شرح الموضوع
حرمة تشبّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال (شرح)
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعنَ رسولُ الله ﷺ المتشبهينَ من الرجالِ بالنساء، والمتشبهاتِ من النساء بالرجال(١).
راوي الحديث:
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله ﷺ، ولد في الشِّعْب قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يُسمَّى البحر، والحبر؛ لكثرة علمه، قال عنه عبد الله بن مسعود: «نِعْمَ تُرجمان القرآن عبد الله بن عباس»، مات سنة ثمان وستين بالطائف، ولما دُفن قال ابن الحنفية: «اليوم مات ربانيُّ هذه الأمة»، مناقبه وفضائله كثيرة جداً، روى له الجماعة.
شرح الحديث:
اهتم الإسلام بتربية المسلم تربية صحيحة، وبتكوين شخصيته تكويناً سليماً، فطهر قلبه من الشرك بالتوحيد، وحافظ على مظهره الخارجي بلباس يستر عورته ويزين شكله، فجعل للرجل لباساً خاصاً وللمرأة لباساً خاصاً.
التشبّه المحظور:
في قوله ﷺ: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين» دلالة ظاهرة على تحريم تشبّه الرجال بالنساء أو النساء بالرجال، والقرينة الدالة على ذلك استخدام صيغة (لعن) التي تحمل معنى الطرد من رحمة الله تعالى. وعليه لا يحل تشبّه أحد الجنسين بالآخر سواء في اللباس أو الزينة أو تعمد التشبّه بما اختص به جنس دون آخر في الكلام والحركة. ويؤكد هذا المعنى ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل»(٢). ويستثنى من التحريم ما كان من أصل الخلقة، كأن يكون صوت الرجل ناعماً بأصل خلقته، أو غير ذلك مما يتعلق بالحركة والمشي، مع ضرورة التدرب على التخلص من هذه الصفات. وظاهر اللفظ الزجر عن التشبّه في كل شيء، لكن عُرف من الأدلة الأخرى أنَّ المراد التشبّه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبّه في أمور الخير وطلب العلوم والسلوك وغير ذلك مما فيه نفع ومصلحة معتبرة. ومن صور التشبّه الممنوع ما نراه اليوم بين الشباب والفتيات، كوضع بعض الشباب للحلق في آذانهم، والعقود والسلاسل في أعناقهم، والإسورة في أيديهم، وكذلك قصات الشعر لبعض الفتيات بما يشبه قصات الشباب حتى لا نكاد -أحياناً- أن نميز بين الشاب والفتاة.
الحكمة في لعن مَنْ تشبّه:
الحكمة في لعن مَنْ تشبّه أنه قد خرج عن الصفة التي خلقه الله عليها، كما في قوله ﷺ: «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة»(١)، وعلل ذلك بتغيير خلق الله؛ لذلك نجد أنَّ الشيطان عندما تحدى الله تعالى قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ النساء: ١١٩، فالله تعالى قد خلق الخلق على هيئة معينة فلا يجوز لأحد أن يعبث بهذا الخلق ويتجرأ على تغييره.
هل التوبة رافعة لِمَنْ لحقه اللعن؟
إن في توبة الله تعالى على عباده مظهر من مظاهر رحمته الواسعة، وفضله العظيم، وبذلك فإن على من استحق اللعن من الرجال أو النساء بسبب التشبّه المنهي عنه في الحديث الشريف، أن يتوجه إلى الله تعالى بطلب المغفرة والعفو وأن يطرق بابه بتوبة صادقة، والباب في ذلك أمامه مفتوح. ولا بد للتوبة أن تكون نصوحاً، وأن تتوافر شروطها كما سبق أن عرفت في درس (التوبة)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ النساء: ٤٨. ولعن المتشبّه هنا من جملة ما دون الشرك، فهو تحت المشيئة.
تنبيه وتوجيه:
لا بد من التنبيه على أنَّ انتشار هذه الظاهرة دليل على الفراغ الذي يعيشه الشباب، ودليل على الانحدار في اهتمامات الجيل وأهدافه وطموحاته، فالأصل أن يوجه الشباب إلى العلم والمعرفة والبحث، والعمل على نهضة الأمة وعزتها وتفوقها، فكيف يستغني عن ذلك ليتحول الاهتمام إلى الانشغال بتوافه الأمور من قصات الشعر ووضع الحلق في الأذن والأنف، أو طريقة اللباس الغربية، وانتشار الميوعة والتخنث؛ ما يعطل قدرة الأمة على النهوض، فمثل هذا الشباب ليس مهيأ لبناء أمة، ولا لمواجهة الأخطار المحدقة بالأمة. هذا فضلاً عن أنه يلزم كل فرد في المجتمع أن يتأدب مع الباري عزَّ وجلَّ بعدم مخالفة أمر رسوله ﷺ، والاجتهاد في عدم فعل ما يوجب اللعن. وعلى ولي الأمر والعلماء أن يراقبوا ذلك، وينبهوا على عدم التلبس به، وفرض العقوبة على مَنْ يخالف على شكل الفرد وهيئته في المجتمع.
ما يستفاد من الحديث:
١ تشبّه الرجال بالنساء وتشبّه النساء بالرجال من الأمور المحرمة ومن الكبائر. ٢ في تشبّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال للرجال تغيير لصفة خلق الله تعالى، ومن فعل ذلك فقد نازع الباري في حكمته، وهذا أمر خطير. ٣ اقتران النهي عن فعل باللعن يدل على خطورة هذا الفعل. ٤ الانشغال بمعالي الأمور يصرف الشباب عن الاهتمام بالشكليات الزائفة والمظاهر الخداعة.
التقويم
١ أترجم للصحابي راوي الحديث الشريف. ٢ أوضح معنى اللعن الصادر عن الرسول ﷺ. ٣ أُبيّن المراد من قوله ﷺ: «المتشبهين من الرجال بالنساء، ومن النساء بالرجال». ٤ أعلل: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات بالرجال من النساء. ٥ كيف يؤدي ولي الأمر دوره في محاربة التشبّه المنهي عنه؟ ٦ أذكر أربع فوائد مستفادة من الحديث.