٥٠٪) مِنَ الأَطِبّاءِ، وَ(٢٣٪) مِنَ المُهَنْدِسينَ، وَ(١٥٪) مِنْ مَجْموعِ الكَفاءاتِ العَرَبِيَّةِ المُتَخَرِّجَةِ يُهاجِرونَ مُتَوَجِّهينَ إِلى أُوروبا، وَالوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ، وَكَنَدا.
تَكالَبَتْ: تَجاهَرَتْ بِالعَداوَةِ. وَطْأَةً: ضيقٌ، وَشِدَّةٌ. تَفاقَمَتْ: تَضَخَّمَتْ. تَسْتَنْزِفُ: تَسْتَهْلِكُ، وَتَسْتَنْفِدُ. تُداهِمُكَ: تُفاجِئُكَ. آلَتْ: تَحَوَّلَتْ.
وَكَشَفَتْ هَذِهِ الدِّراساتُ أَنَّ الأَطِبّاءَ العَرَبَ فِي بَريطانيا يُشَكِّلونَ (٣٤٪) مِنْ مَجْموعِ الأَطِبّاءِ فيها، وَأَنَّ (٥٤٪) مِنَ الطَّلَبَةِ العَرَبِ الَّذينَ يَدْرُسونَ فِي هَذِهِ الدُّوَلِ لا يَعُودونَ إِلى بُلْدانِهِمْ. فَكَيْفَ لا يَسْكُنُ الأَرَقُ أَزِقَّةَ أَرْواحِنا إِذا تَخَيَّلْنا بِلادَنا خالِيَةً مِنْ أَدْمِغَةِ هَؤُلاءِ، كَخُلُوِّ الصَّحْراءِ الجَدْباءِ مِنَ الكَلأِ وَالماءِ؟ وَكَيْفَ لأُمَّتِنا أَنْ تَنْهَضَ ما دامَتْ أَدْمِغَةُ شَبابِنا مُسْتَنْزَفَةً لِصالحِ الغَرْبِ.
وَإِذا ما أَرَدْنا أَنْ نُلَخِّصَ الدَّوافِعَ الأَساسِيَّةَ لِهِجْرَةِ العُقولِ العَرَبِيَّةِ، فَسَنَجِدُ أَنَّ الغَرْبَ راقَ لَهُ عَجْزُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَالنّامِيَةِ عَنِ اسْتيعابِ أَصْحابِ الكَفاءاتِ الَّذينَ يَجِدونَ أَنْفُسَهُمْ عاطِلينَ عَنِ العَمَلِ، فِي ظِلِّ الحُروبِ، وَتَرَدِّي الأَوْضاعِ السِّياسِيَّةِ وَالاقْتِصادِيَّةِ وَالتَّنْمَوِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ الَّتي فَرَضَتْها عَلَيْهِمْ، فَأَخَذَتْ تُقَدِّمُ لَهُمُ التَّسْهيلاتِ، وَعُروضَ العَمَلِ المُغْرِيَةِ، وَتُحَفِّزُهُمْ عَلى الاسْتِقْرارِ فِي أراضيها؛ فَكانَ العامِلُ السِّياسِيُّ أَهَمَّ طارِدٍ لِلْعُقولِ العَرَبِيَّةِ، فَما لا شَكَّ فيهِ أَنَّ دُوَلَ الغَرْبِ حَريصَةٌ كُلَّ الحِرْصِ عَلى أَلّا يَشْعُرَ ذَوُو الكَفاءاتِ بِالأَمانِ وَالاطْمِئْنانِ؛ لِكَيْ يُقَرِّروا الخُروجَ مِنْ أَوْطانِهِمْ، مُنْتَقِلينَ إِلى بِلادٍ تَحْتَضِنُهُمْ، وَتَرْعاهُمْ، وَتُيَسِّرُ لَهُمْ سُبُلَ الحَياةِ الهادِئَةِ وَالآمِنَةِ.
أَمّا النّاحِيَةُ الِاقْتِصادِيَّةُ، فَيَتَجَسَّدُ خَطَرُها فِي عَدَمِ اسْتِفادَةِ دُوَلِنا العَرَبِيَّةِ مِنْ مَهاراتِ هَذِهِ الأَدْمِغَةِ الفِكْرِيَّةِ، حَيْثُ تَتَسَبَّبُ هِجْرَةُ الكَفاءاتِ فِي ضَياعِ جُهودِها الإِنْتاجِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ، وَتَقْديمِ فائِدَتِها إِلى الغَرْبِ، فِي الوَقْتِ الَّذي تَحْتاجُ فيهِ التَّنْمِيَةُ العَرَبِيَّةُ إِلى مِثْلِ هَذِهِ العُقولِ القادِرَةِ عَلى الإِنْتاجِ الفِكْرِيِّ وَالعِلْمِيِّ، وَعَلى الاكتِشافِ وَالابتِكارِ داخِلَ العالَمِ العَرَبِيِّ، وَلَعَلَّنا نَجِدُ فِي ذَلِكَ تَفْسِيراً واضِحاً لِتَفَشِّي الفَقْرِ، وَتَدَنِّي الدَّخْلِ فِي بِلادِنا.
وَمِنَ المُؤْسِفِ حَقّاً أَنْ نَجِدَ أَنْفُسَنا -نَحْنُ العَرَبَ- مُقَصِّرينَ فِي حَقِّ هَذِهِ الأَدْمِغَةِ مِنْ نَواحٍ عِدَّةٍ، أَهَمُّها: مَحْدودِيَّةُ ميزانِيّاتِ البَحْثِ العِلْمِيِّ مُقارَنَةً مَعَ
تَرَدِّي: تَراجُع.
الدُّوَلِ الغَرْبِيَّةِ الَّتي تُنْفِقُ المَلايينَ عَلى هَذِهِ الأَبْحاثِ، كَما أَنَّنا لَمْ نُقَدِّمْ خُطَطاً تَمْنَحُ طالِبِي الهِجْرَةِ ضَماناتِ الحُصولِ عَلى مُسْتَلْزَماتِهِمُ الطَّبيعِيَّةِ، كَالمَأْكَلِ، وَالمَشْرَبِ، وَالمَسْكَنِ، وَالأَمْنِ الشَّخْصِيِّ فِي وَطَنِهِمُ الأُمِّ، وَمِنَ المُؤْسِفِ أَلا نُمَيِّزَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ التَّخَصُّصاتِ الَّتي كافَحَ أَصْحابُها مِنْ أَجْلِها، فَتَجِدُ أَحَدَهُمْ مُتَخَصِّصاً فِي الكيمياءِ، وَآخَرَ فِي الميكروبيولوجي، وَفِي النِّهايَةِ، يُنْظَرُ إِلَيْهِما عَلى أَنَّهُما مُتَخَصِّصانِ فِي الكيمياءِ؛ ما يُبْقي نَتائِجَ أَبْحاثِهِما تَشْكو الغُرْبَةَ عَلى رُفوفِ أَكاديمِيّاتِنا، وَلا بُدَّ أَنْ نَعْتَرِفَ بِأَنَّنا لا نَضَعُ هَذِهِ العُقولَ فِي مَكانِها الوَظيفِيِّ المُناسِبِ لِمُؤَهِّلاتِها، فَكَثيراً ما نَجِدُ حَمَلَةَ شَهاداتِ الدُّكْتوراهِ فِي مَكانَةٍ أَقَلَّ مِنْ حَمَلَةِ البكالوريوس.
وَيَظَلُّ السُّؤالُ شاخِصاً بِقُوَّةٍ: كَيْفَ لَنا أَنْ نوقِفَ هَذا النَّزيفَ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ الاسْتِفادَةُ مِنَ هَذا الرَّصيدِ الهائِلِ مِنَ العُقولِ المُهاجِرَةِ؟ أَما آنَ لِجُهودِنا أَنْ تَتَضافَرَ وَتَتَوَحَّدَ؛ لِنُكْرِمَ هَذِهِ العُقولَ الَّتي كَرَّمَ اللهُ بِها عُروبَتَنا، وَنَمْنَحَها ما يَليقُ بِها مِنْ حَوافِزَ مالِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ؟ أَلا تَسْتَحِقُّ أَوْطانُنا أَنْ نَعْمَلَ؛ لِنَعيشَ فيها، وَلأَجْلِها؟
الميكروبيولوجي: هُوَ العِلْمُ الَّذي يَخْتَصُّ فِي دِراسةِ الأَحْياءِ الدَّقيقَةِ.
الفَهْمُ وَالاسْتِيعابُ:
- ما المَقْصودُ بِهِجْرَةِ الأَدْمِغَةِ؟
- مَتى ازْدادَتْ ظاهِرَةُ هِجْرَةِ الأَدْمِغَةِ؟
- ما أَكْثَرُ التَّخَصُّصاتِ الَّتي يَضْطَرُّ أَصْحابُها لِلْهِجْرَةِ إِلى الدُّوَلِ الغَرْبِيَّةِ؟
- نُوَضِّحُ العَوامِلَ الدّاخِلِيَّةَ الَّتي أَسْهَمَتْ فِي هِجْرَةِ العُقولِ العَرَبِيَّةِ.
- نُوَضِّحُ: نَزيفُ الأَدْمِغَةِ لا يَقِلُّ خَطَراً عَنْ نَزيفِ الدِّماءِ.
المُناقَشَةُ وَالتَّحْليلُ:
- نُوَضِّحُ الخَطَرَ الَّذي تَتْرُكُهُ هِجْرَةُ العُقولِ العَرَبِيَّةِ عَلى اقْتِصادِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ.
- كانَ الدّافِعُ السِّياسِيُّ أَحَدَ أَهَمِّ العَوامِلِ الَّتي أَدَّتْ إِلى هِجْرَةِ العُقولِ العَرَبِيَّةِ، نُوَضِّحُ ذَلِكَ.
- ما الحِيَلُ الَّتي تَلْجَأُ إِلَيْها الدُّوَلُ الغَرْبِيَّةُ لاسْتِقْطابِ الأَدْمِغَةِ العَرَبِيَّةِ؟
- نَقْتَرِحُ حُلولاً أُخْرى لِلْحَدِّ مِنْ ظاهِرَةِ نَزيفِ الأَدْمِغَةِ.
- نُوَضِّحُ جَمالَ التَّصْويرِ فيما يَأْتِي:
- أ. نَهَشَتْ جَسَدَها لِئامُ الدُّوَلِ.
- ب. إِذا تَخَيَّلْنا بِلادَنا خالِيَةً مِنْ أَدْمِغَةِ هَؤُلاءِ، كَخُلُوِّ الصَّحْراءِ الجَدْباءِ مِنَ الكَلأِ وَالماءِ.
- ج. ما يُبْقي نَتائِجَ أَبْحاثِهِمْ تَشْكو الغُرْبَةَ عَلى رُفوفِ أَكاديمِيّاتِنا.
- د. كَيْفَ لا يَسْكُنُ الأَرَقُ أَزِقَّةَ أَرْواحِنا؟
اللُّغَةُ وَالأُسْلوبُ:
- نَسْتَخْرِجُ مِنَ النَّصِّ مُرادِفَ ما يَأْتِي:
تَمْنَعُهُ مِنَ النَّوْمِ، انْتِشار، تَتَعاوَن.
- نَسْتَخْرِجُ مِنَ الدَّرْسِ مِثالاً واحِداً عَلى كُلٍّ مِمّا يَأْتِي:
اسْمَ فاعِلٍ، اسْمَ تَفْضيلٍ، مَصْدَر صريح.
- نُرَتِّبُ المُفْرَداتِ الآتِيَةَ بَعْدَ تَجْريدِها إِلى أُصولِها حَسَبَ وُرودِها فِي المُعْجَمِ الوَسِيطِ:
نَزيف، وَطْأَة، ضَجيج، أَقْطار، التِماساً.