شرح الموضوع
دعوة الإسلام إلى اليسر والتبشير (٢)
تكلمنا في الدرس السابق عن دعوة الإسلام إلى التيسير على الناس والرحمة بهم، وفي الدرس نتكلم عن حكم المسكرات في الإسلام.
أتذكر:
حديث أبي بردة رضي الله عنه عندما قال: بعث النبي ﷺ أبي ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا، فقال له أبو موسى: إنه يصنع في أرضنا البتع؟ فقال: كل مُسكر حرام»(١).
«كل مُسكر حرام»:
ورد في سياق الحديث سؤال عن «البتع» فأجاب الرسول ﷺ: «كل مُسكر حرام». والبتع: هو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يُكثرون من شربه. ومعلومٌ أن الخمر تتنوع مصادره، فهو يصنع من العنب والنخيل والشعير والعسل . . . إلخ. لذلك جاء جواب الرسول ﷺ عاماً حتى يشمل التحريم البتع وغيره من المسكرات، فأصبح قوله ﷺ: «كل مُسكر حرام» قاعدة يُرجع إليها في تحريم كل مُسكر.
سبب تحريم الخمر:
جاءت الشريعة الإسلامية لتحافظ على مصالح الناس الضرورية منها والحاجية والتحسينية، وقد جاء تحريم الخمر في سياق حفظ الضرورات، والمتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، والعلة في تحريم الخمر، فمع السكر يذهب العقل -الذي هو مناط التكليف- وإذا تعطل عقل الإنسان ساء تصرفه، فلا يرتدع حينئذ عن التلفظ بالمشين من الأقوال، وممارسة المنكر من الأعمال، فيستهين بحرمة الدين، وقد يعتدي على الأعراض ويرتكب الجرائم، ويقع في المحظورات.
١ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأحكام، باب أمر ولي الأمر إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا. وفي الإدمان على الخمر أضرار تشمل جوانب متعددة من الحياة، منها: أولاً: الجانب الاقتصادي: إن الإدمان على الخمور يستنزف ميزانية الشخص، ويضطره إلى إنفاق مبالغ طائلة على حساب حاجاته الأساسية، وقد نهى الإسلام عن إهدار المال وإضاعته فيما لا ينفع، فكيف يكون الحال فيما ثبت ضرره وتأكد خطره؟ وفي الإدمان إهدار للمال على مستوى الدول، حيث تنفق المليارات على هذا المشروب الخبيث، سواء من أجل شرائه أو بشكل غير مباشر في علاج ما سببه الخمر من أمراض الإنسان. ثانياً: الجانب الاجتماعي: يؤدي شرب الخمور والإدمان عليها إلى تفكيك الأسر، وزيادة حالات الطلاق، وتشرد الأطفال، والعنف الأسري، ويؤدي إلى ازدياد الجرائم بشكل كبير؛ كالقتل والسرقة والاغتصاب، وحوادث السير التي تحصد أرواح الناس، وتسبب الكثير من الإصابات والإعاقات. أضف إلى ذلك أن أعداء الأمة يستخدمون الخمر والمخدرات للإيقاع بشباب الأمة وغمسهم في حبائل الرذيلة والسقوط. ثالثاً: الجانب الصحي: حيث إن خطر الخمور لا يُنكره عاقل، وتشير الدراسات الطبية إلى أن الخمر سبب رئيس في تشمع الكبد القاتل، واعتلال عضلة القلب، والتسمم الكحولي، وحدوث آلام في الجهاز الهضمي، وفقدان الشهية، والضعف الجنسي، وتصلب الشرايين والأنسجة. . . والكثير من الأمراض التي يصعب حصرها في هذا المقام. ومعلوم من الدين بالضرورة أن الإسلام لا يقبل الضرر، قال ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»(١). ولما يترتب على الخمر من ضرر نجد أن دولاً مثل الولايات المتحدة الأمريكية تُسن قانوناً في عام ١٩٣٠م يمنع تناول الخمور وتداولها بيعاً وشراءً، ويعاقب على ذلك، إلا أن غياب الوازع الديني وقدرة الناس على التفلت من القانون جعلهم يُلغون هذا الحظر في عام ١٩٣٣م.
الأدلة على تحريم الخمر:
تحريم الخمر من الأحكام القطعية؛ فقد ثبت تحريمها بالكتاب والسنة وإجماع العلماء، ومن ذلك: ١ قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة: ٩٠.
١ أخرجه الإمام مالك في الموطأ: كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق. ٢ قوله ﷺ: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه»(١).
عقوبة شارب الخمر:
لا نجد آية في القرآن الكريم أو حديثاً للنبي ﷺ يحدد عقوبة شارب الخمر، والوارد في الأحاديث هو ذكر العقوبة دون تحديد لمقدارها، والذي عليه جمهور الفقهاء أن حد شارب الخمر هو الجلد ثمانون جلدة، حيث ظهر من كلام الإمام علي رضي الله عنه في تشاور مع الصحابة رضي الله عنهم قياس شرب الخمر على حد القذف، حيث قال: «إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون»(٢)، فأخذ عمر رضي الله عنه بهذا القول ولم ينكر عليه أحد.
أحكام فقهية تتعلق بالخمر:
١ يحرم تناول الكمية القليلة من الخمر وإن لم يؤدِّ إلى الإسكار؛ لقوله ﷺ: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام»(٣). ٢ تحرُم كل أشكال التعامل المتصل بالخمر، ولا يقتصر الأمر على شاربها، بل يحرم بيعها وشراؤها والاتجار بها ولو مع غير المسلمين، فلا يحل لمسلم أن يستورد الخمر أو يصدرها أو يصنعها أو ينقلها . . . إلخ. ٣ يحرم بيع العنب لِمَن يتخذه خمراً. ٤ يجب على المسلم مقاطعة مجالس الخمر، ومجالسة شاربيها، وعدم ارتياد الأماكن التي تقدمها، ففي الحديث: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعد على مائدة يدار عليها بالخمر»(٤)، وقد روي عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كان يجلد شاربي الخمر ومَن شهد مجلسهم وإن لم يشرب معهم. ٥ لا يجوز استخدام الخمر كدواء، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وسأله عن الخمر فنهاه عنها، فقال الرجل: إنما أصنعها للدواء، فقال ﷺ: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء»(٥).
١ أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، قال الألباني صحيح. ٢ أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، قال الألباني صحيح. ٣ أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام، وقال: حديث حسن غريب. ٤ أخرجه أحمد في مسنده: مسند عمر بن الخطاب، وصححه الألباني. ٥ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر.
التقويم
١ أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي: ( ) البتع هو نبيذ العنب. ( ) الضرورات هي حفظ الدين والمال والعقل والنفس والنسل. ( ) يجوز الجلوس في مجلس يشرب فيه الخمر إذا التزم الجالس بعدم الشرب. ( ) يحرم الإسلام خمر الكثير وقليله. ٢ أذكر حكمتين لتحريم الخمر في الإسلام. ٣ أبين الضرر الاجتماعي والصحي الذي يسببه شرب الخمور. ٤ أوضح عقوبة شارب الخمر في الشريعة الإسلامية. ٥ أعلل ما يأتي:
- أ. حرّم الإسلام كل مسكر.
- ب. ألغت الولايات المتحدة الأمريكية حظر الخمور بعد مدة قصيرة من إقراره.