شرح الموضوع
النذر (شرح)
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لا يأتي ابنَ آدمَ النذرُ بشيءٍ لم يكنْ قُدِّرَ له، ولكنْ يُلقيه النذرُ إلى القَدَرِ قد قُدِّرَ له، فيستخرجُ اللهُ به من البخيلِ فيؤتي عليه ما لم يكنْ يُؤتي عليه من قبل»(١).
الشرح:
في الحديثِ الشريفِ توجيهٌ نبويٌ كريمٌ للمسلمِ، وتصحيحٌ لبعضِ المفاهيمِ التي قد تكونُ في ذهنِهِ أو نفسِهِ وذلك تجاهَ النذرِ تحديداً. فالرسول ﷺ يريدُ من المسلمِ أن يكونَ في عملِهِ وبيتِهِ متوجهاً إلى اللهِ تعالى ابتغاءَ مرضاتِهِ وحباً فيه جلَّ شأنه، لا لشيءٍ آخرَ من متاعِ الدنيا وحطامِها الزائل. والله سبحانه هو الفعّالُ لما يريدُ، وهو المعطي والمانعُ، وهو الذي يبسطُ الرزقَ ويقدِّرُ، وهو الذي يهبُ الحياةَ والصحةَ لا أحدَ سواه. كما أنَّ على الإنسانِ أن يشكرَ اللهَ سبحانه على نعمِهِ وآلائِهِ، فهو سبحانه صاحبُ الفضلِ. ويتوجبُ على هذا الإنسانِ الذي يتقلبُ في نِعَمِ اللهِ ليلَ نهارَ وبصحةٍ وعافيةٍ أن يتوجهَ بالاعترافِ بالفضلِ لصاحبِ الفضلِ سبحانه، وألا يبخلَ بشيءٍ في سبيلِهِ جلَّ شأنه؛ إذ كلُّ ما لدينا من نِعَمِ اللهِ وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ النحل: ٥٣. ومما لا شكَّ فيه أنَّ الإنسانَ كلما شكرَ اللهَ على نعمِهِ زاده منها، قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ إبراهيم: ٧، أما إذا كفرَ الإنسانُ بنعمِ اللهِ عليه، ولم يعرفْ للخالقِ سبيلاً إلى شكرِها، فإنَّ اللهَ تعالى يسلبه هذه النعم، قال تعالى: ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ إبراهيم: ٧.
من المفاهيم الخاطئة لدى الناس في شأن النذر:
من عادةِ الناسِ تعليقِ النذرِ على تحصيلِ منفعةٍ أو دفعِ مضرةٍ، فيذهبُ الكثيرُ منهم إلى إجراءِ نذرٍ مشروطٍ بتحقيقِ أمرٍ ما، فيعلقُ أمرَ طاعةٍ لله؛ كالصلاةِ أو الصومِ أو الصدقةِ لقاءَ ما يحققُ اللهُ له ما يطلبه أو يتمناه؛ كأن يقولَ: نذرتُ أن أصومَ لله أسبوعاً إن نجحت، أو نذرتُ أن أصليَ عشرينَ ركعةً إن تعافى ولدي، أو نذرتُ لأذبحَ شاةً لوجهِ اللهِ الكريمِ إن عادَ ولدي سالماً من سفرِهِ، أو أيةَ صيغةٍ مماثلةٍ، ظاناً أنَّ هذا النذرَ يحققُ له ما يريدُ أو ما يتمنى ويطلب. فالرسول ﷺ يصححُ هذا المفهومَ، ويبيّنُ خطأه وعوارَهُ، وأنَّ النذرَ لا يحققُ شيئاً سوى ما قدَّرَهُ اللهُ سبحانه للعبدِ وكتبه.
من مضامين الحديث الشريف:
في قوله ﷺ: «لا يأتي ابنَ آدمَ النذرُ بشيءٍ لم يكنْ قُدِّرَ له، ولكنْ يُلقيه النذرُ إلى القَدَرِ قد قُدِّرَ له» بيانٌ واضحٌ في أنَّ النذرَ لا يجلبُ لابنِ آدمَ شيئاً من الخيرِ، ولا يدفعُ عنه شيئاً من الضرِ، فما كان مكتوباً لابنِ آدمَ من خيرٍ أو شرٍ أتاه؛ قال الإمامُ النووي -رحمه الله تعالى-: إنَّه (أي النذر) لا يردُّ شيئاً من القدرِ كما بينته الرواياتُ الأخرى، وإذا ما توافقَ النذرُ مع القدرِ، فإنَّ ذلك لا يعني أنَّ الذي جلبَ النفعَ أو دفعَ الضرَّ هو النذرُ، ولكنَّ ذلك من مجرياتِ الأقدارِ، فعلى ابنِ آدمَ أن يفهمَ القضاءَ والقدرَ، وأن يؤمنَ بهما وفقَ ما بينته الآياتُ الكريمةُ والأحاديثُ السنةُ الصحيحةُ، وهذا الأمرُ منها. قوله ﷺ: «فيستخرجُ اللهُ به من البخيلِ فيؤتي عليه ما لم يكنْ يُؤتي عليه من قبل»؛ أي: إذا وافقَ النذرُ القدرَ فإنَّما يكونُ في ذلك استخراجُ للخيرِ من إنسانٍ بخيلٍ وفقَ مشيئةِ اللهِ سبحانه، فاللهُ جلَّ وعلا قدَّرَ ذلك، وكان هذا سبباً لاستخراجِ هذا الخيرِ من ذلك الإنسانِ البخيلِ الذي اشترطَ على اللهِ سبحانه، وعلقَ فعلَ الخيرِ على تحقُّقِ حصولِ الشرطِ. وتعظيمُ المسلمِ لربهِ سبحانه يقتضي ألا يشترطَ على اللهِ شيئاً، بل يبادرَ بالعبادةِ والطاعةِ دونَ شرطٍ، بل وردَ نهيٌ عن النذرِ فقد جاءَ في صحيحِ البخاريِ في بعضِ رواياتِ الحديثِ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما يقولُ: «أو لم يُنهوا عن النذرِ؟ إنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ النذرَ لا يُقدِّمُ شيئاً ولا يُؤخِّرُ، وإنما يستخرجُ من البخيلِ»(١)، من هنا ذهبَ الكثيرُ من الفقهاءِ إلى أنَّ النذرَ مكروه. والذي هو أفضلُ من النذرِ للشكرِ للهِ والعطاءِ لوجهِهِ؛ فإذا ما حصلَ نفعٌ للإنسانِ أو دُفِعَ عنه ضرٌ فيلزمه شكرُ اللهِ سبحانه، والقيامُ بأعمالٍ صالحةٍ من صلاةٍ أو صيامٍ، أو صدقةٍ لوجهِ اللهِ الكريمِ، دونَ شروطٍ مسبقةٍ على اللهِ تعالى. ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ سعدَ بن عبادةَ استفتى رسولَ الله ﷺ في نذرٍ كان على أمه، توفيت قبل أن تقضيه، قال رسول الله ﷺ: «فاقضه عنها»(١). أما إذا كان النذرُ في معصيةٍ أو في مباحٍ لم ينعقد ولا كفارةَ عليه. والدليلُ قوله ﷺ: «لا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ ولا فيما لا يملك العبد»(٢).
ما يستفاد من الحديث:
١ مبادرة المسلم للخير أفضل من النذر المشروط. ٢ كل شيءٍ يبذله المكلف من وجوه البر أفضل مما يلتزمه بالنذر. ٣ الحث على الإخلاص في عمل الخير لوجه الله الكريم. ٤ ذم البخل والشح. ٥ النذر لا يردُّ شيئاً من القضاء، ولا يجلب نفعاً للإنسان.
التقويم
١ ما حكم الوفاء بالنذر؟ ٢ أشرح النص: «فيستخرج الله به من البخيل». ٣ أناقش العبارة الآتية: النذر لا يجلب المنافع ولا يدرأ المفاسد. ٤ أعلل ما يأتي: أ ربط المسلم بربه دون شيء آخر. ب كفر النِعَم مذموم ومحرم. ٥ أستنبط ثلاثة أمور يرشد إليها الحديث الشريف.