شرح الموضوع
الدرس ٣٦: فَضْلُ الذكر (شرح)
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أعمالِكُم، وأزكاها عندَ مليكِكُم، وأَرفعِها في درجاتِكُم، وخيرٍ لَكُم مِنْ إنفاقِ الذَّهبِ والفضَّةِ، وخيرٍ لَكُمْ مِنْ أنْ تَلْقَوْا عدوَّكُم فتضربوا أعناقَهُم، ويضربوا أعناقكُم»، قالوا: بلى، قال: «ذكرُ الله تعالى»(١).
راوي الحديث:
أبو الدرداء، صحابي جليل اشْتُهِر بكنيته، واختلف في اسمه فقيل: عُويمر وقيل: غير ذلك، كان تاجراً قبل البعثة، ثمّ زاول العبادة والتجارة، فآثر العبادة وترك التجارة، كان فقيهاً عابداً عالماً قارئاً للقرآن، هو أحد الأربعة الذين أوصى معاذ بن جبل أصحابه ان يأخذوا عنهم العلم، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي، توفي سنة ثلاث وثلاثين بدمشق.
شرح الحديث:
إنّ من مقاصد هذا الدين تحقيق مصالح العباد ونفعهم، وعمل كل ما يحقق لهم الراحة والرضا وهدوء البال، وحيث إنّ قمة السعادة تتحقق في الهداية والاطمئنان، فقد حثنا الإسلام العظيم على الذكر الدائم لله، قال تعالى:
﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾
[الجمعة: ١٠]،
وقال جلّ شأنه:
﴿أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾
[الرعد: ٢٨]،
ولولا أنّ في الذكر والتضرع وقراءة القرآن اطمئناناً للنفوس والقلوب، وعلاجاً للتوتر والضيق الذي يصيبنا من وساوس الشيطان وضغوطات الحياة، وغسيلاً دائماً من الذنوب التي تلتصق بهذا القلب كل لحظة، لمَا أمرنا الله عزّ وجلّ بالتكرار الدائم للأذكار ليلاً ونهاراً، ولما علّمنا لكل حادثة وواقعة ادعيةً خاصة. والذِّكْرُ مَنْدُوبٌ إليه لقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢﴾
[الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وَذَمَّ الله تعالى المنافقينَ بقلَّةِ ذكرهم له سبحانه، فقال:
﴿وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾
[النساء: ١٤٢].
قوله ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم»: بدأ الرسول ﷺ حديثه بهذه الصيغة التي تلفت الانتباه، وتشدّ الأسماع لما بعدها، حيث بدأ بصيغة من صيغ التنبيه، كيف لا والحديث يدور حول أفضل عمل يمكن للمسلم أن يؤديه على الإطلاق؟ فما هذا العمل الذي لا يضاهيه عملٌ أبداً؟ ولا يوجد عملٌ أزكى منه، ولا ارفع، إنّه عملٌ افضل في اجره من إنفاق الذهب والفضة، وأفضل من الجهاد في سبيل الله، وافضل من ضرب أعناق الكفار بالسيوف. إنّه ذكر الله تعالى، فيا للعجب! الذكر البسيط الذي يستطيعه كل إنسان، صغيراً كان أو كبيراً، وعلى أيّة حال من الأحوال هو أفضل من كلّ الأعمال الصالحة. والنبأ: هو الخبر الذي له شأن عظيم، كيف لا وهو يجعل هذا العمل أفضل أعمال المؤمنين وأطهرها وأنماها وأكثرها بركة عند الله عزّ وجلّ. ولم يقتصر الحديث الشريف على أنّها أفضل الأعمال، بل زاد على ذلك بقوله ﷺ: «وأرفعها في درجاتكم»؛ وذلك في الدنيا بارتفاع شأن صاحب هذا العمل في قلوب الناس للنور الذي يغشاه، والطهر الذي يتّسم به والهيبة والتوقير الذي له في القلوب، وفي الآخرة علو الشأن والمنزلة والدرجة الرفيعة.
١ أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء، وقال الألباني: صحيح.
قوله ﷺ: «وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والفضة»
كما عدّ الرسول الكريم ﷺ أنّ ذكر الله أفضل في أجره للإنسان من إنفاق الذهب والفضة طاعة لله وطمعاً في رضاه، على غلاء سعر هذين المعدنين الثمينين اللذين يعتبران أصولاً للأموال، مع حبّ النفس البشرية لهما. فمَنْ صفت نفسه وطابت حتى وصلت لدرجة إنفاق الذهب والفضة فهو في منزلة عالية، غير أنّ الذاكر لله أعظم منزلة. قوله ﷺ: «وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوْا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم»: ونحن نعلم أهميّة الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، فهو الذي يحمي بيضة الأُمّة وهيبتها وعقيدتها، ويدفع عنها العدوان ويحقق عزّ الأُمّة وكرامتها، ومع هذا فقد فضّل الرسول الكريم ﷺ ذكر الله على الجهاد أيضاً.
حقيقة الذكر:
إنّ ذكر الله الكامل هو الذي يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب مع التفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تبارك وتعالى، فذكر الله المفضل على جميع الأعمال الصالحة هو ما نعرفه من تسبيح وحمد لله وتكبير وتهليل وحوقلة، وغير ذلك من الأذكار التي تمجد الله عزّ وجلّ، فالمطلوب أن يقوم العبد بحقّ هذه الكلمات، فيستحضر معانيها بقلبه، ويتأملها بفهمه، وتتضح له معانيها ويعرفها حقّ المعرفة، حتى يصل بها إلى علم اليقين، وهذا ما يسمّى الإحسان في الذكر، والذي هو اعظم العبادات. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى ضرورة أنْ تُصقل شخصية المتصدّق، والمجاهد في سبيل الله، وتوطَّنَ على ذكر الله تعالى والعيش في معيّته، حتى يزكُوَ عملُه وتطيب نفسه، وتعلو درجته، فبالذكر تحيا القلوب والنفوس، ولذا فهو اكبر في تأثيره في إصلاح العباد من كلّ شيء، قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الذي يذكرُ ربه والذي لا يذكر ربه، مَثَلُ الحيِّ والميت»(١)، فقد شبّه الرسول ﷺ الذي يذكر الله بالإنسان الحيّ الذي تسري فيه الروح المتمثلة بحياة كلّ جارحة من جوارحه. أمّا الذي لا يذكر الله، فحاله كحال الميت الجامد الذي لا حراك فيه، ولا فائدة تُرْجى منه. والدليل على أنّ كثرة الذكر هي التي تحيي القلوب والجوارح قوله ﷺ: «سبق المفردون، قالوا: وما المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»(٢)، ومعنى (المُفَرّدون)؛ أي: الذين انفردوا بأمرٍ وجعلوه شغلهم الشاغل. وهكذا نصل لخير عمل على الإطلاق، حين تنصهر جوارحنا بحبّ الله وذكره، وإنّ الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ في كلّ جانب من جوانب الحياة كثيرةٌ، وخير هذه الأدعية ما كان وارداً في كتاب الله والسنّة الصحيحة عن رسوله ﷺ.
وقد رَتَّبَ الشارعُ كَثيراً مِنَ الأَذْكَارِ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ: ١ مِنْهَا أَذْكَارٌ مُرَتَّبَةٌ بِحَسَبِ الزَّمانِ، كأَذْكارِ الصَّباحِ والمَساءِ والظَّهِيرَةِ وَدُخولِ الشَّهْرِ وَرُؤْيَةِ الهِلالِ. ٢ وَمِنْها أَذْكَارٌ بِحَسَبِ المَكانِ، كأَذكارِ دخولِ المسجدِ والسّوقِ والخلاءِ. ٣ ومِنْها أَذْكارٌ في العِباداتِ، كأَذْكارِ الصَّلاةِ، والصَّومِ. ٤ وَمِنْهَا أَذْكَارٌ مُرَتَّبَةٌ للأَفْعالِ والأَحْوالِ؛ كأَذْكارِ النَّومِ، وأَذْكارِ الأَكْلِ والشُّرْبِ، وكأَذْكارٍ تُقَالُ عِنْدَ التَّطيُّرِ والتَّشاؤُمِ، وعِنْدَ الكَرْبِ والشِّدَّةِ، وعِنْدَ السَّفَرِ والنُّزولِ، وغيرها.
فضل مجالس الذكر:
إنّ أهل مجالس الذكر يباهي بهم اللهُ ملائكته وتحفّهم الملائكة؛ لقوله ﷺ: «ما من قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمَنْ عنده»(٣)، وذكر الله نعمة كبرى ومنحة عظمى به تستجلب النعم، وبمثله تُستدفع النقم، وهو حياة الأرواح، ما أشد حاجة العباد إليه، فالمسلم لا يستغني عنه بحال من الأحوال. ولا ريب أنّ القلب يصدأ كما يصدأ الحديد وجِلاؤُه بالذكر، فإنّه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تَرَكَ الذكرَ عاد له الصدأ.
١ أخرجه البخاري: كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل ذكر الله. ٢ أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل ذكر الله. ٣ أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب فضل الدعاء، وقال: حسن صحيح.
يستفاد من الحديث الشريف:
١ فضل الذكر على كلّ عمل من أعمال الخير. ٢ ذكر الله يكون بالتسبيح والحمد والتكبير والتهليل، وكل ما يندرج تحت هذا الباب. ٣ الإنفاق في سبيل الله عمل عظيم لا يصدر إلا عن نفس وُطّنت على محاربة الشحّ. ٤ الجهاد في سبيل الله فيه أقصى درجات التضحية بالنفس والنفيس. ٥ الذكرُ حياة الأرواح، وجلاء القلوب، وصفاء النفوس.
التقويم
١ أترجم لراوي الحديث الشريف. ٢ كيف يكون ذكر الله أفضل عمل صالح على الإطلاق؟ ٣ ما أفضل أنواع الذكر؟ ٤ للذكر أحوال عديدة، أذكر أربعاً منها.