شرح الموضوع
الرفق بالحيوان (شرح)
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال : «دخلتِ امرأةٌ النارَ في هرّةٍ ربطتْها، فلا هيَ أطعمتْها ولا هيَ أَرْسَلَتْها تأكلُ منْ خَشاشِ الأرض، حتى ماتتْ هَزْلاً»(١).
شرح الحديث:
جاء ديننا العظيم رحمة للعالمين؛ الإنس والجنّ وسائر المخلوقات، وأخرج الله عزّ وجلّ به أمّةً رحيمةً رفيقةً، لا يُسمح فيها للإنسان أن يتعدّى على حق أخيه الإنسان، ولا على البهائم العجماء، وأسّس هذا الدين في أذهاننا أنّ أذيّة الحيوان محرّمة، فسبق بذلك العالم كله إلى الرّفق بالحيوان ورحمته والعناية به، ومن هنا جاء هذا الحديث الشريف في شأن الهرة .
قوله ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها»:
أي عُذِّبَت هذه المرأة في النار بسبب الهرّة، وظاهر الحديث يبيّن إسلامها . وفي رواية : دخلت امرأة النار (جَزاء هرة)؛ أي : بسبب هرة؛ لأنّ حَبْسَ الهرّة دون طعام أدّى إلى موتها؛ فسبّب العذاب للمرأة، وأنّ إصرارها على ذلك زاد في عذابها، ولا يُفهم من الحديث تخليدها في النار، إلّا أنّ ما قامت به من الإصرار على حبس الهرة يعتبر من الذنوب الكبيرة التي توجب النار، وأنّ حسابها ومناقشتها يوم القيامة تكون على هذا الفعل الشنيع . والهرة انثى الهرّ، وتجمع على هِرَرَة، وهي القطة .
أمّا قوله (ربَطَتْها) وفي رواية : (سَجَنَتْها)، فمعناه : أنّها أوثقتها وحبستها . وورد عند البخاري : عن ابن عمر: «أنّ النبي ﷺ صلّى صلاة الكسوف فقال : دَنَتْ مني النار حتى قلتُ : أيْ ربّ وأنا معهم؟ فإذا امرأةٌ - حَسِبتُ أنّه قال - تخدِشُها هرّة، قال ما شأن هذه؟ قالوا : حبستها حتى ماتت جوعاً»(٢)، فالهرة في هذا الحديث - كما رآها الرسول ﷺ عندما دنتْ منه النار - تقتصّ من المرأة التي عذّبتها في الدنيا بالحبس والجوع، فتخدشها وتَخْمُشُها؛ وذلك أثناء تعذيبها في النار .
- أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله، وأنها سبقت غضبه، رقم ٢١١٠، وفي كتاب السلام : باب ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، باب : تحريم قتل الهرة، من الكتاب نفسه .
- أخرجه البخاري : كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء .
قوله ﷺ: «فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض»:
أي أنّ المرأة لم تكتفِ بربط الهرّة وحبسها، وإنّما منعتها أيضاً من الطعام حتى ماتت، وهذا الفعل يدلّ على قسوة قلب واضحة يفترض أنّها لا تقع من مسلم امتزجت كلّ أفعاله بالرحمة والإحسان . فقوله ﷺ: «ولا هي أرسلتها تاكل من خَشاش الأرض» : أي : ولا أطلقت سراحها وحرّيتها لتأكل من خشاش الأرض، والخَشاش بفتح الخاء وكسرها، تعني : هوامّ الأرض؛ كالحيات والحشرات، وقيل : صغار الطير، ومفردها خَشاشة، سمّيت بذلك؛ لأنّها تندَسُّ في التراب، من خَشّ الشيء إذا دخل فيه . وفي رواية : (تَرَمَّمَ) بدل (تاكل)، بفتح التاء والميم، أو بضم التاء وكسر الميم، وورد أيضاً بلفظ (تُرَمْرِمُ)؛ أي تتناول النبات بشفتيها، والرِّمام : الحشيش .
قوله ﷺ: «حتى ماتت هزلاً»:
أي : ظلّت هذه الهرة تعاني حتى ماتت من الهُزال، وهو الضعف الناجم عن الحبس (عدم الأكل)، فقد عانت الهرة كثيراً قبل أن تلفظ انفاسها الأخيرة، وهذه قسوة ما بعدها قسوة بحقّ حيوان أليف يعتبر حارساً للإنسان، وصديقاً له، حيث قال الرسول ﷺ عن القطط : «إنّها من الطّوافين عليكم»(١)، وفي رواية (والطّوافات)، حيث شبّه الهرة بخدم البيت، الذين يطوفون على أهله لخدمتهم وحراستهم، وكذلك الدوران حول البيت وحراسته من الهوامّ؛ كالأفاعي والعقارب والفئران والحشرات، وغيرها مما قد يؤذي البيوت، فالهرة حارس أمين على البيت وأهله من حيث لا يدرون، ويحتمل أيضاً أنّه شبّهها بمَنْ يطوفون للسؤال وطلب العون من المحسنين، والمعنى : أنّ الأجر في مواساتها والإحسان إليها كالأجر في مواساة مَنْ يطوف للحاجة، ويسأل الناس الإحسان والمساعدة . والهرة ليست نجسة، وقد كان الرسول ﷺ يتوضأ بما فضل من الماء الذي تشرب منه؛ فالرسول ﷺ كان يصغي لها الإناء لتشرب ثم يتوضأ بما يفضل من الماء الذي شربت منه، مؤكداً أنّها ليست نجسة .
حكم إيذاء باقي الحيوانات الأليفة وحبسها:
من المعلوم أنّ إيذاء أيّ من الحيوانات المحترمة لا يجوز، والحيوانات المحترمة (الأليفة) : هي كلّ الحيوانات سوى الفواسق التي تؤذي الناس، والتي سميت فواسق؛ لتجاوزها الحدّ في الإيذاء؛ كالحيات والعقارب والفئران وغيرها، وتضمّ إليها الحيوانات التي تضرّ؛ كالخنزير، بل إنّ الإحسان للحيوانات المحترمة فيه أجر عظيم؛ لقوله ﷺ: «بينما رجلٌ بطريق فاشتدّ عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب
(١) أخرجه الترمذي : كتاب الوضوء، باب ما جاء في سؤر الهرة، وقال : حسن صحيح . ثمّ خرج، فإذا كلبٌ يلهثُ يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثلُ الذي بلغ منيّ، فنزل البئر فملأ خفَّ ماءٍ فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا : وإنّ لنا في البهائم لأجراً؟ فقال : «في كلّ ذات كبدٍ رَطْبةٍ أجْرٌ»(١)؛ أي أنّ في كلّ كبدٍ فيه رطوبة الحياة أجر عظيم، سواء في سقايته، أم إطعامه، أم الإحسان إليه .
يستفاد من الحديث:
١ جواز اقتناء الهرة وتربيتها إذا لم يُهمل إطعامها وسقيها . ٢ قتل الحيوان فيه إفساد في الأرض . ٣ الهرة ليست نجسة، والرسول ﷺ كان يتوضأ من فضل سؤرها . ٤ الهرة طاهرة ولكن لا يجوز أكل لحمها؛ لأنّها من السِّباع . ٥ يجوز بيع القط وشراؤه؛ لأنّه من الطاهرات . ٦ القط حارس أمين لصاحبه وبيته وأهله، فهو من الطوافين علينا . ٧ الحثّ على الإحسان للناس ورحمتهم من باب أولى، حيث جاء الحثّ على الإحسان للبهائم .
التقويم
١ أبيّن معاني المفردات والتراكيب الآتية : خشاش الأرض، الطّوافين . ٢ أوضح المقصود بما يأتي : أ قوله ﷺ: «حتى ماتت هزلاً» . ب قوله ﷺ: «دخلت امرأةٌ النّار في هِرّةٍ ربطتها» . ٣ أعلل ما يأتي : أ يغفر الله للمذنب الذي يرحم الحيوان . ب رؤية الرسول ﷺ للمرأة التي حبست الهرة في النار . ٤ أذكر خمسة دروس يرشد إليها الحديث الشريف .
(١) أخرجه البخاري : كتاب المظالم، باب الآبار على الطريق إذا لم يتأذّ بها .