شرح الموضوع
فضل مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَة
عن جرير بن عبد الله قال : جاءَ ناسٌ من الأعراب إلى رسول الله ﷺ، عليهمُ الصُّوفُ فرأى سوءَ حالهمْ قد أصابتهمْ حاجةٌ، فحثَّ الناسَ على الصدقةِ، فابطَؤوا عنهُ، حتى رُؤيَ ذلكَ في وجهِهِ . قال : ثمَّ إنَّ رجلاً منَ الأنصار جاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثمَّ جاءَ آخرُ، ثمَّ تتابعوا حتى عُرِفَ السرورُ في وجهِهِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ «مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسنةً، فَعُمِلَ بها بعدَهُ، كُتِبَ لهُ مثلُ أجرِ مَنْ عملَ بها، ولا ينقُصُ مِنْ أجورهمْ شيءٌ . ومَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيئةً، فَعُمِلَ بها بعدَهُ، كُتِبَ عليهِ مثلُ وزرِ مَنْ عملَ بها، ولا يُنْقَصُ مِنْ أوزارهمْ شيءٌ»(١).
راوي الحديث:
جرير بن عبد الله بن جابر، أبو عبد الله البجلي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بأربعين يوماً وكان حسن الصورة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : جرير يوسف هذه الأمة، كان سيد قومه، وكان له في الحروب بالعراق؛ كالقادسية وغيرها أثر عظيم، أقام جرير بالكوفة وسكنها، ثم انتقل إلى قَرْقِيسِياء، فمات بها سنة واحدة وخمسين للهجرة، وقيل : سنة أربع وخمسين .
أتعلّم:
قرقسياء : هي قرغيزيا اليوم، وهي إحدى الدول الإسلامية التي انشقت عن الاتحاد السوفيتي .
شرح الحديث:
اهتمام المسؤول بالرعية، والرسول ﷺ هو الأسوة والقدوة. حيث يُبيّن هذا الحديث النبوي الشريف مدى حرص الرسول ﷺ على رعيته، وتحمله لمسؤولياته تجاههم، واهتمامه بشؤونهم. فهو ﷺ ينظر إلى الناس بوجه عام وللمسلمين بوجه خاص نظرة الحنوّ والعطف والعطاء، وما كان ينتظر ﷺ حتى يسأله الشخص أو تسأله المجموعة وتطلب منه ما تحتاجه . بل كان يبادر إلى مد يد العون والعطاء لهم بمجرد معرفته بسوء حالهم أو حاجتهم. وهذا إن دل على
(١) أخرجه مسلم : كتاب العلم، باب من سنّ حسنة أو سيئة، ومَنْ دعا إلى هدى أو ضلالة، ح رقم (١٠١٧). شيء فإنّما يدل على مدى الإنسانية والرحمة عند هذا القائد الفذ والمسؤول المخلص، كما يدل ذلك دلالة واضحة على مدى اهتمامه ﷺ بأصحابه والناس جميعاً دون تفريق بين رجل وآخر، او فئة وأخرى؛ فهؤلاء أعراب قادمون من خارج المجتمع المدني الذي يعيش بين جنبيه هذا النبي العظيم، فلا ينهض من مكانه حتى يؤمن هؤلاء النفر بما يحتاجون إليه من مال وكساء وطعام .
وهكذا يجب أن يكون المسؤول والقائد والأمير والسلطان، لا يعرف العيش الهنيء ما لم يؤمن لشعبه ورعيته ما يحتاجون إليه، ولا يشبع حتى يشبعوا، ولا يرقأ له جنب ما دامت رعيته وما دام شعبه غير آمن ولا مطمئن، وما دام الجوع يعض بنابه مَنْ هم تحت يده وإمرته وسلطانه . فما أعظم أن يولي الإمام أو الخليفة أو السلطان الاهتمام والعطف والإخلاص لرعيته، وأن يسهر على مصالحهم، ويعمل بكل جهد مستطاع على تأمين حياة كريمة هانئة لهم!
التضامن الإسلامي العظيم:
في هذا الحديث بيان واضح في دعوة الإسلام للتضامن وللتعاون على البر والمعروف والخير، وتربية النفوس على البذل والعطاء والجود، وأنّ المال ما هو إلا وسيلة إلى غاية، فوقفة المسلم بجانب أخيه اعظم حبّاً إلى نفسه من الوَرِق والذهب، والمصلحة العامة مقدمة على مصلحة الفرد، والإيجابية والإيثار مقدم على الأنانية، لهذه المعاني السامية والقيم العظيمة ترى التوجيه النبوي في هذا النص الكريم، كل ذلك كي يُنشئ الإسلام أتباعه والمؤمنين به، ويربيهم على علو الهمة ومقاومة النفس في هلعها وشحها، من أجل أن يقف المسلم مع أخيه المسلم في السرّاء وفي الضرّاء، وأن يمده بما يلزمه من احتياجات؛ ما يدفع عنه غائلة الفقر والبؤس والحزن، وفي هذا تصفية للنفوس بعضها تجاه بعض، وتطهيرها من الحسد والضغينة والحقد والأنانية . كما وفي ذلك رصّ للصفوف وتقوية للُّحْمَةِ وتعاون على المستوى الرفيع في المجتمع المسلم المثالي في أخلاقه وسلوك أفراده ورفعة مبادئه وقيمه .
التأصيل الجليل في المنهجية والعمل الصالح:
قوله ﷺ: «مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء»، فيه إشارة إلى منهجية الإسلام في توجيه الناس نحو العمل الصالح، ونفع المجتمع، والمبادرة إلى الخيرات، والتفنن والإبداع في خدمة الناس، مما يعود على الفاعل بالخير العميم لدرجة أن ينتفع بالأجر والثواب كلما قلّد الناس هذا الفعل، ويستمر هذا الانتفاع إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجور الآخرين . وقال ﷺ: «مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء»، نرى في المقابل كيف يوجه الرسول الكريم ﷺ الناس إلى ضرورة البُعْد عن فعل السوء؛ كيلا يتأسى بهم غيرهم ويقتدوا، فيلحقهم في ذلك اثم عظيم، ويتحملون أوزار من اقتدى بهم من الناس دون أن ينقص من أوزارهم شيئاً، ويجرُّ عليهم في المستقبل ويلات ويفتح عليهم ابواباً كثيرة من الشر والسوء والإثم . وما أعظم هذا النص واجلّه في باب الوعيد والتهديد!، وبالتالي على النفس أن ترعوي وتنزجر عن فعل السوء والأمر القبيح، قال نبي الله ﷺ: «لا تُقتَل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ وذلك لأنه أول مَنْ سَنَّ القتل»(١).
ما يستفاد من الحديث:
يستفاد من الحديث الشريف أمور عدة، منها : ١ ضرورة اهتمام الخليفة أو الحاكم برعيته . ٢ دعوة الإسلام إلى التضامن والتعاون على البر والخير والتقوى . ٣ المجتمع المسلم مجتمع متحاب متراص . ٤ على المسلم أن يفعل الخير ويسنّه . ٥ على المسلم أن ينأى بنفسه عن الفعل السيّئ ولا يسنّه .
(١) أخرجه البخاري : كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» .
التقويم
١ أعرّف براوي الحديث الشريف . ٢ كان رسول الله ﷺ أسوة في التكافل لكل الأمراء والحكام . أوضح ذلك . ٣ أبين دعوة الإسلام إلى التضامن المجتمعي . ٤ أعلل ما يأتي : أ التأصيل في المنهجية والعمل الصالح . ب النهي عن التأصيل في الفعل السيّئ . ٥ أذكر أربعة أمور تستفاد من الحديث الشريف .