شرح الموضوع
فضل الرباط في سبيل الله (شرح)
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «رباطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضعُ سوطِ أحدِكم من الجنةِ خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحةُ يروحُها العبدُ في سبيلِ اللهِ أو الغدوةُ خيرٌ من الدنيا وما عليها»(١).
راوي الحديث:
سهل بن سعد الساعدي، أبو العباس، له ولأبيه صحبة، ولد قبل الهجرة بخمس سنين، كان اسمه حزناً، فسماه النبي ﷺ سهلاً، مات بالمدينة المنورة، وقد زاد عمره عن المائة سنة.
فضل الرباط في سبيل الله:
الرباط: هو المكثُ والبقاءُ على الحدودِ بنيةِ الدفاعِ عن البلادِ والعبادِ، وأصلُ كلمةِ الرباطِ جاءت من ربطِ الجنودِ خيلهم ومكوثهم للحراسة. ومن هنا أُطلق على مدينةِ الرباطِ هذا الاسم؛ لكونها كانت محطةً لانطلاقِ الجيشِ للجهادِ في سبيلِ الله.
قوله ﷺ: «رباطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من الدنيا وما عليها»:
ينبه النبي ﷺ إلى قيمةٍ عظيمةٍ من قِيَمِ الإسلامِ، وهي الحفاظُ على البلادِ والعبادِ، وحمايتهم من كلِّ خطرٍ يتهددهم، وعبَّر عن ذلك بمصطلحٍ شرعيٍ يسمى (الرباط) الذي يُعبِّر عن انتماءِ المسلمِ إلى مجتمعهِ وأمته، وعن استعدادهِ للتضحيةِ بروحهِ من أجلِ حمايتهم والدفاعِ عنهم، والمسلمُ يتفوقُ على غيره في حبهِ لوطنه؛ لأنه لا ينطلقُ في ذلك من مجردِ الشعورِ الوطني أو حبِّ المكانِ الذي ترعرع فيه وحنينه إليه، بل يضيفُ إلى ذلك المفهومَ العقدي، فحبُّ الوطنِ من الإيمانِ، وبالتالي فالدفاعُ عنه واجبٌ شرعيٌ يُؤجر عليه، ويُجزى عليه خيرَ الجزاء، وإذا قصَّرَ في ذلك فهو محاسبٌ على تقصيرِهِ حساباً عسيراً، ولذلك نجدُ في الحديثِ العظيمِ لِمَنْ قامَ بهذا الجهدِ في الدفاعِ عن بلده، فذكرَ أنَّ القيامَ بواجبِ الحراسةِ والحمايةِ على حدودِ الوطنِ ليومٍ واحدٍ خيرٌ من الدنيا وما عليها؛ أي: ما عليها من مُتَعٍ ونَعَمٍ، تشملُ المالَ والولدَ والزوجَ والسعادةِ . . . إلخ. وقد وردَ في بعضِ الرواياتِ تنويعٌ لأجرِ المرابطِ، كما في حديثِ سلمانَ الفارسي رضي الله عنه: «رباطُ يومٍ أو ليلةٍ خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقيامِهِ»(١)، وفي حديثٍ آخرَ: «رباطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من ألفِ يومٍ فيما سواه من المنازلِ»(٢)، وهاتانِ الروايتانِ تفيدانِ الأجرَ العظيمَ للمرابطِ، وأنَّ الأجرَ يتفاوتُ حسبَ نيةِ المرابطِ والجهدِ الذي يبذله والتضحياتِ التي يقدمها. والرباطُ لا يقتصرُ على مجردِ الحراسةِ على الثغورِ والحدودِ، وإنما يمتدُّ ليشملَ كلَّ شكلٍ من أشكالِ الحفاظِ على الأمةِ والمجتمعِ، فمجردُ ثباتِ المسلمِ على أرضِهِ، وعدمِ هروبِهِ من الضغوطِ التي تستهدفُ اقتلاعَهُ وتهجيرَهُ من أرضِهِ، كما يحدثُ على أرضِ فلسطينَ في هذه الأيامِ، فهو رباطٌ وثباتٌ وجهادٌ في سبيلِ الله.
الجنة ونعيمها:
قوله ﷺ: «وموضعُ سوطِ أحدِكم من الجنةِ خيرٌ من الدنيا وما عليها»: السوطُ: هو الأداةُ التي تُضربُ بها الدابةُ، وغالباً ما تُصنعُ من الجلد. وفي استخدامِ لفظِ (سوط) في الحديثِ تقريبٌ ذهنيٌ يسوقُ المرءَ إلى إدراكِ عظيمِ نعمةِ اللهِ وفضلِهِ على المجاهدِ، فإذا كان موضعُ السوطِ الذي يُضربُ به دابته، وهو يسوقها إلى ساحِ الجهادِ، خيرٌ من الدنيا وما فيها، فإنَّ نعمَ اللهِ التي أعدَّ لعبادهِ المجاهدينَ أعظمُ من أن تدركَ على حقيقتها. بل إنَّ النعيمَ الموجودَ في الجنةِ لا يمكنُ لقدراتِ البشرِ في التخيلِ أن تقتربَ منه، مصداقاً لقولِ النبي ﷺ: «قال الله: أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشر»(٣). والحديثُ هنا يأتي من بابِ الترغيبِ في الجنةِ، والحثِّ على العملِ والاجتهادِ، والتعرضِ لرحمةِ اللهِ تعالى، حتى يحظى المسلمُ بشرفِ الدخولِ فيها. قوله ﷺ: «والروحةُ يروحُها العبدُ في سبيلِ اللهِ أو الغدوةُ خيرٌ من الدنيا وما عليها»: والروحةُ: هي المرةُ الواحدةُ من الرواحِ، وهي الخروجُ في أي وقتٍ كان من زوالِ الشمسِ إلى غروبِها. والغدوةُ: هي المرةُ الواحدةُ من الغُدُوِّ، وهي الخروجُ في أي وقتٍ كان من أولِ النهارِ إلى انتصافِهِ. وفي هذا الشطرِ من الحديثِ تأكيدٌ على فضلِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ، فبمجردُ الخروجِ في هذا السبيلِ في أي وقتٍ كان، صباحاً أو مساءً، تعدلُ عندَ اللهِ تعالى الدنيا بما عليها، فكيفَ يكونُ حالُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ لمدةِ أطولَ، قد تستمرُ لأيامٍ وشهورٍ أو سنينَ أو العمرِ كله، والحديثُ يتكلمُ عن مجردِ الخروجِ في سبيلِ اللهِ بأنه يعدلُ الدنيا وما عليها، فكيفَ بِمَنْ يقدمُ ماله أو نفسَهُ أو يقدمهما معاً. قال ﷺ: «ما اغبرَّت قدما عبدٍ في سبيلِ اللهِ فتمسه النار»(١). قال ابن حجر -رحمه الله تعالى-: فإذا كان مجردُ مسِّ الغبارِ للقدمِ يُحرِّمُ عليها النارَ، فكيفَ بِمَنْ سعى وبذلَ جهدَهُ واستنفذَ وسعَهُ؟ ومنها قوله ﷺ: «عينانِ لا تمسهما النارُ: عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ تعالى، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيلِ الله»(٢).
ما يستفاد من الحديث:
١ فضل الحراسة في سبيل الله تعالى حفاظاً على العباد والبلاد. ٢ الأجر العظيم الذي أعده الله تعالى للمرابطين والمجاهدين في سبيل الله. ٣ أقل القليل في الجنة خير مما وُجد على وجه الأرض. ٤ حث المسلمين للخروج في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمته سبحانه.
التقويم
١ أترجم لراوي الحديث الشريف سهل بن سعد الساعدي. ٢ أعرف المصطلحات الآتية: الرباط، الغدوة، الروحة، السوط. ٣ المسلم يتفوق على غيره في حبه لوطنه، أين ذلك. ٤ أشرح قوله ﷺ: «الروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها». ٥ أذكر شكلاً آخر من أشكال الرباط سوى ما ذُكر من الحراسة على الحدود. ٦ أعلل ما يأتي: أ ورود أكثر من رواية تبين تنوع أجر المرابط في سبيل الله تعالى. ب التعبير بالسوط عن المقارنة بين الجنة والدنيا.