شرح الموضوع
في قصة موسى -عليه السلام- مع الخضر كثير من الحكم والعبر، والمواقف العظيمة.
الدرس السادس: قصة موسى -عليه السلام- مع العبد الصالح (الخضر)
الدرس السادس: قصة موسى -عليه السلام- مع العبد الصالح (الخضر). (سورة الكهف 60-82) (تفسير) أهداف: يتوقّع من الطلبة في نهاية الدرس أن يكونوا قادرين على: -1 تلاوة الآيات الكريمة تلاوة سليمة. -2 بيان ما فيها من معان. -3 استنتاج بعض العبر المستفادة. -4 استشعار حكمة الله -سبحانه- في قضائه وقدره. -5 تقدير فضل العلم والاجتهاد في التعلم. -6 الحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
سورة الكهف (٦٠-٨٢)
قال تعالى:
﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا (٦٢) قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا (٦٣) قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا (٦٤) فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا (٦٥) قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا (٦٧) وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا (٦٩) قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا (٧٠) فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا (٧١) قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا (٧٣) فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا (٧٤) ۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا (٧٥) قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا (٧٦) فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا (٧٧) قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا (٧٨) أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا (٧٩) وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا (٨٠) فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا (٨١) وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا (٨٢) ﴾
معاني المفردات والتراكيب:
- لَآ أَبْرَحُ: لا أزال.
- حُقُبًا: زمناً طويلاً.
- سَرَبًا: مسلكاً.
- نَصَبًا: تعباً ومشقة.
- يَنقَضَّ: يسقط.
بين يدي الآيات
في قصة موسى -عليه السلام- مع الخضر كثير من الحكم والعبر، والمواقف العظيمة، وتدور قصة موسى -عليه السلام- مع الخضر حول ثلاثة محاور:
الأول: سعي موسى -عليه السلام- للقاء الخضر
من قوله -تعالى:- ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا (٦٠)﴾، وحتى قوله -تعالى:- ﴿ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا (٦٤)﴾.
عندما قام موسى -عليه السلام- خطيباً في بني إسرائيل وسُئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعاتب الله -سبحانه وتعالى- عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله -تعالى- إليه: أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك..." (رواه البخاري)، وعندها طلب موسى -عليه السلام- لقاءه، فأعلمه الله -سبحانه وتعالى- بالمكان الذي سيلتقيه فيه، وأمره أن يحمل معه حوتاً في مِكْتَل (وعاء يضع المسافر فيه زاده)؛ ليكون فقدانه علامة على المكان الذي سيلتقيه فيه بالعبد الصالح، فانطلق موسى -عليه السلام- ومعه فتاه يوشع بن نون، وحملا الحوت، حتى وصلا إلى الصخرة، فنام موسى -عليه السلام،- فانسل الحوت من المكتل، واتخذ طريقه في البحر، ثم انطلقا، ونسي الفتى أن يخبر موسى -عليه السلام- بأمر الحوت، فلما كان الغد قال موسى-عليه السلام- لفتاه: آتنا غداءنا، وهنا تذكر الفتى ما كان من أمر الحوت ونسيانه، فقال موسى -عليه السلام:- ذلك ما كنا نبغ، فرجعا إلى حيث كانا.
نبحث: بالرجوع إلى مصادر المعرفة نكتب ثلاثة معان لكلمة سَرَب.
الثاني: لقاء موسى -عليه السلام- مع الخضر
من قوله -تعالى:- ﴿ فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا (٦٥) ﴾، وحتى قوله -تعالى:- ﴿ قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا (٧٠) ﴾.
رجع موسى وفتاه يقصان أثر الحوت، فلما انتهيا إلى الصخرة، وجدا العبد الصالح رضي الله عنه ، فسلّم موسى عليه، وطلب مرافقته ليتعلم منه، فأعلم الخضر موسى -عليه السلام- أنه لن يكون له طاقة، أو صبر على مرافقته؛ وذلك لعلم الخضر أن ما سيجري من أحداث سيفاجئه فلا يصبر، وأخبره بقوله: "يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه، لا أعلمه أنت، وأنت على علم علمنيه الله، لا أعلمه" فوعد موسى -عليه السلام- الخضر بأن يكون صابراً على رفقته، ولا يعصي أمره، فوافق الخضر على طلب موسى -عليه السلام- مشترطاً عليه، ألا يسأله عن شيء قبل إعلامه سبب القيام به.
الثالث: رحلة موسى -عليه السلام- مع الخضر وما رافقها من عجائب
من قوله -تعالى:- ﴿ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا (٧١) ﴾، وحتى قوله -تعالى:- ﴿ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا (٨٢) ﴾.
انطلق موسى -عليه السلام- مع الخضر طالبين للعلم، فمرت بهم سفينة عرف أصحابها الخضر، فأركبوهم بغير أجرة، فعمد الخضر إلى قلع لوح من ألواحها، فاعترض موسى -عليه السلام،- فذكره الخضر بنصيحته منذ البداية، قائلاً: ﴿قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا (٧٢)﴾، فاعتذر موسى -عليه السلام- بالنسيان.
ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فقتله، فاستنكر موسى -عليه السلام- فعله، فذكره الخضر بالنصيحة مرة أخرى، فقال موسى -عليه السلام:- إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، وستكون معذوراً فيما فعلت، فانطلقا حتى أتيا أهل قرية طلبا الطعام منهم، فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جداراً يكاد أن يسقط، فقام الخضر فأصلحه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا، لو شئت لاتخذت على بناء الجدار أجراً، فقال الخضر هذا فراق بيني وبينك، ثم أخذ يعلل له ما شاهده من أحداث لم يستطع الصبر عليها:
- خرق السفينة؛ لإحداث عيب يحميها من سطو ملك ظالم اعتاد التربص للسفن الصالحة، والاستيلاء عليها.
- قتل الغلام؛ لما سيكون من طغيانه وكفره، ورأفة بوالديه المؤمنين؛ حتى لا يتبعاه فيضلا، ولكي يبدلهما الله خيراً منه.
- بناء الجدار؛ لحفظ مال مكنوز تحته لغلامين يتيمين كان أبوهما صالحاً، ولو ترك الجدار على حاله لتساقطت أحجاره، وانكشف ما تحته من كنز.
العبر المستفادة من القصة
تظهر في قصة موسى -عليه السلام- مع الخضر كثير من الحكم والعبر، منها:
في مجال العلم والتعلم
أولاً- فضل السعي والرحلة في طلب العلم، كما فعل موسى، -عليه السلام،- بسعيه وارتحاله للقاء الخضر.
ثانياً- الصبر وتحمل المشاق، وهذا ما نبه إليه الخضر موسى، -عليه السلام،- في قوله -تعالى:- ﴿ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ﴾.
ثالثاً- التواضع في طلب العلم، فموسى -عليه السلام- لم تمنعه نبوته، ومقامه من مرافقة الخضر وطلب العلم منه، بأدب ولطف قال -تعالى:- ﴿ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا (٦٦) ﴾.
في مجال العقيدة
أولاً- التسليم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله -تعالى،- فخرق السفينة وقتل الغلام، مثلاً، لا يخضعان لحكم العقل، إنما هما أمر من الله -تعالى- للخضر؛ لقوله -تعالى:- ﴿ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ﴾.
ثانياً- التوكل على الله -تعالى- يقتضي الأخذ بالأسباب، فموسى -عليه السلام- حمل معه الطعام في سفره للقاء الخضر.
في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
التمسك بالحق، والدفاع عنه، ويظهر هذا، في اعتراض موسى، -عليه السلام،- على خرق السفينة، وقتل الغلام، رغم معرفته المسبقة أن الخضر عبد صالح قد زكاه الله -تعالى.-