شرح الموضوع
ذوو الاحتياجات الخاصة
روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: «رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلاً على مَن دونه، فقال النبي ﷺ: «هل تُنصرون إلا بضعفائكم»(١).
راوي الحديث:
سعد بن أبي وقاص الزهري: أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومَن السابقين الأولين، وشهد بدراً، وأحد الستة من أهل الشورى المكلفين من عمر بن الخطاب رضي الله عنه لاختيار خليفة بعده، هو أول مَن رمى بسهم في سبيل الله، يُعتبر من أخوال النبي ﷺ، وما جَمَع رسول الله ﷺ أبويه لأحد قبله حين قال له: ارم فداك أبي وأمي، كان مستجاب الدعوة، توفي بالعقيق -على بُعد سبعة أميال من المدينة- سنة خمس وخمسين للهجرة، وابنه مصعب الذي روى الحديث يعتبر من التابعين.
أتعلم:
مصطلح «ذوو الاحتياجات الخاصة» لا يقتصر على مَن عنده إعاقة في جسمه، بل يشمل المتفوقين والمبدعين، وقد اقتصر الحديث في الدرس على أصحاب الإعاقات والضعفاء، لأن حاجتهم للرعاية أكثر.
شرح الحديث:
نتناول في هذا الدرس فئةً كبيرةً من الناس ابتلاهم الله عز وجل بابتلاءات متنوعة في أجسادهم أو عقولهم، وهم مَن يُطلق عليهم ذوو الاحتياجات الخاصة أو المعاقون، ويطلق على هذه الفئة في غالب الأحيان أصحاب الإعاقة، فماذا نفهم من هذا المصطلح؟ عُرِّفت الإعاقة بأنها: إصابة الشخص بعجز كلي أو جزئي، خَلَقي أو غير خَلَقي، وبشكل مستقر في أي مَن حواسه أو قدراته الجسدية أو النفسية أو العقلية إلى المدى الذي يحد من إمكانية تلبية متطلبات حياته العادية في ظروف أمثاله من غير المعاقين.
١ أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب مَن استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، ورد بروايتين: مرسلة ومتصلة. فهؤلاء بحاجة للرعاية والإحسان للتخفيف من مصابهم، ومساعدتهم على التعامل الإيجابي مع ابتلائهم، والإفادة مِمَّا قد يقدمه بعضهم للمجتمع والأمة. إن العناية بهؤلاء والقيام بأمرهم من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثبتت الأمة جمعاء، وهؤلاء الناس يعانون من ضعف أو بطء في مسايرة أقرانهم من الأصحاء. وغالباً فإن الحروب والفقر وزواج الأقارب من أهم أسباب الإصابة بالإعاقة.
صور الإعاقة المذكورة في القرآن الكريم والسنة المطهرة:
لقد ذكر القرآن الكريم والسنة صوراً عديدة للإعاقة تتمثل في الآتي: ١ الصمم والبكم والعمى في قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} البقرة: ١٨. ٢ العرج في قوله تعالى: {وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ} النور: ٦١. ٣ البرص في قوله تعالى: {وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} المائدة: ١١٠، ويُقصد بالأكمه: الذي يولد أعمى. ٤ الإعاقات العقلية، كقوله ﷺ: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق»(١).
رعاية الإسلام للمعاقين:
بلغت عناية الإسلام بالمعاقين حداً سامياً، ولا أدل على ذلك من قصة الصحابي الجليل ابن أم مكتوم رضي الله عنه الذي نزلت فيه الآيات الكريمة: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} عبس: ١-٢، مع أنَّ هذا الأعمى لم يَرَ عبوس رسول الله ﷺ في وجهه، ورغم ذلك عاتبه ربه عتاباً شديداً لإعراضه عن هذا الأعمى؛ لأن قضاء حوائج أصحاب الإعاقة مُقدم على قضاء حوائج الأصحاء، إنها آياتٌ تهز الوجدان وتبكي القلوب والعقول، وتلفت النظر لكرامة هؤلاء عند خالقهم سبحانه، لذا كان
١ أخرجه ابن ماجه: كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، وقال الألباني: صحيح. رسول الله ﷺ حين يلقاه ابن أم مكتوم بعد تلك الحادثة يفرش له عباءته ويقول له: أهلاً بِمَن عاتبني فيه ربي، وقد ورد عنه ﷺ قوله: «أبغوني الضعيف، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم»(١)، ومعنى الحديث: اطلبوا لي الضعيف، وفي طلبه غاية الإكرام له واحترامه وتقريبه من الرسول ﷺ والمؤمنين، لقد كان رسول الله ﷺ يتيمن بضعفاء المهاجرين في القتال فقال: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم»(٢). قال العلماء: الضعفاء أشد إخلاصاً في الدعاء، وأكثر خشوعاً في العبادة خلو قلوبهم من التعلق بزخارف الدنيا، فالضعيف إذا رأى عجزه تبراً من الحول والقوة، واستعان بالله بخلاف القوي الذي تعجبه نفسه حين يراها قويةً، لقد أسست هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة مبدأ احترام المعاق، وجعلت ذلك قيمة دينية كبرى في ثقافتنا. فقد حرّم الإسلام احتقارهم والاستهزاء بهم بسبب بلائهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} الحجرات: ١١، ولا يحل أن نجعل ما أصابهم سبباً للتندر أو التقليل من شأنهم، بل علمنا أن نحمد الله الذي عافانا مما ابتلاهم به، مع إيماننا أنه قادر وحده على شفائهم وابتلاء الأصحاء، فالكل خاضع لمشيئة الله، ضعيفٌ أمام قدرته وجبروته.
اهتمام الإسلام بأصحاب الإعاقات:
١ قول الرسول ﷺ فيما يرويه عن ربه في حق الأعمى: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة، يريد عينيه»(٣). ٢ استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة مرتين مع أنه أعمى، وكان أيضاً مؤذن رسول الله ﷺ. ٣ كان المسلمون إذا غزوا زمناهم (أي أصحاب الأمراض المزمنة والمعاقين)، وكانوا يسلمونهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا. ٤ كان الرسول ﷺ يأتيهم في بيوتهم يصلي فيها بناءً على رغبتهم. وكذلك دعا النبي للمرأة التي كانت تصرع بالجنة، وخيرها بين الجنة والشفاء فاختارت الجنة. ٥ كرّم الله أهل البلاء بأن خفف عنهم بعض الالتزامات الشرعية، فرفع عن الأعمى التكليف الذي يشترط فيه البصر، ورفع عن الأعرج التكليف الذي يشترط فيه المشي، وكذلك رفع عن المريض ما لا يستطيعه؛ فالحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} النور: ٦١.
١ أخرجه النسائي: كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف، قال الألباني: صحيح. ٢ أخرجه النسائي: كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف، قال الألباني: صحيح. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المرضى. ٦ كفل الإسلام حفظ حقوقهم، وفرض على ولاة الأمور تأمين الكفاية المعيشية لهم، في حين كان نظراؤهم في أوروبا يكافؤون بقتلهم؛ لأنه لا فائدة تُرجى منهم. ٧ أوجب الإسلام رعاية المعاق وتقديمه على إخوته الأصحاء؛ فأجاز العلماء تمييزه في العطية أو الوصية له في الميراث مراعاة لحاله ومساعدة له في الاندماج.
عناية سلف الأمة ومسؤوليها بالمعاقين:
إن تاريخنا الإسلامي ليحفل بصور مشرقة في رعاية هؤلاء لم تسبقهم إليها أي أمة من الأمم، حيث اعتبروا معدمين وعالة على الدولة، ولأن إصابتهم بقضاء الله وقدره، فقد تحملت الدولة الإسلامية على مدى الزمان أعباء حاجاتهم وعاملتهم برفق، فجعلت جزءاً مقدراً من ريع الأوقاف يُصرف على المقعدين والعجزة والمكفوفين وأمثالهم من أصحاب الإعاقات، ومن الأمثلة على ذلك: ١ في عهد عمر بن عبد العزيز قام بإحصاء المعاقين، وجعل لكل نوع من أنواع الإعاقات موظفين يقومون على خدمتهم ورعايتهم، فجعل لكل أعمى قائداً ولكل مقعد خادماً يقوم على تنظيفه ومساعدته. وفي عهد الوليد بن عبد الملك أنشأ لهم المستشفيات ووظف فيها الأطباء، وكان يعطي العميان رواتب. ٢ اعتنى أسلافنا بذوي الإعاقات العقلية (المجانين والمعتوهين)؛ ففتحوا لهم المشافي ودور الرعاية ووظفوا لهم مَن ينظفهم ويُلبسهم، ويُسمعهم القرآن. ٣ بروز نماذج من هؤلاء من الصحابة والقادة والأدباء والخلفاء تميزوا على غيرهم من الأصحاء، ومنهم:
- الصحابي عمران بن الحصين رضي الله عنه الذي أُصيب بالفالج (الشلل).
- التابعي الأحنف بن قيس الذي كان أعوج الرجلين وأعور، ومع هذا ضُرب به المثل في الحلم، وكان سيد بني تميم، وقد عاتب معاوية بن أبي سفيان في مداراته رغم أنه من أنصار علي رضي الله عنه، فقال: هذا الذي إذا غضب، غضب لغضبه مائة ألف فارس من بني تميم لا يسألونه فيمَ غضب، فانظر لأقدار هؤلاء عند أقوامهم رغم إعاقاتهم، لقد امتازوا بأخلاق وميزات في القيادة رفعت من درجتهم واحترام الناس لهم.
- وقد برز من أصحاب الإعاقات كذلك: معاذ بن جبل الذي كان أيضاً سيداً في قومه رغم أنه كان أعرج.
- مالك بن أنس إمام دار الهجرة كان بوجهه برص.
- الإمام الترمذي كان أعمى، والزمخشري كذلك والعالم المشهور عطاء بن أبي رباح مفتي الحرم وعالم الحديث والفقيه المشهور، كان أشل وأفطس وأعرج ثم عمي بعد ذلك، فهؤلاء لم تمنعهم الإعاقة من السيادة والريادة والعلم.
أصحاب الإعاقة والجهاد:
لقد ضرب بعض المعاقين أروع الأمثلة في التضحية والفداء، وقصة الصحابي الجليل عمرو بن الجموح مثال على ذلك، فقد كان أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنون شباب يغزون مع رسول الله ﷺ إذا غزا، فلما أراد ﷺ أن يتوجه إلى أحد، قال له ابنه عمرو بن الجموح وجد جد جعل لك رخصة فلو قعدت فنحن نكفيك فضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن بَنِيَّ هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن استشهد فاطأ بعرجتي هذه في الجنة، وقد استشهد رضي الله عنه في معركة أحد.
المعاقون في بلادنا:
وفي بلادنا أُعطي أصحاب الإعاقات الحق في الالتحاق بالمؤسسات التربوية والتعليمية والجامعات، ووفرت لهم المناهج والوسائل التربوية والتعليمية المناسبة، ولهم الحق في التعليم بأنواعه ومستوياته المختلفة، وتم إعداد كادر تربوي مؤهل لتعليمهم، وقد تم تعيين عدد من المعلمين في مديريات الضفة وغزة؛ ليكونوا نواة فريق تعليمي للمعاقين، ووفرت الوزارة أيضاً كتباً خاصة للطلبة المكفوفين بلغة بريل لجميع الصفوف، ولهم في القانون حقوق كثيرة محفوظة.
يستفاد من الحديث:
١ الحض على التواضع واجتناب الكِبْر. ٢ الأمة تنصر ببركة دعاء الصالحين والضعفاء. ٣ عناية الإسلام بذوي الاحتياجات الخاصة وتقريبهم، واعتبار الإحسان إليهم واجب. ٤ دمج المعاقين في الحياة الاجتماعية والإفادة من قدراتهم. ٥ تاريخنا الإسلامي حافل بصور مشرقة في العناية بأصحاب الإعاقة.
التقويم
١ أكتب الحديث: «رأى سعد . . . . . . . . . . آخر الحديث». ٢ أتحدث في ثلاثة أسطر عن الصحابي سعد بن أبي وقاص. ٣ أذكر معنى المفردات والمصطلحات الآتية: أبغوني، البرص، الأكمه، الإعاقة. ٤ أبين في أربع نقاط احترام الإسلام لأصحاب الإعاقة. ٥ أذكر ثلاثة نماذج لمسلمين هزموا العجز. ٦ أعلل ما يأتي:
- أ. ساد الأحنف بن قيس قبيلته رغم إعاقته.
- ب. أجاز الإسلام تمييز المعاق في العطية والوصية.
- ج. نسبة الإعاقة العالية في فلسطين.