تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تابعنا على تيليجرامانضم

فضل الجهاد في سبيل الله (شرح)

الحديث النبوي الشريف (شرح) · الحديث الشريف وعلومه

آخر تحديث:

محتويات الموضوع (٨)

شرح الموضوع

فضل الجهاد في سبيل الله (شرح)

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَثَلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلمُ بمن يجاهدُ في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكَّلَ اللهُ للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يُدخِلَهُ الجنة، أو يُرجِعَهُ سالماً مع أجرٍ أو غنيمة»(١).

الجهاد ذروة سنام الإسلام:

الجهاد من أفضل القربات التي تقرِّبُ المسلم من ربه، بل هو ذروة سنام الإسلام؛ لأن فيه إعلاءً لكلمة الحق والدين، ونشر للعدل والرحمة بين العالمين، بل هو من الوسائل العظيمة لتحقيق قوله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

[الأنبياء: ١٠٧]،

فالرسول ﷺ رحمة للعالمين، وشريعته هي شريعة الرحمة، ولا بد من حمل هذه الرحمة لتصل إلى أنحاء الدنيا؛ لينعم بها البشر، ويسعد بها الخلق.

والمجاهد في سبيل الله له منزلة عالية؛ لأنه من أكثر الناس تضحية، فإذا كان الإنسان يضحي بجزء من ماله أو وقته في سبيل ربه، فالمجاهد يقدم روحه رخيصة في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، ويضحي بحياته ودنياه من أجل نصرة الدين، وربما يضم إلى ذلك إنفاقاً للمال ومشاركة في حملات الجهاد، فيكون ممن ضحى بنفسه وماله في سبيل الله، كما ذكر الله تعالى في كتابه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾

[الصف: ١٠ - ١٢].

قوله ﷺ: «مثل المجاهد في سبيل الله»:

هذا ضرب للمثل، وهو أسلوب معروف، وشكل من أشكال البلاغة، يتبعه النبي ﷺ لتقريب الصورة إلى ذهن السامع، فبدل أن يقول النبي ﷺ: إنَّ أجر المجاهد كبير جداً، أو إن له أجراً مذخوراً في علم الغيب، أراد أن يقرب الصورة بالكلام عن شيء محسوس، له قيمة واعتبار عند الناس، فالصيام المتواصل والقيام

١ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير، باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه. المتواصل من العبادات الثقيلة جداً على نفس الإنسان، والقائم بها متقدم على غيره في الإيمان والتقوى.

قوله ﷺ: «والله أعلم بمن يجاهد في سبيله» تأكيد على ضرورة الإخلاص في العمل؛ لأن الله مطلع على نوايا العباد، حيث يعلم المخلص في جهاده وغير المخلص، وهذا من دقائق الأمور، إذ إن الظاهر للناس أن كل مَنْ يقاتل العدو هو مجاهد في سبيل الله، مع أن الحقيقة أن الناس مختلفون في دوافعهم ونواياهم، كما ورد في الحديث الصحيح أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: الرجلُ يُقاتلُ للمغنم، والرجلُ يقاتلُ للذِّكر، والرجلُ يُقاتلُ ليُرى مكانُهُ، فمن في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قاتلَ لتكون كلمةُ الله هي العُليا، فهو في سبيل الله»(١).

فالجهاد المقصود في الحديث، والذي شبَّهَهُ النبي ﷺ بالصائم والقائم، هو الجهاد الخالص لوجه الله تعالى، الخالي من أي غرض دنيوي.

قوله ﷺ: «كمثل الصائم القائم»:

أي مثل المجاهد في نيل الثواب في كل حركة وسكون كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر ساعة عن العبادة، فأجره مستمر لا ينقطع. وقد ورد تفصيل ذلك في رواية أخرى: «كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يَفْتُرُ من صلاة ولا صيام»(٢).

للمجاهد إحدى الحسنيين:

من فضل الله تعالى على المجاهدين أنه تكفَّل لهم بإحدى الحسنيين، إن قُتلوا في الجهاد فلهم الجنة؛ (أي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، أو أن يُدخلهم الجنة ساعة الاستشهاد)، وبهذا يتميز الشهيد عن غيره من المؤمنين، فقد جاء في الحديث الشريف أن الشهيد «يُغفر له في أول دفقة»(٣). وإن أبقاهم أحياء فلهم الأجرُ العظيمُ والثوابُ الكبيرُ أو لهم الغنيمة والأجر معاً، كما نص على ذلك في الحديث: «وتوكَّلَ اللهُ للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه -بمعنى إن توفاه- أن يُدخله الجنة أو يرجعه سالماً مع أجر أو غنيمة».

١ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير، باب مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، برقم (٤٨٤٦). ٣ أخرجه الترمذي في سننه: كتاب فضائل الجهاد، باب في ثواب الشهيد.

حقيقة الجهاد في الإسلام:

كثيراً ما نسمع هذا التساؤل من بعض الناس: هل الجهاد في الإسلام جهاد دفع، أم جهاد هجوم؟ وللإجابة عن هذا التساؤل لا بد من التوضيح أن الجهاد في سبيل الله إنما هو وسيلة لا غاية، فليس من أهداف الإسلام إراقة الدماء وإزهاق الأرواح، ولا تيتيم الأطفال ولا ترميل النساء، بل إن القتال من الأمور التي تنفر منها النفس السوية، كما أخبر سبحانه وتعالى:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

[البقرة: ٢١٦]،

فالجهاد وسيلة من الوسائل العظيمة تهدف إلى نشر الحق والعدل على وجه الأرض، وبسط الرحمة الربانية لينعم بها الوجود، ولذلك دعا الإسلام إلى تحقيق هذا الهدف بكل الطرق الممكنة بعيداً عن إراقة الدماء وخوض المعارك، فكانت الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان السلوك الأخلاقي العظيم لأتباع الإسلام الذي خطب عقول الأمم الأخرى، فدخلت في دين الله أفواجاً إعجاباً بهذا الدين العظيم، بل إن التاريخ يسجل أن شعوباً بأكملها دخلت في الإسلام دون أن يُرفع سيف أو تُراق قطرة دم، كما هو الحال في (جنوب شرق آسيا)؛ كماليزيا وإندونيسيا -وهي أكبر دولة إسلامية اليوم- وجزر المالديف وجنوب الفلبين وغيرها، ولا بد من الإشارة إلى أن الإسلام لا يقبل فكرة إجبار الناس على تغيير معتقداتهم بالقوة والإكراه، ولا يقبل إسلام شخص مكره خائف، حيث قال سبحانه وتعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾

[البقرة: ٢٥٦].

وقال سبحانه:

﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[الكهف: ٢٩]،

فالناس مخيَّرون في اعتناق الدين الذي يريدون، وليس علينا إجبارهم على شيء، وحسابهم على الله سبحانه وتعالى.

وبناءً على ما تقدم، فالجهاد في سبيل الله جهاد دفاع وردّ على المعتدي إذا تعرضت أرض المسلمين أو عقيدتهم، أو أرواحهم أو أموالهم أو أعراضهم لأي اعتداء، فالمسلم لا يقبل الظلم، ولا يخنع أمام المعتدي، بل يقاوم ويجاهد حتى يحرر أرضه، ويقتص ممن أساء إليه في أي جانب من شؤونه، وهذا ما يتوافق مع المواثيق الدولية التي تتيح للمظلوم أن يدافع عن نفسه.

وهو جهاد هجوم في سبيل نشر العدل والحق وتخليص المظلومين على وجه الأرض من الظلم الذي وقع عليهم، لكن هذا النوع من الجهاد لا يُوَجَّهُ إلى الأفراد ولا إلى المجتمعات، وإنما يستهدف كل الحواجز والمعيقات التي تقف أمام الناس وتمنعهم من الاختيار بحرية، واعتناق العقيدة التي يريدونها. وخير شاهد على ذلك أن الفتوحات الإسلامية لم تكن موجهة إلى المدنيين، ولم تجبر الناس على تغيير دينهم وعقيدتهم، بل إن الواقع اليوم يثبت وجود كثير من أتباع الأديان الأخرى يعيشون بين المسلمين بكل احترام ومراعاة لحقوقهم؛ فالنصارى واليهود تكاد لا تخلو منهم بلد من بلدان المسلمين حتى يومنا هذا. بل إن التاريخ يسجل أيضاً أن كثيراً من الشعوب وقفت مع الفاتحين المسلمين وساندتهم في جهادهم ضد الدول التي كانت تستعمرهم وتظلمهم، كما فعل أقباط مصر عندما ساندوا حملة عمرو بن العاص الذي خلصهم من الدولة الرومانية المستعمرة، ثم خيرهم المسلمون بين البقاء على دينهم أو الانضمام إلى هذا الدين العظيم. وهذا ما حدث أيضاً مع نصارى الشام في مساندتهم لأبي عبيدة عامر بن الجراح.

ما يستفاد من الحديث:

١ فضل الجهاد في سبيل الله تعالى. ٢ أجر المجاهد في سبيل الله كأجر الصائم القائم الذي لا يفتر. ٣ ضرورة الإخلاص في العمل؛ ليكون خالصاً لوجه الله تعالى. ٤ لا يقبل الله تعالى عملاً ليس فيه إخلاص. ٥ ضَمِنَ الله للمجاهدين إحدى الحسنيين؛ إما الشهادة، وإما الأجر والغنيمة.

التقويم

١ كيف يكون الجهاد تجارة رابحة في سبيل الله تعالى؟ ٢ أبين الهدف من ضرب المثل في الحديث الشريف. ٣ أوضح وجه الشبه بين المجاهد وبين الصائم القائم. ٤ أذكر ثلاثاً مما يستفاد من الحديث الشريف. ٥ أعلل ما يأتي: أ الجهاد في الإسلام وسيلة لا غاية. ب الجهاد لا يستهدف الأفراد والشعوب. ج الإخلاص ضروري في الجهاد.

معاينة موضوع «فضل الجهاد في سبيل الله (شرح)» من وحدة «الحديث النبوي الشريف (شرح)» في مادة الحديث الشريف وعلومه. أقسام الشرح: ٨.

المصدر: وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، فضل الجهاد في سبيل الله (شرح) (ص ١٢٦–١٢٩)

موضوعات أخرى في الوحدة

تابع الدراسة