شرح الموضوع
التقليد (حفظ وشرح)
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً شبراً، وذراعاً بذراع». فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك؟»(١).
راوي الحديث:
أبو هريرة رضي الله عنه: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، نسبة إلى قبيلة (دوس)، صحابي جليل، كناه النبي ﷺ بأبي هريرة؛ بسبب هريرة كان يحمل لها أولادها. من الرواة المكثرين عن النبي ﷺ، وكان من أحفظ الصحابة، وكان يقول للأنصار رضي الله عنهم إذا ذكر إكثاره في الرواية عن رسول الله ﷺ: أنتم يا معشر الأنصار، لقد شغلكم الصفق في الأسواق، أما أنا فقد لازمت رسول الله ﷺ على ملء بطني.
قال عن نفسه: حضرت مجلساً للنبي ﷺ فقال فيه: «مَنْ يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه فلن ينسى شيئاً سمعه مني؟»، فبسطت برداء كانت علي. فوالذي بعثه بالحق ما نسيت منه شيئاً بعد أن سمعته منه(٢). روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين، وتوفي سنة ٥٧هـ.
تميز الأمة الإسلامية عن سواها من الأمم:
اصطفى الله -تبارك وتعالى- أمة الإسلام واختصها عن سواها من الأمم بصفات جليلة خيرة، وميزها بأمور وخلال جُدّ عظيمة، فنبيها ﷺ خاتم الأنبياء، ورسالته خاتمة الرسالات، والحجة على الناس إلى يوم القيامة، وهي خير أمة أخرجت للناس، وعقيدتها عقيدة التوحيد المنزهة عن الوثنية والشرك، والمبرأة عن النقائص والخلل. ويبقى هذا التميز حتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ آل عمران: ١١٠، وقال جل شأنه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ البقرة: ١٤، والأمة الإسلامية بتميزها لا تذوب في سواها من الأمم، ولا تقلد غيرها من الشعوب والمجتمعات فيما يتناقض ويتعارض مع العقيدة الحقة أو تعاليم الإسلام، وشريعته الغراء، وقيمه الفاضلة. وأخلاقه الرفيعة، وبذلك يبقى المسلم شامخاً بين الأمم، ومميزاً بعقيدته وسلوكه وأخلاقه وقيمه، وتبقى الأمة الإسلامية منارة هداية ورشاد وسط شعوب الأرض ومجتمعاتها، قال ﷺ: «لا تكونوا إمّعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا»(١).
صِدْقُ النبوة:
كان عهد الرسول ﷺ وعهد صحابته الكرام عهد الأصالة والتميز في الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة وفكراً وسلوكاً، قال ﷺ: «خَيْرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته»(٢).
وفي حديث الدرس يخبر النبي ﷺ عن واقع وسلوك سيكون لأمة الإسلام فيما يُستقبل من الزمان؛ حيث سيعتريها تغير وتحوّل، وسيدخل عليها ما ليس من جنس عقيدتها، أو ثقافتها، أو أخلاقها، وسُتبلى بداء تقليد أمم سابقة كان لها نفوذ وسطوة ومكانة؛ فتأخذ منها وتتشبه بها في أمور حياتها، أو كثير منها، حتى لو دخلوا جُحر ضب لدخلته الأمة الإسلامية، أو حاولت دخوله، وفي ذكر جحر الضب كناية ومجاز عن شدة التقليد، وإلا فإن دخول الآدمي لجحر ضب ممتنع عقلاً، وفي ذلك إشارة -أيضاً- إلى المكانة والنفوذ الذي سيكون لتلك الأمم في نفوس أبناء الأمة الإسلامية.
ولو نظرنا إلى حال أمتنا اليوم لرأينا ذلك حقيقة ماثلة، حيث تركت الأمة الإسلامية الشريعة الغراء في مجالات كثيرة على رأسها التقنين، وتنظيم أمور حياتها ومعاشها. فالحكم بما أنزل الله قد استُبدل بنظم وقوانين وضعية، وغُيبت الشريعة عن واقع الناس قانوناً ونظاماً، وحلّت الأفكار الدخيلة؛ كالقومية، والبعثية، والشيوعية، والرأسمالية بديلاً عن الفكر والثقافة الإسلامية، ولم يكن ذلك إلا تقليداً لما ظهر في الغرب في فترة ظهور القوميات والشيوعية والاشتراكية، أو ظهور النظام الرأسمالي.
كما سلكت الأمة مسلكاً خطيراً في تقليد الغرب في بعض السلوكيات التي تتناقض وتتعارض مع الإسلام، ومن ذلك خروج المرأة المسلمة سافرة متبرجة مقلدة بذلك المرأة في الغرب. وكل ذلك مصداق للحديث النبوي الشريف الذي ينبئنا بوقوعه قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان.
الهدي النبوي في الحديث:
جاء في رواية هذا الحديث قوله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً شبراً، وذراعاً بذراع».
وجاء في رواية أخرى: «لتتبعن سنن مَنْ كان قبلكم شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً، حتى لو دخلوا جُحر ضب تبعتموهم: قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟»(١)
يخبر النبي ﷺ أن الساعة لن تقوم حتى يأتي على الأمة الإسلامية زمان تُقلّد فيه فارس والروم؛ لكونهم إذ ذاك أكبر ملوك الأرض وأكثرهم رعية وأوسعهم بلاداً، أو اليهود والنصارى. وفي هذا دلالة على أن اليهود والنصارى سيكون لهم صولة وجولة وقوة ونفوذ، لدرجة أن الأمة الإسلامية ستقلّد هؤلاء الناس في حياتهم وسلوكهم. وفي هذا إشارة إلى ضعف دور الأمة الإسلامية في مثل هذه الأزمنة، فطبائع الشعوب أن يقلّد فيها المغلوب الغالب، والمهزوم يقلّد المنتصر، وأن الأمة الإسلامية ستصاب بهذا المرض، وتأخذ بأخذ القرون من قبل؛ أي تفعل فعلهم وتسلك سلوكهم.
المقبول والمرفوض من التقليد:
إن تقليد الأمم الأخرى له جوانب ووجوه متعددة، وقبول التقليد أو رفضه في تلك الجوانب يعتمد على موافقتها للإسلام وأحكامه، أو عدم موافقتها، وما يرتبط بذلك من مصالح مشروعة أو مفاسد مرفوضة، ولذلك فإن التقليد فيما أباحه الشرع مقبول سواء أكان في مجال الصناعات والابتكارات، والنظم الهندسية في البناء، أم العلوم المتنوعة والمهارات، بل حتى في الأكل والشرب واللباس وأنواع الزينة، أو غير ذلك من أمور الدنيا.
ما يستفاد من الحديث:
يستنبط من الحديث إرشادات تربوية وفقهية كثيرة، منها:
- تميز أمة الإسلام عن غيرها من الأمم.
- المسلم لا يكون إمّعة، يصنع ما يصنعه غيره من خير أو شر، بل يفعل الخير ويتجنب الشر في كل أحواله.
- في الحديث دلالة واضحة على صدق النبوة والرسالة.
- لا يجوز للمسلم أن يقلد غير المسلمين فيما يتعارض وأحكام دينه الحنيف.
التقويم
- أكمل الحديث الشريف: «لا تقوم الساعة . . . . . . . . . . الحديث».
- أُعرّف براوي الحديث الشريف.
- بم خص الله تبارك وتعالى أمة الإسلام عن سواها من الأمم؟
- أُبيّن دلالة قول الرسول ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً شبراً، وذراعاً بذراع» على صدق النبوة والرسالة.
- أُبيّن المقبول من المرفوض في تقليد الأمم.
- أذكر ثلاثة إرشادات يدل عليها الحديث النبوي السابق.