شرح الموضوع
أمر المؤمن كله خير (حفظ وشرح)
عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له»(١).
راوي الحديث:
صهيب بن سنان الرومي، أبو يحيى، صحابي جليل، أصله من نينوى في العراق، سباه الروم وهو غلام صغير، فنشأ بينهم، ثم اشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه. كان رضي الله عنه من المستضعفين بمكة والمعذبين فيها، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلاً، وهاجر فأدرك النبي ﷺ بقباء، وشهد بدراً والمشاهد بعدها، مات رضي الله عنه بالمدينة المنورة عام ٣٨ للهجرة، في خلافة علي رضي الله عنه.
الرضا بالقدر راحة للمؤمن وطمأنينة لقلبه:
يبدأ الحديث الشريف بتعجب النبي ﷺ من أمر المؤمن، وهذا التعجب ليس تعجباً لمجهول، وإنما لأمر يعرفه النبي ﷺ معرفة جيدة، وهو تعجب فيه استحسان لأمر المؤمن؛ وذلك عندما يُسلِّم بقضاء الله وقدره، وينظر إلى ما أصابه من خير أو شر على أنه أمر محتوم مُقدَّر من رب العالمين، فيولد ذلك الرضا في قلبه، والسكينة في نفسه. والرضا والتسليم لقدر الله كله خير للمؤمن، وكلمة (كله) الواردة في الحديث تفيد الشمول والاستقصاء؛ أي أن المؤمن في كل أحواله من النعماء والضراء هو في خير ونعمة من الله تعالى؛ «وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن»؛ لأن الطبيعة البشرية تفرح عندما يمسها الخير، وتجزع وتهلع إذا أصابها الضُرّ، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ} المعارج: ١٩-٢٢. والمؤمن هو المستثنى من هذا التقلب في التعامل مع القدر؛ ففي إيمانه عصمة، تجعله يتقبل المصيبة بالصبر،
١ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٢٩٥. ويتقبل النعمة بالشكر، فعلاقة الإيمان بالصبر والشكر يعبر عنها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: «الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر»؛ ولهذا جمع الله سبحانه وتعالى بينهما في أكثر من موضع في كتابه العزيز، كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} إبراهيم: ٥. فالإيمان يحول النفس الإنسانية من نفس ضعيفة تنهار عند المصائب إلى نفس قوية ثابتة تتحمل أعظم المصائب.
الفهم الخاطئ للقضاء والقدر:
قد يفهم البعض موضوع القدر فهماً خاطئاً؛ وذلك بأن يعزوا السلبيات في حياتهم إلى أنها قضاء الله وقدره عليهم القبول به، دون نقاش أو اعتراض، فإذا وقعوا في المعاصي فهذا بقدر الله الذي لا يستطيع أحد أن يغيره، وإذا وقع عليهم ظلم فهذا أيضاً من قدر الله تعالى، كما يبرر البعض أن الاحتلال هو قدر الله وعلى الناس أن يرضوا به. والحقيقة أن هذا الفهم ليس من الإسلام ولا علاقة له بالفهم السليم للقدر، إذ لا يمكن عزو سلبيات الناس وفشلهم واتكالهم إلى القدر، فالله تعالى حثَّ الإنسان على العمل والاجتهاد ومقاومة الظلم، وتحقيق هذه المعاني السامية في حياة الناس هو من قدر الله تعالى أيضاً، ورحم الله عمر الفاروق رضي الله عنه عندما رجع عن أبواب الشام، عندما انتهى إلى سمعه أن الطاعون قد وقع في بلاد الشام، فعاتبه أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه قائلاً: أتفر من قدر الله؟ قال: نعم، أفرّ من قدر الله إلى قدر الله. فإذا كان المرض قدر الله فإن الصحة أيضاً قدر الله، وإذا كان تسلط العدو على الأمة بسبب ضعفها وبُعدها عن دينها من قدر الله، فإن نهوض الأمة وعودتها إلى دينها وسعيها في طريق العزة والكرامة والمجد، أيضاً هو من قدر الله تعالى.
الشكر في السراء:
قال ﷺ: «إن أصابته سراء شكر»، والسراء هي كل ما يسر الإنسان ويُدخل البهجة إلى قلبه، والمؤمن لا تشغله الفرحة بالنعمة عن المنعم، ولا يشغله الرزق عن الرزّاق، خلافاً لحال كثير من الناس الذين يتنعمون ويتقلبون في نِعَم الله تعالى، لكن دون أن يقوموا بواجب الشكر لِمَن رزقهم هذه النعم. والمؤمن يدرك أن كل نعمة في هذا الوجود هي من الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} النحل: ٥٣، وأنها كثيرة لدرجة يستحيل إحصاؤها، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} النحل: ١٨، ولذلك فإن الواجب يحتم عليه أن يعترف بها بالفضل والجميل للمُنعم سبحانه وتعالى. والشكر هو الثناء على الله تعالى بما هو أهله اعترافاً وإقراراً بفضله وكرمه، وقد يكون الشكر بالكلام؛ كقوله إذا أصابته نعمة (الحمد لله) أو (الشكر لله)، وأمثلة ذلك كثيرة؛ كقول المسلم إذا استيقظ من نومه: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، وقوله بعد تناول الطعام: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين. وقد يكون الشكر بالعمل، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} سبأ: ١٣؛ فشكر نعمة المال بأداء حق الله تعالى فيه من الزكاة والصدقات، وشكر نعمة الصحة بأن تُستغل هذه الأجسام في طاعة الله تعالى، وشكر نعمة العقل أن يُستعمل في التفكير لما يخدم الإسلام والمسلمين والبشرية جمعاء. فالشكر مقام عالٍ، امتدح الله به أنبياءه، فقال سبحانه في حق نوح عليه السلام: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} الإسراء: ٣. ومع أن هذا المقام في غاية الرفعة والشرف، إلا أن الناس يغفلون عنه؛ بسبب انشغالهم بالنعم وزخارف الحياة، فالقائمون به من الناس قلة قليلة، كما ذكر سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} البقرة: ٢٤٣.
شكر الإنسان لنعمة الله خير له:
في قوله ﷺ: «فكان خيراً له»، بيان لفضل الشكر وأثره على المؤمن، فهو يعود على الشاكرين بالخير من وجهين: الأول: يؤدي إلى زيادة النعم، فإذا شكر العبد ربه أعطاه، فإذا زاد في الشكر زاده الله تعالى في العطاء، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم: ٧. وإذا كفر الناس نعمة الله نقصت وزالت؛ ولذلك قال سبحانه في حق أهل سبأ بعد أن كفروا نعمة الله، فسلبها الله تعالى منهم: {ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} سبأ: ١٧. الثاني: حسن الجزاء في الآخرة؛ لأن جزاء الشاكرين إلى جنات النعيم، قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} آل عمران: ١٤٥.
الصبر على الضراء:
قال ﷺ: «وإن أصابته ضراء صبر»، والضراء تقابل السراء، وهي من الضُّر: أي الأذى الذي يقع على الإنسان، إما في جسده أو ماله أو غير ذلك مما يخصه.
الدرس الأول: الصبر
والمؤمن هو الذي يتلقى ما يقع عليه من البلاء بالصبر والثبات، محتسباً أجره عند الله تبارك وتعالى،
ومما يدفع المؤمن للصبر في الضراء: أولاً: إدراكه أن الاعتراض والجزع لن يغير من قدر الله تعالى، فإذا ابتلى الله عبداً بموت ولده مثلاً، فإما أن يصبر ويرضى فيرضى الله عنه، وإما أن يجزع ويعترض ويسخط على القدر، فيسخط الله عليه، ومع ذلك لن يغير ذلك الله تعالى، ولن يعود ولده للحياة. ثانياً: إدراكه أن أجر الصبر عند الله عظيم، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر: ١٠.
■ الصبر على الضراء خير للصابرين
في قوله ﷺ: «فكان خيراً له» بيان لفضل الصبر، فكما أن الشكر خير لصاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الصبر أيضاً خير لصاحبه في الدنيا والآخرة.
- ففي الدنيا: ترتقي نفوس الصابرين، ويتحملون ابتلاءات الحياة بشجاعة وثبات، ولا يصيبهم ما يصيب غيرهم من الضعف والانهيار، أو ما يصيب البعض الآخر من الأمراض النفسية والعصبية التي قد تؤدي بهم إلى الانتحار في نهاية المطاف.
- وفي الآخرة: جزاء بلا حساب، ونعيم مقيم عند من لا يُضيع أجر مَن أحسن عملاً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة»(١). والصفي هو الحبيب؛ أي إذا مات حبيبه وأعز الناس على قلبه.
■ ما يستفاد من الحديث
١ الخير كله في التسليم لقدر الله تعالى. ٢ الإيمان بالقدر لا يتنافى مع الاجتهاد والسعي لتغيير الحال إلى الأحسن. ٣ الصبر والشكر فضيلتان عظيمتان في الإسلام. ٤ الصبر والشكر نفعهما في الدنيا والآخرة.
١ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغي به وجه الله. ٤٣ الوحدة الأولى: الحديث النبوي الشريف (حفظ وشرح)
التقويم
١ أكمل قوله ﷺ: «عجباً لأمر المؤمن . . . . . . . . . . . . . . الحديث». ٢ أعرّف براوي الحديث. ٣ أذكر معنى الكلمات الآتية: السَّراء، الضَّراء. ٤ ما المقصود بقوله ﷺ: «فكان خيراً له» بعد الكلام عن الشكر على السَّراء؟ ٥ أشرح قوله ﷺ: «إن أصابته ضراء صبر». ٦ أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي: أ ( ) التسليم بوجود المحتل فهم خاطئ للقدر. ب ( ) الشكر لا يكون إلا بالقول، مثل: (الحمد لله، والشكر لله). ج ( ) المؤمن هو الذي يحسن التعامل مع القدر. د ( ) جزاء الصبر يكون في الآخرة دون الدنيا.
٤٤ الوحدة الأولى: الحديث النبوي الشريف (حفظ وشرح)