شرح الموضوع
أهمية الوصية (شرح)
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه يبيتُ ليلتينِ إلا ووصيتُه مكتوبةٌ عندَه»(١).
المجتمعات بين حفظ الحقوق وتضييعها:
يأتي هذا الحديث الشريف في سياق المحافظة على النسيج الاجتماعي، والمحافظة على الحقوق والواجبات، فلا يجوز للإنسان أن يجعل حقوق العباد في مهب الريح، وعليه أن يخرج ويتحلل من كل حق ليس له، أو من كل شيء في ذمته للآخرين. من هنا جاء الحث على الوصية والندب إليها؛ لأنها وسيلة مهمة في مجال توثيق الحقوق لأصحابها خشية الضياع أو الالتباس أو النسيان. وهذا دأب الشرع الحنيف في المحافظة على اللحمة المجتمعية ورص صفوف الجماهير وفق معايير الحق والعدل والمساواة، فإذا ما حافظ الناس بعضهم على حق بعض، سرعان ما يؤدي ذلك إلى نشر المحبة بين الناس وبث روح التعاون بين أفراد المجتمع؛ وذلك مدعاة إلى الألفة وإخلاص الناس بعضهم لبعض، وتطهير النفوس من البغض والحقد. وبخلاف ذلك فإن تضييع حقوق الناس يفسد الذمم، ويغيِّبُ العدالة، وينشر الحقد والضغينة، ويبث روح العداوة بين الناس، فيكون المجتمع حينئذ في مهب الريح ويضحي حاله أسوأ حال، وفي ذلك ضعفه وهلاكه.
من مضامين الحديث الشريف:
في قوله ﷺ: «ما حق امرئ»: المرء هنا هو الرجل، وخرج ذلك مخرج الغالب، حيث إنَّ الرجل هو صاحب العلاقات الكبيرة في المجتمع، وهو الذي يُبرم العقود، ويأخذ الدَّين، ويداينُ غيره، وهو المتصرف بشؤون الأسرة والمتكلف بالإنفاق عليها، ولذلك كان ذكر الرجل على وجه التغليب، وإلا فلا فرق من الناحية الشرعية في الوصية الصحيحة ما بين الرجل والمرأة، ولا يشترط فيها شيء سوى العقل
١ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي ﷺ: «وصية الرجل مكتوبة عنده». والحرية؛ بمعنى وصية الرجل إن كانت ضمن الضوابط الشرعية نافذة، وكذلك وصية المرأة، حتى إنَّ وصية الصبي المميز قد ذهب الكثير من العلماء إلى إجازتها.
وقوله ﷺ: «مسلم»: خرج أيضاً مخرج الغالب، أو ذُكر للحث والتشجيع على الوصية؛ ولكونه يمتثل أكثر من غيره. وإلا فقد انعقد الإجماع على جواز وصية الكافر في الجملة ما دامت في سياق الحق والمعقول.
قوله ﷺ: «له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»:
وفي رواية أخرى: (له مال) غير أنَّ لفظة (شيء) أعم من لفظة (مال)؛ فلفظة (شيء) تعم وتطلق على الكثير والقليل، وعلى ما هو مال وعلى ما هو ليس بمال، بمعنى أنَّ مَنْ لديه مال على صورة نقد أو ذهب أو فضة، أو شيء يُقوَّم بمال، لا يحق له أن يبيت دون وصية.
وفي تقدير معنى قوله ﷺ: «يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة» قولان:
- القول الأول: يبيت ليلتين، وفي رواية: (أو ثلاثة) ليال وهو سالمٌ آمنٌ معافى.
- القول الثاني: يبيت ليلتين موعوداً أو مريضاً.
ويرجح في المعنى القول الأول؛ لأنَّ الوصية على هذه الصورة تستحب للجميع وليس للمريض فقط، فقد يموت الإنسان دونما مرض، وقد قال الشاعر:
كم من صحيحٍ ماتَ من غيرِ عِلَّةٍ ... وكم من سقيمٍ عاشَ حيناً من الدهرِ
فلا يصح لمسلم أن يبيت ليلتين أو ثلاث ليال دون أن تكون وصيته مكتوبة عنده، وذكر الليلتين أو الثلاث هنا؛ لأنَّ المراد منه تقريب المدة لا تحديدها، وفي هذا إفساح المجال للإنسان حتى يتفكر ويتذكر ما يريد أن يوصي به ويكتبه. ولكن لا يصح أن تزيد عن المدة التي منحها الشارع له. ومن المهم جداً قوله هنا: إنَّ الوصية من باب أولى أن تكون لرجلٍ لديه وفي ذمته حقوق للآخرين، فيوصي بها ويدونها خشية أن تضيع، وبالتالي سيسأل عن ذلك، وسيحاسبه رب العزة سبحانه؛ إذ التوبة تكفر كل شيء إلا حقوق العباد فلا تُكَفَّرُ ولا تُغْفَرُ حتى بالشهادة.
حكم الوصية:
استدل بعض العلماء بهذا الحديث مع ظاهر قوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
[البقرة: ١٨٠]،
على أنَّ الوصية واجبة. وقال آخرون: إنها مندوبة، وقالوا: بأنَّ المراد من قوله ﷺ: «ما حق امرئ» الحزم والاحتياط؛ لأنَّ الموت قد يفاجئ المرء ولم يكن قد أوصى بشيء.
ما يستفاد من الحديث الشريف:
١ الحث على الوصية وكتابتها مظهر من مظاهر المحافظة على حقوق العباد. ٢ ينبغي ضبط الأمور والأشياء المهمة بالكتابة والتقييد. ٣ الوصية مشروعة للصحيح والمريض على السواء. ٤ الوصية في حق المسلم آكد منها في حق مَنْ سواه.
التقويم
١ أبين أهمية الوصية في حفظ الحقوق. ٢ أعلل ما يأتي: أ يترتب على حفظ الحقوق تماسك المجتمع، ونشر المحبة بين الناس. ب ذكر الرجل في الحديث دون المرأة. ٣ أشرح من النص قوله ﷺ: «له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين». ٤ ما حكم الوصية؟ ٥ أذكر ثلاثة أمور تستفاد من الحديث الشريف.