شرح الموضوع
الاجتهاد (٢) (حفظ وشرح)
تعرفنا في الدرس السابق إلى أهمية الاجتهاد وفضله، وفي هذا الدرس بيان لِمَن يحق له الاجتهاد ومن لا يحق، وذكر لبعض ضوابط الاجتهاد وشروطه.
أتعلم:
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه انه سمع رسول الله ﷺ، يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»(١).
مَنْ يحق له الاجتهاد؟
للاجتهاد مرتبة عظيمة، وغاية جليلة، فلا يُتْرَك لِمَنْ هَبَّ ودب، أو لكل من تَحَصَّل له شيء من علم في جانب أو جوانب من المعرفة، بل هناك شروط وضوابط وضعها علماء الإسلام وفقهاؤه، فمن استطاع أن يصل إلى رتبة الاجتهاد، وتوافرت فيه الشروط المطلوبة في المجتهد جاز له أن يجتهد ويفتي في المسائل المستجدة والنوازل المعاصرة، ومَنْ لم تتوافر فيه الشروط ولم يستطع تحقيقها لا يصح له الاجتهاد في دين الله؛ لأن المجتهد يفتي ويحكم بالحلال والحرام، وهذا لا يتأتى إلا بفقه وعلم مكين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ النحل: ١١٦؛ فالذي يفتي بالحلال والحرام دونما علم هو كاذب على الله ومفتر، وحسابه عند الله شديد.
شروط المجتهد:
هناك شروط وضعها العلماء والفقهاء لا بد من أن تتوفر في المجتهد حتى يصح له الاجتهاد في دين الله، وهي:
أولاً: العلم بكتاب الله الكريم:
لا بد للمجتهد أن يحيط علماً بآيات الأحكام بشكل خاص، وبآيات القرآن العظيم على وجه الإجمال والعموم، فالقرآن الكريم هو المصدر الأساسي للتشريع، فلا يقبل مِمَّن تصدى للاجتهاد أن يكون جاهلاً. بآياته، وما فيها من معان ودلالات، وفهم القرآن الكريم يقتضي معرفة الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، ومعرفة أسباب النزول. قال الشافعي -رحمه الله- فيما رواه عنه الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه: «ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله؛ بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما اريد به، وفيم أنزل».
ثانياً: العلم بالسنة النبوية الشريفة:
والمقصود بالسنة هنا: ما جاء عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. ولا يُشترط الإلمام بكل ما ورد من السنة النبوية والأحاديث الشريفة، ولكن أن يكون ملماً بأحاديث الأحكام والتي يُبنى عليها الحلال والحرام، والجائز والمحظور، والناسخ والمنسوخ منها. قال الإمام الغزالي -رحمه الله- : «وأما السنة فلا بد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام».
ثالثاً: العلم بالعربية:
لا بد للمجتهد أن يُلِمَّ بعلوم العربية، من نحو وبلاغة وغير ذلك ما يؤهله لفهم الخطاب الشرعي ومدلولاته، وخطاب العرب وطرائق استعمالهم للغة، ولا يشترط التخصص الدقيق في علم اللغة.
رابعاً: العدالة والتقوى:
وهما وصفان لا بد منهما فيمن تُقبل فتواه، وتظهر عدالة المجتهد وتقواه من خلال ما يظهر من سلوكه والتزامه بأحكام الدين الحنيف.
خامساً: العلم بمواضع الإجماع:
يلزم المجتهد أن يكون عارفاً بمواضع إجماع فقهاء الأمة؛ كي لا يفتي في مسألة من المسائل بخلاف ما اجمع عليه العلماء فيها.
سادساً: العلم بأصول الفقه:
هذا العلم هو الناظم والمرتّب والأصل الذي يُعتمدُ عليه في طرق الاستنباط، والنظر في الأدلة، وكيفية الاستدلال بالنصوص من كتاب وسنة وإجماع وقياس على القضية الفقهية المراد إصدار الحكم فيها. يقول العلامة الفخر الرازي: إن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه.
سابعاً: العلم بمقاصد الشريعة:
من تصدى للاجتهاد لا بد له من معرفة مقاصد الشريعة، والتمييز بين الضرورات والحاجات والتحسينات، وهذا ما كان عليه السلف الصالح -رحمهم الله- : إذ عدّوا مقاصد الشريعة الإسلامية الأساس في فتاويهم، ونظروا إليها نظرةً دقيقةً حين صدور الفتوى المقصودة.
أتعلم:
- الضرورات : ما لابد منه لصلاح حياة المسلم في دينه ودنياه، وتتمثل في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.
- الحاجيات : ما يحتاجه المسلم للتوسعة ورفع المشقة والحرج.
- التحسينات : المصالح التي يقصد بها الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق.
حكم الاجتهاد:
يُعدُّ الاجتهاد فرض كفاية، فلا يجوز أن يخلوَ عصرٌ أو زمن من مجتهدين أو مجتهد واحد الأقل، فإن خلا المجتمع المسلم من ذلك أثِمَتِ الأمة كلها. ويرتفع الإثم في حال تحقُّق الكفاية بتوفر مجتهد واحد أو مجموعة من المجتهدين.
مراتب الاجتهاد:
للاجتهاد مراتب ودرجات متفاوتة نجملها في الآتي:
أ- المجتهد المطلق
هو العالم أو الفقيه المتبحر في علوم الشريعة الإسلامية، ويُفتي في كل ما يعرض عليه من مسائل وقضايا، ولا يحصر نفسه في مذهب محدد. ولا يقيد نفسه بأصول إمام من الأئمة المجتهدين، سواء أكانَ من الأئمة الأربعة ام مَنْ كان في مستواهم وقدراتهم في الفقه والفهم والقدرة على الاستنباط والإحاطة بالأدلة الشرعية وآيات وأحاديث الأحكام، وعلى هذه المرتبة من الاجتهاد علماء كثر منهم: الليث بن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي، وغيرهم.
ب- مجتهد المذهب
وهو الذي يلتزم في اجتهاداته مذهباً فقهياً محدداً، يلتزم طريقه وأصوله في النظر والاجتهاد وطرائق الاستدلال ولا يخرج عنه؛ كالأئمة من اتباع الفقهاء الأربعة، أمثال: محمد بن الحسن الشيباني، وزُفَرَ في المذهب الحنفي، والمُزَني والإمام النووي في المذهب الشافعي، وغيرهم من أتباع الأئمة.
جـ- مجتهد مسألة:
هو العالم الذي يجتهد في مسألة معينة لا يجتهد في سواها يجمع لها الأدلة التي في بابها، وينظر فيها سواءً أكانت من الكتاب، أم من السنة، أم من القياس؛ فيحقق هذه المسألة ويجتهد فيها، ويعطي فيها حكماً معيناً، ويفتي فيها بما اوصله رايه واجتهاده.
التقويم
- هل يحق الاجتهاد لكل من أراد؟ ولماذا؟
- أذكر الشروط والضوابط الواجب توافرها في المجتهد.
- ما الحكم الشرعي في الاجتهاد؟
- أفرق بين المجتهد المطلق ومجتهد المذهب.