شرح الموضوع
الدرس ١٢
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «الذهبُ بالذهبِ مثلاً بمثلٍ، والفضةُ بالفضةِ مثلاً بمثلٍ، والتمرُ بالتمرِ مثلاً بمثلٍ، والبرُ بالبرِ مثلاً بمثلٍ، والملحُ بالملحِ مثلاً بمثلٍ، والشعيرُ بالشعيرِ مثلاً بمثلٍ، فَمَنْ زادَ، أو ازدادَ، فقد أربى. بيعوا الذهبَ بالفضةِ كيف شئتم يداً بيدٍ، وبيعوا البرَّ بالتمرِ كيف شئتم يداً بيدٍ، وبيعوا الشعيرَ بالبرِ كيف شئتم يداً بيدٍ»(١).
راوي الحديث:
عُبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، صاحب رسول الله ﷺ، وأحد النقباء الأثني عشر شهدوا العقبة الأولى والثانية، وبدراً، وأحداً، وبيعة الرضوان، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. كان من سادات الصحابة رضي الله عنهم قال محمد بن كعب القُرظي: «جمع القرآن زمن النبي ﷺ خمسة من الأنصار، فذكر منهم عبادة بن الصامت». أرسله عمر رضي الله عنه إلى حمص يعلمهم القرآن ويفقههم، فأقام بها، ثم خرج بعد موت معاذ إلى فلسطين، ومات فيها سنة أربع وثلاثين.
الربا وأدلة تحريمه:
الربا في اللغة: الزيادة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ فصلت: ٤٩ أي: زادت ونمت، ويطلق الربا على كل بيع محرم بسبب الزيادة.
والربا محرم بالقرآن والسنة والإجماع:
- أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ البقرة: ٢٧٥، ولا شك أن القرآن قد نهى عن كثير من المنكرات، وشدّد الوعيد في بعضها، لكن الكلمات التي استخدمها في تحريم الربا أشد وأكد مما استخدم في سائر المنكرات والمعاصي، فقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ البقرة: ٢٧٩.
١ أخرجه الترمذي في سننه: كتاب البيوع، باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل . . . . . . .، وقال: حديث حسن صحيح.
- وأما السنة: فقد ورد فيها حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء»(١).
وتحريم الربا مقتضى العدل؛ لأن التعامل به ظلم أو ذريعة إليه، والكون لا يقوم إلا بالعدل الذي أوجبه المولى -عز وجل- على نفسه، وألزم به خلقه، ومضار الربا ومفاسده لا تحصى.
- وأجمعت الأمة على أن الربا محرم للنصوص الواردة في ذلك؛ فقال الماوردي: إنه لم يحل في شريعة قط؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ النساء: ١٦١ ؛ يعني في الكتب السابقة.
والربا حرام قليله وكثيره، ولا يلتفت إلى قول القائلين: إن الربا المحرم هو الربا الفاحش؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ البقرة: ٢٧٩ فالمباح كما ذكرت الآية هو رأس المال دون زيادة مهما كانت قليلة. والربا حرام مهما كانت تسميته، فسواء سميناه رباً أو فائدة أو ربحاً، فكل معاملة ربوية حرام مهما كان اسمها، فالعبرة بالمضمون لا بالاسم.
أنواع الربا:
ينقسم الربا إلى نوعين أساسيين، هما: ربا الفضل، وربا النسيئة. وسنتحدث في هذا الدرس عن ربا الفضل، أما ربا النسيئة فترك الكلام فيه للدرس القادم.
ربا الفضل:
ويسمى أيضاً ربا البيوع، وهذا النوع من الربا جاء تحريمه في السنة النبوية الصحيحة، ولم يرد ذكره في القرآن الكريم. ويُعرف ربا الفضل بأنه: تفاضل يجري عند التبايع بين أصناف محددة من الأموال، تسمى الأموال الربوية، وهي الأصناف الواردة في حديث الدرس (الذهب والفضة والتمر والبر والملح والشعير)، وسميت بالربوية ليس بمعنى أنها أموال ربا يحرم التعامل بها، ولكن بمعنى أن البيع إذا تم فيها بطريقة غير شرعية تحول إلى ربا.
صورته:
أن يبيع شخص صنفاً ربوياً بصنف من جنسه بمقدار مختلف؛ كأن يبيع صاعاً من القمح بصاعين من القمح من نوع آخر، أو صاعاً من التمر الجيد بصاعين من التمر الرديء.
١ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا ومؤكله، ح رقم ١٠٦
- قوله ﷺ: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل . . . »:
ذكر النبي ﷺ في هذا الحديث ستة أصناف من المبيعات هي: (الذهب والفضة والبر (القمح) والتمر والملح والشعير)، وإذا دققنا النظر فيها نجد أنها على نوعين:
- الذهب والفضة، وهي أثمان.
- التمر والشعير والقمح والملح، وهي سلع (مطعمات موزونة ومكيلة).
فإذا أراد شخص أن يبيع أحد هذه الأصناف بشيء من جنسه؛ كأن يبيع الذهب بالذهب، أو التمر بالتمر فلا بد من توافر شرطين:
- التساوي في المقدار (كيلاً أو وزناً) : وهذا ما جاء في الحديث بعد كل صنف (مثلاً بمثل)؛ أي كيلوغرام من التمر بكيلو غرام من التمر.
- التقابض في مجلس العقد قبل التفرق: بمعنى أن يشتري مئة غرام من الذهب من نوع معين بمئة غرام من نوع آخر، ويتم التسليم والاستلام في المجلس نفسه.
فإذا حدث إخلال بأحد هذين الشرطين؛ كأن يبيع ثلاثة كيلوغرامات من التمر الجيد بأربعة كيلوغرامات من النوع الرديء، أو أن يشتري شخص ذهباً من محل تجاري ولا يدفع الثمن مباشرة، أو يشتري الذهب ديناً أو بالتقسيط، فهذا كله يسمى ربا الفضل. ومعنى الحديث بإيجاز هو تحريم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والملح بالملح، والشعير بالشعير، إلا إذا كانا متساويين في المقدار (كيلاً أو وزناً)، وأن يتم التقابض في مجلس العقد قبل التفرق.
- قوله ﷺ: «فَمَنْ زادَ أو ازدادَ فقد أربى»:
- فمن زاد: أي أعطى الزيادة، وازداد: أي طلب الزيادة.
- فقد أربى: أي أوقع نفسه في الربا.
وهذا فيه إشارة إلى الشرط الأول وهو التساوي في المقدار، فلا يقبل أن يعطي زيادة، أو يطلب زيادة. وإذا قال قائل: هل من المعقول أن تجد تاجراً يبيع ذهباً من عيار ثقيل بذهب من عيار أقل بالمقدار نفسه؟ أو أن تجد تاجراً يبيع تمراً من النوع الجيد بالمقدار نفسه من تمر رديء؟ والجواب على ذلك أنه لا داعي للمبادلة بهذه الطريقة، فيمكن للإنسان أن يبيع الذهب الذي معه ويقبض ثمنه، ثم يشتري ما يشاء من ذهب بالثمن والكيفية التي يشاؤها، وهكذا بالنسبة للتمر والملح . . . إلخ.
- قوله ﷺ: «بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم، يداً بيد»:
هذا النص يوضح طريقة البيع الصحيح بين هذه الأنواع الستة التي يجري فيها الربا، فإذا اختلف النوع؛ كبيع الذهب بالفضة أو العكس فيجوز التفاضل فيها، وهذا ما عبر عنه قوله ﷺ: «كيف شئتم»؛ أي بالمقدار الذي تريدونه، لكن دون التخلي عن الشرط الثاني وهو «يداً بيد»؛ أي في المجلس نفسه، فلا يجوز تأخير القبض.
- قوله ﷺ: «وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم، يداً بيد . . . »:
وهنا يبين النبي ﷺ أيضاً جواز التفاضل (عدم التساوي) بين الأصناف الأربعة الأخرى (التمر والملح والشعير والبر) إذا اختلفت الأنواع؛ كبيع التمر بالملح، أو الشعير بالتمر، فيجوز اختلاف المقدار؛ كبيع كيلوغرام من التمر بثلاثة كيلوغرامات من الملح، لكن بشرط أن يتم التقابض في المجلس نفسه. هل يلحق بهذه الأجناس الستة غيرها من الأصناف؟ لم يتفق العلماء في هذه المسألة، فرأى الظاهرية أن هذه الأصناف فقط هي الأموال التي يجري فيها الربا، ولا يلحق بها أي نوع آخر. بينما رأى جمهور العلماء أن هذه الأصناف يُلحق بها شبيهاتها، فمَنْ رأى أن العلة (السبب) في كونها ربوية هو الوزن، الحق بها ما يشبهها من الموزونات، ومَنْ رأى أنها مكيلات الحق بها ما يشبهها من المكيلات، وهكذا.
ما يستفاد من الحديث:
- حرمة الربا في الإسلام بكل أشكاله؛ كثيراً كان أم قليلاً.
- التماثل والتقابض في مجلس العقد مشروط في جميع الأموال الربوية (الستة)، وما يلحق بها.
- جواز بيع الأجناس المختلفة بمقادير مختلفة إذا اتحد المجلس.
التقويم
- أكمل الحديث النبوي الشريف: «الذهب بالذهب . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحديث».
- أعرّف المصطلحات الآتية: الربا، ربا الفضل، مثلاً بمثل، يداً بيد.
- أذكر الأصناف التي يجري فيها الربا.
- لماذا سميت الأصناف الستة بالأموال الربوية؟
- أبين الحكم الشرعي، مع التعليل:
- أ. باع رجل صاعاً من بُر بصاعين من الشعير، وتقابضا في المجلس.
- ب. باع رجل سيارة بألف دينار، ولم يتم التقابض في المجلس نفسه.
- ج. باع رجل مئة غرام من الذهب بمئة غرام من الذهب من نوع آخر، وتم تأجيل موعد التسليم إلى يومين.
- د. اشترى رجل ذهباً بقيمة خمسة آلاف دينار، فدفع منها ألفي دينار، وأجّل دفع الباقي إلى اليوم التالي.