شرح الموضوع
الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم
من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم إخباره عن المغيبات، وذلك برهان ساطع ودليل قاطع، على أن هذا القرآن ليس من كلام بشر، إنما هو كلام علام الغيوب، الذي لا تخفى عليه خافية.
ويمكن تقسيم أخبار الغيب في القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الإخبار عن أنباء القرون الماضية:
ويتضمن ذلك أخبار الأمم السابقة، وأخبار الرسل عليهم السلام وما جرى لهم مع أقوامهم، وهي اخبار وقصص قديمة لا يعلم تفاصيلها ودقائق أمورها إلا الله، قال تعالى بعد ذكر قصة قوم نوح وما جرى له مع قومه:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَاءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا﴾
[هود: ٤٩].
ويعد إخبار القرآن الكريم عن قصص الأنبياء والسابقين من أقوى الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله تعالى، وذلك للأسباب الآتية:
- التفاصيل والأحداث الموجودة في هذه القصص لم يكن الرسول ﷺ يعلمها لا هو ولا قومه.
- لم يعرف عن النبي ﷺ أنه قرأ التاريخ ولا تلقاه عن أحد.
- أن هذه القصص في بعض جوانبها مغايرة لما ورد في التوراة والإنجيل.
القسم الثاني: غيب الحاضر:
ويتضمن ذلك إخبار القرآن الكريم عن أمور حدثت في زمن النبي ﷺ لم يكن يعلم بها، منها: كشف حال المنافقين ومخططاتهم، وبيان مؤامرات الأعداء التي كانت تجري في الخفاء. ومن أمثلة ذلك:
- قال تعالى:
﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ﴾
[التوبة: ١٠٧]؛
نزلت هذه الآية لبيان الاتفاق الذي حصل بين واحد من زعماء المنافقين وبين الروم على بناء مسجد في المدينة المنورة، واتخاذه مقراً لهم؛ ليكون محلاً لاجتماعهم فيه، وتآمرهم على النبي ﷺ، وترقباً لمجيء جيش من الروم يساعدهم في القضاء على النبي ﷺ وأصحابه.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٣٤ ٣٥ .dJ« ʬdI« w “U−Žù« ∫WO½U¦« …bŠu«
- قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا﴾
[النساء: ٥١]؛
وذلك حين ذهب كعب بن الأشرف أحد أحبار اليهود إلى مكة المكرمة يحرض قريشاً بعد بدر على قتال النبي ﷺ، فسأله زعماء مكة: أديننا خير أم دين محمد؟ فقال: بل دينكم. مع أنهم يعبدون الأصنام ويقدسونها، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بالجبت والطاغوت.
القسم الثالث: غيب المستقبل:
ويتضمن إخبار القرآن الكريم عن أمور تحدث مستقبلاً، ولو لم يكن القرآن من عند الله ما كان محمد ﷺ ليخاطر بالإخبار عن أمور بأنها ستحدث، فإذا لم تحدث يتبين أنه مدع للرسالة وليس رسولاً، ولكن وقع الأمر كما أخبر القرآن الكريم؛ ما يدل على أنه من عند الله علام الغيوب.
ومن أمثلة ذلك:
- إخباره عن الحرب التي ستقع بين الروم والفرس، وأن الغلبة فيها للروم بعد أن هُزموا في الحرب السابقة، قال تعالى:
﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ (٢) فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾
[الروم: ٢-٥]،
وقد تحقق ما أخبر به القرآن الكريم، فانتصرت الروم على الفرس. وفي الآية بشارة للمؤمنين أنهم سينتصرون على المشركين في وقت قريب، وهو المشار إليه بقوله تعالى:
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾
[الروم: ٤-٥]،
وتحقق ما أخبر به القرآن الكريم؛ فانتصر المسلمون على المشركين في غزوة بدر. قال الزمخشري: «وهذه الآية من الآيات الشاهدة على صحة النبوة، وإن القرآن من عند الله؛ لأنها أنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله».
- الإخبار عن دخول الرسول ﷺ وأصحابه مكة آمنين مطمئنين، في حين كانت قريش هي المسيطرة عليها وتصد المسلمين عن المسجد الحرام، ولم يكن أحد من المسلمين يتوقع أن يحصل ذلك، ولكن قبل خروج الرسول ﷺ إلى الحديبية في العام السادس للهجرة رأى رؤيا مفادها: أنه هو وأصحابه قد دخلوا مكة المكرمة آمنين، وأدوا العمرة. فقصها على المسلمين ففرحوا
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٣٥ ٣٦ .dJ« ʬdI« w “U−Žù« ∫WO½U¦« …bŠu«
واستبشروا، ووقع ذلك فعلاً في العام السابع للهجرة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى:
﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾
[الفتح: ٢٧].
- الإخبار بإظهار الإسلام على جميع الأديان، وذلك في قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
[التوبة: ٣٣].
وقد تحقق هذا الوعد الإلهي فأظهر الله الإسلام على جميع الأديان، ومكّن للمسلمين في الأرض بعد أن كانوا مستضعفين، فدانت لهم جزيرة العرب في حياة النبي ﷺ، ثم استطاع الصحابة الانتصار على الفرس والروم، ولم يمض قرن من الزمان حتى اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وامتدت من المحيط الأطلسي غرباً إلى بلاد الصين شرقاً، فتحقق وعد الله وكان وعد الله مفعولاً.
- إخبار القرآن الكريم أن أبا لهب سيموت كافراً ليكون مصيره إلى النار وبئس القرار، قال تعالى:
﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾
[المسد: ٣]،
وذلك تقرير قاطع بأن أبا لهب في النار وأنه لن يهتدي إلى الحق، فكان الأمر كما أخبر القرآن الكريم؛ ما يدل على أنه من عند الله، ولو لم يكن من عنده فما الذي يحمل محمداً ﷺ على هذه المغامرة؟ وما الذي يحدث لدعوة الإسلام لو آمن أبو لهب ولو ظاهراً، بأن يقول: إنني مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ فكيف تخبر بأنني في النار، ولكن هذا لم يحدث ومات أبو لهب كافراً.
أفكر:
ما نوع الإعجاز الغيبي في قوله تعالى:
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾
[القمر: ٤٥]؟
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٣٦
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
أ ( ) يتضمن الإعجاز الغيبي الحديث عن أمور حصلت في الماضي. ب ( ) من وجوه الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم الكشف عن تآمر المنافقين مع اليهود. ج ( ) الإعجاز الغيبي موجود في جميع آيات القرآن الكريم. د ( ) من أمثلة إخبار القرآن الكريم عن غيب المستقبل قصة نوح عليه السلام مع قومه.
- أمثل من القرآن الكريم على الإعجاز الغيبي بالإخبار عن المستقبل.
- إخبار القرآن الكريم بموت أبي لهب على الكفر يعد إعجازاً غيبياً. أوضح ذلك.
الوحدة الثانية: الإعجاز في القرآن الكريم ٣٧