شرح الموضوع
الساعي على الأرملة والمسكين
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: - «وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر»(١).
شرح الحديث:
هذا حديث عظيم من أحاديث رسول الله ﷺ ورد بروايات كثيرة صحيحة، وفي هذه الرواية شك القعنبي فقال: أحسبه قال. أما الرواة الآخرون فقد ذكروا الحديث دون شك: «القائم الذي لا يفتر، والصائم الذي لا يفطر»، وهذا يدل على دقة الرواة وورعهم. ويلفت الحديث الشريف النظر للضعفاء والمساكين، ومَن في حكمهم مِمَّن انقطعت بهم السبل، وابتلوا بالفقر وقلة المال، أو بفقد السند والمعين والأنيس من زوج وابن وأخ وغيرهم، وبين أن هؤلاء بحاجة للمساعدة والمعاضدة من الجسد الواحد من إخوتهم وأخواتهم الذين عافاهم الله من البلاء، لقول رسول الله ﷺ: «مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»(٢).
قوله ﷺ: الساعي على الأرملة والمسكين
الساعي: هو الذي يعمل ويجد السير في الأرض ابتغاء الرزق الحلال، فينفقه على نفسه وعياله، ويخصص منه جزءاً لِمَن ضاقت بهم سبل العيش، شكراً لله على ما أعطاه وتفضّل به عليه. وفي التعبير بلفظ «السعي على الأرملة» دعوة لتربية النفس وتوطينها على تولي أمر أمثال هذه الأرامل والمحتاجين والاستمرار في إعالتهم وإعانتهم، وتوفير العيش الكريم لهم؛ ومن مستلزمات ذلك تأسيس مورد رزق لهم يعمل على إعالتهم وتنمية أموالهم بشكل مستمر، مع تكوين رأي عام في المجتمع يقوم بتلك المهمة أيضاً، ويدخل في باب السعي رعاية مصالحهم وتنمية أموالهم بأمانة ونزاهة، خاصة النساء والأيتام الذين مات معيلهم، وترك لهم مالاً لا يستطيعون بمفردهم تنميته.
١ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم ٢٥٨٠.
أجر الساعي على الأرملة والمسكين:
بيّن الحديث الشريف الأجر العظيم للساعي على الأرملة والمسكين، فجعل له ثلاثة أصناف من الأجر: الأول: أجر المجاهد في سبيل الله: وذلك لأن المال شقيق الروح، و في بذله مخالفة للنفس وطلب للجنة، فكما أن المجاهد في سبيل الله خرج من ماله وترك أهله ووطنه، وغالب نفسه الأمارة بالسوء ليحمي حمى الأمة والوطن ويحفظ الأمن الخارجي، فكذلك مَن أنفق في سبيل الله وسعى في خدمة الضعفاء والمساكين، فهو بذلك يحفظ الأمن الداخلي للمجتمع؛ فالمتفق والساعي على الأرملة والمسكين ومَن في حكمهم قدم لهؤلاء الحماية من الاستغلال تحت وطاة الفقر، وساعد على حماية قيم المحتاجين وأخلاقهم من أن يُستغلوا مقابل دريهمات تقدم لهم من المتربصين.
الثاني: أجر القائم الذي لا يفتر: هو ذاك العابد الخاشع الذي يتجافى بجنبه عن المضجع، فلا تغفو عينه عن قيام الليل والتهجد والذكر، إنه المؤمن الذي يطيل الركوع والسجود وقراءة القرآن والبكاء من فرط الخشوع في ظلمة الليل، إنه في طاعة عظيمة لله ومجاهدة للنفس لا يقدر عليها إلا أولو العزم، ومع هذا فإن القائم على رعاية الأرامل والمساكين ومَن في حكمهم يساوي في الأجر كل هذا القيام الطويل. وفي هذا الحديث توجيه إلى أن رعاية فرد واحد من أبناء الأمة يعدل كل طاعات لا تتعدى نفس صاحبها إلى سلوك عملي للمجتمع، فعلى قائم الليل أن يستشعر أن في الأمة مَن يعاني من الحرمان والفقر ويقاسي حر الصيف و برد الشتاء، وأن على مَن يصوم الدهر تطوعاً أن يستشعر ملايين الجوعى من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب؛ فيترجم جوعه وعطشه بإطعام محتاجي هذه الأمة وسقايتهم، فقد اعتبر القرآن الكريم ذلك نوعاً من إحياء النفوس، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} المائدة: ٣٢. الثالث: أجر الصائم الذي لا يفتر: فيه لفت نظر لصاحب همة عظيمة في الطاعة قل نظيرها، وإنّ طاعة بهذا المستوى لهي طاعة ثقيلة على النفس لا يقوى عليها إلا أصحاب الهمم العالية والعزائم القوية والإيمان الراسخ، ومع هذا فكل إنسان رعى وساعد ضَعَفَة الأمة من مساكين وأرامل وغيرهم يساوي في الأجر صاحب هذه العبادة العظيمة. والأرملة لغةً: من الإرمال وهو الفقر، نقول: أرمل الرجل: إذا فني زاده، والأرامل: المساكين من رجال ونساء، وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالاً. والأرملة اصطلاحاً: هي المرأة التي مات زوجها، حيث يصيبها الإرمال وذهاب الزاد بفقد الزوج، الذي هو في العادة مَن يأتي بالمال ويقوم بالنفقة. وبدأ الحديث الشريف بالأرملة؛ لأنها أكثر تضرراً في حال الإرمال، حيث الجمل الثقيل لما ترك لها الزوج من الأبناء والبنات، وما يتبع ذلك من صعوبة وحرج في الخروج لطلب الرزق، وما قد يصاحب ذلك من استغلال للحاجة والضعف، ومساومة على الرزق، فقد تُساوَم عن نفسها ودينها من أجل لقمة العيش، خاصة إن كانت صغيرة السن، لهذا كانت رعايتها والسعي في قضاء حاجتها مُقدَّمةً على رعاية المسكين ومَن كان في حكمه. ففي ذلك حماية لها ولأبنائها؛ فتتفرغ لتربيتهم والقيام على شؤونهم، فمن المعلوم أن الأبناء الذين يفقدون والدهم تصعب تربيتهم واستقامتهم في الغالب، فكيف إذا انشغلت الأم عنهم بتحصيل الرزق؟ ففي هذه الحالة يصبح المصاب مصابين: فقد الأب والمعيل والمربي، ثم التشتت والضياع المترتب على خروج الأم وغيابها للعمل وتحصيل الرزق.
قوله: (والمسكين):
المسكين: هو الفقير؛ لأن المصطلحين معناهما واحد إنفردا؛ فالفقير مسكين والمسكين فقير، في حين يختلف المعنى إذا اجتمعا في سياق واحد، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} التوبة: ٦٠، مع الاتفاق على أنهما محتاجان؛ لذا اختلف العلماء في أيهما أشد حاجة؛ ولكل منهم دليله. وخلاصة القول: إن المسكين هو الذي لا يملك قوت يومه، أو يملك قوت يومه ولكن لا يكفيه، أو الذي لا يملك شيئاً ولا يسأل الناس، وهذا هو التعريف المشهور بحسب ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي يطوف على الناس؛ فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان»، قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يجد غنىً يُغنيه، ولا يُفطَن له فيُصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً»(١)، وبذلك يظهر أن المقصود بالمسكين كل محتاج، فيدخل في حكمه الفقير وكل مَن يعوز كاسر الشهداء والأسرى والمعاقين والجرحى وكل مَن يشبههم من الذين لا يكفي ما يجمعونه لإعاشتهم. وهذا ينطبق على شريحة كبيرة من الناس في بلادنا وخارجها. والمطلوب مِمَّن فتح الله عليه أبواب الرزق وأعطاه مِمَّا عنده أن يتكفل بإعالة هؤلاء الضَّعَفَة ومَن في
١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى. لذا فإننا نحذّر من أن تقوم بعض الجمعيات والمؤسسات والنوادي تحت شعار الأعمال الخيرية على استغلال حاجة المساكين والفقراء وأبناء الشهداء والأسرى والجرحى والمعاقين، وأن تتغلغل في بيوتهم وأفكارهم، محاولة حرفهم عن عقيدتهم ودينهم وسلوكهم القويم؛ لذا فإنه يتحتم على أغنياء هذا الوطن -وهم كُثر- أن يتبنوا هذه الشريحة الكبيرة من الفقراء والمحتاجين والأرامل والمساكين، ويوفروا لهم الحياة الكريمة.
يستفاد من الحديث:
١ الاهتمام بالأرامل يترتب عليه عظيم الأجر. ٢ ضرورة سد حاجات الفقراء والمساكين. ٣ العمل في خدمة ضعفاء الأمة يساوي الجهاد في سبيل الله وقيام الليل وصيام النهار. ٤ المحتاجون هم الثغرة التي يمكن زعزعة المجتمع من خلالها في حال استغلال عوزهم.
التقويم
١ أكتب حديث رسول الله ﷺ: «الساعي على الأرملة . . . . . . . . . . الحديث». ٢ أختار رمز الإجابة الصحيحة فيما يأتي: ١ يتفق الفقير والمسكين في أن كلاً منهما:
- أ. قادر على العمل.
- ب. عاجز عن العمل.
- ج. محتاج للمساعدة.
٢ أجر الساعي على الأرملة والمسكين:
- أ. أكبر من أجر المجاهد في سبيل الله.
- ب. أكبر من أجر الصائم القائم.
- ج. مساوٍ لأجر المجاهد في سبيل الله والصائم القائم.
٣ أبين المعنى اللغوي والاصطلاحي لكل من: الأرملة، المسكين، الفقير. ٤ أعلل ما يأتي:
- أ. ورود عبارة: (وأحسبه قال) في الحديث.
- ب. تقديم رعاية الأرملة على المسكين في الحديث الشريف.
٥ أشرح قول الرسول ﷺ: «كالقائم لا يفتر». ٦ أعدد ثلاثة دروس مستفادة من الحديث الشريف السابق.