تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تابعنا على تيليجرامانضم

سعة رحمة الله جل وعلا (شرح)

الحديث النبوي الشريف (شرح) · الحديث الشريف وعلومه

آخر تحديث:

محتويات الموضوع (١١)

شرح الموضوع

سَعَة رحمة الله جل وعلا (شرح)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال : «قالَ رجلٌ لمْ يعملْ حسنةً قطُّ لأهله : إذا ماتَ فحرّقوهُ، ثمَّ اذْروا نصفَهُ في البَرّ، ونصفَهُ في البحر، فواللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عليهِ ليعذّبنَّه عذاباً لا يعذّبُهُ أحداً من العالمين، فلما ماتَ الرجلُ فعلوا ما أمرَهُمْ، فأمرَ اللهُ البَرَّ فجمعَ ما فيه، وأمرَ البَحْرَ فجمعَ ما فيه، ثمَّ قال : لم فعلتَ هذا؟ قال : مِنْ خشيتك يا ربّ، وأنتَ أعلمُ، فغفرَ اللهُ لهُ»(١).

شرح الحديث:

هذا الحديث النبوي الشريف يتحدث عن حالة إنسانية غريبة لشخص قضى حياته بعيداً عن الله تعالى، لم يعمل حسنةً واحدةً قط، لكنّ ضميره استيقظ في آخر العمر، واستحكم الخوف على قلبه، فخطر له أمرٌ غريب، حيث طلب من أهله أن يحرقوا جسده، وينثروا رماده؛ لتفرقه الريح ظاناً أنّ هذا الأمر يمكن أن ينجيه من عذاب الله تعالى، لنجد في نهاية المطاف أنّ سَعَة رحمة الله تعالى التي لم تخطر على قلب بشر، وخشيته الكبيرة من الله تعالى كانتا سبباً في نجاته ومغفرة ذنوبه .

قوله ﷺ: «قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله»:

الحديث يتكلم عن رجلٍ عاش في ظلمات البُعد عن الله، لا يعرف الطاعة، ولا يفعل المعروف، ولا ينشر الخير، وهذا يعني بالضرورة أنّه كان منغمساً في المعاصي؛ صغائرها وكبائرها، مسرفاً على نفسه، مقصّراً في جنب الله تعالى، قد خلت حياته من كل نور، ومن كل فضيلة .

ومن حقنا هنا أن نتعجب من المدى الذي يمكن أن ينحدر إليه الإنسان، لدرجة أنّه لم يسجل على صفحة حياته التي قد تمتد إلى عشرات السنين حسنة واحدة .

وها هو يشعر بدنوّ أجله وقرب نهايته، فيطلب من أهله تنفيذ وصيته، وهي من أغرب الوصايا التي قد تخطر على عقل إنسان .


(١) أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، ومسلم في صحيحه : كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه .

قوله ﷺ: «إذا مات فحرّقوه، ثمّ اذروا نصفه في البرّ، ونصفه في البحر»:

الكلام هنا بصيغة الغائب (إذا مات فحرّقوه) مع أن ظاهر السياق يقتضي أن يقول : إذا مِتُّ فحرقوني، وهذا لا يتعارض مع أساليب العربية، فكأنّ النبي ﷺ يحكي نيابةً عنه، على اعتبار أن هذه القصة قد حدثت في أزمان سابقة، وعند قوم من الأقوام التي اندثرت . وهذه الوصية غريبةٌ؛ لأنّ عادة الموصي أن يطلب من أهله أن يقوموا بالصدقة عنه مثلاً، أو يوصي بالعمل الصالح، أو عدم البكاء بعد موته، لكن أن يوصي بأن يُحرَق جثمانه، وأن ينثر رماده؛ نصفٌ في البر ونصفٌ في البحر، فهذه وصيةٌ غريبة . وكلمة (اذْروا) : بمعنى انثروا، ومنها المِذراة، وهي : الأداة التي يستخدمها الفلاح في نثر التبن بعد درسه، وهي تختلف عن كلمة (ذروا)؛ أي اتركوا .

قوله ﷺ: «فوالله، لئنْ قَدَرَ الله عليه، ليعذّبَنَّه عذاباً لا يُعذّبه أحداً من العالمين»:

وهذا قَسَمٌ من هذا الرجل بالله رب العالمين، يفسر فيه وصيته المستغربة، ويبرر كلامه السابق، فدافعُهُ هو الخوف من عذاب الله تعالى، فأراد أن يحوّل جسده إلى رماد تذروه الرياح، وظنّ أنّ هذا الأمر يستحيل معه اجتماع الذرات مرة أخرى . والكلام الصادر من الرجل كلام خطير (لئن قدَر الله عليه)؛ لأنّ فيه تشكيكاً في قدرة الله تعالى على البعث وإعادة أجساد الخلق بعد أن تفرقت في الأرض، وهذا يتعارض مع عقيدة المسلم الذي يؤمن بقدرة الله تعالى المطلقة التي لا تحدها حدود . وأجاب العلماء على هذه الإشكالية الواردة في النص بأنّ هذا الكلام الصادر من الرجل، إنّما جاء نتيجة جهله، وليس إنكاراً للبعث، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنّه إنّما فعل ذلك من خشية الله تعالى . قال ابن قتيبة : قد يغلط في بعض الصفات قومٌ من المسلمين فلا يكفرون بذلك .

تنفيذ الوصية:

وما إن مات هذا الرجل حتى نفَّذَ أهله الوصية، كما ورد في الحديث : «فلمّا مات الرجل فعلوا ما أمرهم»، ولا بد من التذكير هنا أنّ هذا الرجل كان من الأقوام السابقة للإسلام، ونحن لا نعرف الحكم الشرعي عندهم في تنفيذ الوصايا، أمّا عندنا - نحن المسلمين - فالحكم الشرعي هو وجوب تنفيذ وصية الميت إن كانت في أمر مباح أو في طاعة من الطاعات، أمّا إن كانت فيها مخالفة شرعية كهذه الوصية فلا يجوز إنفاذها .

قوله ﷺ: «فأمر الله البَرَّ فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه»:

هذا إخبار عمّا سيقع يوم القيامة، وكونه جاء بصيغة الفعل الماضي (فأمر)، فلا يعني أنّ الأمر قد تم سابقاً، وإنّما عبّر عنه بالماضي ليقول لنا : إنّ الأمر سيتحقق وسيقع بشكل يقيني كأنه حدث في الماضي وانتهى .

وفيه أيضاً بيان لقدرة الله تعالى، حيث جمع هذا الجسد بعد أن تفرق على شكل ذرّات، وبددته الريح في كل مكان، وذلك عندما يقول له سبحانه :

﴿كُن فَيَكُونُ﴾

[البقرة : ١١٧]

.

والخطاب هنا يتعلق بالجسد، وليس كما قال بعضهم : إنه خاطب روحه؛ لأنّ ذلك لا يناسب قوله (فجمع ما فيه)؛ أي البر والبحر، فالجمع والتفريق يكون للجسد لا للروح .

قوله ﷺ: «ثمّ قال: لم فعلتَ هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، وأنتَ أعلم»:

أي بعد أن بعثه الله تعالى، قال له : لم فعلتَ هذا؟ والله تعالى يعلم حقيقة جوابه، ويعلم الدافع وراء فعله، فهو بكل شيء عليم، ولا تخفى عليه خافية، وإنّما سأله ليستنطقه لا ليعلم الجواب منه، فالعلم بالجواب حاصل مسبقاً . فأجاب الرجل : إنّ دافعه هو الخشية من رب العالمين .

قوله ﷺ: «فغفر الله له»:

أي : لما رأى سبحانه الصدق عند هذا الرجل، ومقدار الخشية المتولدة في قلبه تجاوز عنه، كيف لا ونحن نعلم مقدار سَعَةِ رحمةِ اللهِ تعالى التي وسعت كل شيء، وأنّ الله تعالى لا يردّ مَنْ جاءه مقبلاً عليه، خائفاً من عذابه .

وهنا فائدة عظيمة، وهي أنّ باب التوبة مفتوح لا يغلق أمام أحد ما لم يغرغر، مهما عظمت الذنوب، ومهما كان التقصير فادحاً، قال تعالى :

﴿قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[الزمر : ٥٣]،

والأمور بخواتيمها، فإذا كان آخر عهد الإنسان هو التوبة والصدق، كان مقبولاً عند الله تعالى .

ما يستفاد من الحديث:

١ سَعَة رحمة الله تعالى . ٢ الخوف من الله والخشية من عذابه منجاةٌ للمسلم . ٣ قدرة الله تعالى عظيمة، لا تحدّها حدود . ٤ المسلم يلتزم بالأحكام الواردة في شرعنا، والتي قد تختلف عن شرعِ مَنْ قبلنا .

التقويم

١ أضعُ إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي : أ ( ) قصة الرجل الواردة في الحديث وقعت في زمن النبي ﷺ. ب ( ) المقصود بأنّ الرجل لم يعمل حسنة قط هو التقليل من حسناته لا النفي المطلق . جـ ( ) (اذْروا) الواردة في الحديث بمعنى اتركوا؛ أي اتركوا رماده حتى يتطاير في البر والبحر . د ( ) قام أهل الرجل بتنفيذ وصيته . ٢ أشرح قوله ﷺ على لسان الرجل : «لئن قدر الله عليه ليعذبَنَّه عذاباً لا يعذّبه أحداً من العالمين» . ٣ أعلل ما يأتي : أ الجمع في الحديث للجسد وليس للروح . ب غفر الله تعالى للرجل مع أنّه لم يعمل حسنةً قط . ٤ أذكر ثلاثاً مما يستفاد من الحديث .

تعريفات أساسية

المذراة

الأداة التي يستخدمها الفلاح في نثر التبن بعد درسه

معاينة موضوع «سعة رحمة الله جل وعلا (شرح)» من وحدة «الحديث النبوي الشريف (شرح)» في مادة الحديث الشريف وعلومه. أقسام الشرح: ١١، التعريفات: ١.

المصدر: وزارة التربية والتعليم العالي، سعة رحمة الله جل وعلا (شرح) (ص ٩١–٩٤)

موضوعات أخرى في الوحدة

تابع الدراسة