شرح الموضوع
ربا النسيئة:
نتكلم في هذا الدرس عن النوع الثاني من الربا، وهو ما يُعرف بربا النسيئة.
أتذكر:
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «الذهبُ بالذهبِ مثلاً بمثلٍ، والفضةُ بالفضةِ مثلاً بمثلٍ، والتمرُ بالتمرِ مثلاً بمثلٍ، والبرُ بالبرِ مثلاً بمثلٍ، والملحُ بالملحِ مثلاً بمثلٍ، والشعيرُ بالشعيرِ مثلاً بمثلٍ، فَمَنْ زادَ، أو ازدادَ، فقد أربى. بيعوا الذهبَ بالفضةِ كيف شئتم يداً بيدٍ، وبيعوا البرَّ بالتمرِ كيف شئتم يداً بيدٍ، وبيعوا الشعيرَ بالبرِ كيف شئتم يداً بيدٍ»(١).
والنسيئة لغةً: التأجيل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ التوبة: ٣٧؛ أي التلاعب في الشهور العربية ومحاولة تأجيلها وتبديل مواقعها. واصطلاحاً: هو كل زيادة مشروطة مقدماً على رأس المال مقابل الأجل وحده.
صورته:
أن يقترض شخص مبلغاً من المال (مئة دينار مثلاً)، فيشترط عليه المُقرض أن يُعيده مع زيادة (مئة وعشرة دنانير مثلاً). وتطبيق هذه الصورة على التعريف السابق، أن الدنانير العشرة هي زيادة اشترطها المُقرض مقدماً قبل أن يدفع المال، وهذه الزيادة تكون على رأس المال، وهي مقابل المدة التي سينتظرها المُقرض قبل أن يسترد ماله؛ أي أن المدين سيدفع هذه الزيادة مقابل الوقت. وهذا النوع من الربا هو الذي ورد في القرآن الكريم، وإذا أطلق لفظ الربا في القرآن أو السنة، فلا يُفهم منه إلا ربا النسيئة، أو كما يسميه البعض بـ(ربا الديون)؛ لأنه متعلق بالديون والقروض، ويسمى أيضاً (ربا الجاهلية)؛ لأن هذا النوع هو الربا الذي كانت تعرفه الجاهلية وتتعامل به.
١ أخرجه الترمذي في سننه: كتاب البيوع، باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل . . . . . . .، وقال: حديث حسن صحيح.
صور من ربا النسيئة
مع تطور الحياة وتطور أشكال المعاملات المالية، ظهرت صور جديدة للربا، لكنها تدور حول الفكرة الأساسية، وهي زيادة على رأس المال مقابل الوقت، ومنها:
- كل أشكال الإقراض والاقتراض التي تدور بين الأشخاص، أو بين الأشخاص والبنوك، والتي يتم فيها السداد بعد مدة من الزمن مع زيادة على رأس المال.
- كل أشكال الإيداعات والحسابات التي يفتحها الأفراد أو المؤسسات في البنوك مقابل فائدة يدفعها البنك لهم.
- بطاقات (الفيزا) بشرط أن يقوم المشترك بالسحب أو الشراء من خلال هذه البطاقة بمبالغ أكثر مما هو موجود في رصيده، حيث يقوم البنك باسترداد أمواله من هذا الشخص مع زيادة.
- الغرامات التي تفرضها بعض المؤسسات على مَن تأخر في سداد ديونه؛ كالغرامات على فواتير الماء أو الكهرباء أو غيرها.
حكم الزيادة (الفوائد الربوية):
- كل مال جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعاً، لا يجوز أن ينتفع به المسلم (مودع المال) لنفسه أو لأحد ممن يعول في أي شأن من شؤونه.
- يجب التخلص من هذا المال بإنفاقه في المصالح العامة للمسلمين؛ من مدارس ومستشفيات وغيرها. وليس هذا من باب الصدقة وإنما من باب التطهر من الحرام.
- لا يجوز أن تترك هذه الفوائد للبنوك الربوية؛ لأن في ذلك تقوية لها، وعوناً لها على الحرام، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ المائدة: ٢.
البنوك الربوية والبدائل الشرعية:
كان الربا يمارس قديماً بين أفراد أغنياء وآخرين فقراء، حيث يستدين الفقير مبلغاً من المال لسداد احتياجاته، ثم يقوم بسداد هذا الدين أضعافاً كثيرة، ومع تطور الحياة، وتطور الاقتصاد والمعاملات المالية، ظهرت مؤسسات ربوية، احتضنت هذه المعاملة المالية المحرمة، وقامت بتطويرها وإيجاد أشكال أخرى لها؛ كالحسابات والودائع والقروض والسندات . . . إلخ، وسميت هذه المؤسسات بالبنوك (المصارف)، وقد انتشرت انتشاراً هائلاً في كافة بلدان العالم، وأصبح النظام الربوي مظهراً من مظاهر النظام الرأسمالي. وكانت المشكلة كبيرة بالنسبة للمسلم الملتزم بتعاليم دينه، فإذا امتلك أموالاً يريد الحفاظ عليها من السرقة، أو لديه أموال كثيرة يريد استثمارها، فليس أمامه إلا هذه البنوك الربوية، فهو بين خيارين: إما أن يضعها في هذه البنوك، وإما أن يعطلها ويجمدها وربما يعرضها للسرقة، وكلاهما خيار صعب.
وبقي هذا الوضع إلى أن مَنَّ الله تعالى على المسلمين بأن جعل لهم مخرجاً من هذا الحرج، وظهرت البدائل الشرعية ممثلة بشركات توظيف الأموال أو البنوك الإسلامية، التي وفرت بدائل حقيقية صالحة للاستثمار وبعيدة كل البعد عن الحرام.
خطر الربا:
لقد أثبتت البحوث الاقتصادية الحديثة أنَّ الربا خطرٌ على اقتصاد العالم وسياسته، وأخلاقياته وسلامته، وأنه وراء كثير من الأزمات التي يعانيها العالم، وأن لا نجاة من ذلك إلا باستئصال هذا الداء الخبيث من جسم العالم، وهو ما سبق به الإسلام منذ خمسة عشر قرناً. والربا هو المحرك الرئيس للتضخم (ارتفاع الأسعار)؛ لأن الشخص عندما يأخذ قرضاً ربوياً فإنَّ ذلك سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وهو سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار.
وما الأزمة المالية والانهيار في كثير من الأسواق العالمية التي بدأت عام ١٤٣٠هـ / ٢٠٠٩م، إلا خير شاهد على هذا الأمر، فالنظام العالمي الذي يقوم على الربا بدأ بالتراجع، وبدأت الدعوات تعلو لخفض نسبة الفائدة لتصل إلى الصفر، وهذا يعني إلغاء الفائدة الربوية، بل قد سمعنا من بعض مراكز الدراسات في العالم الغربي ومن الخبراء الاقتصاديين من يشير إلى أنَّ الحل هو فقط في النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يتبنى الذهب كعملة رئيسة للتداول، ويخلو من الربا القاتل. والربا سبب لما تعانيه بعض الدول في الوقت الحالي من عجز نتيجة عدم قدرتها على سداد الديون وما يترتب عليها من فوائد هائلة؛ ما يؤدي إلى تعطيل عجلة الإنتاج وتأخر هذه الدول عن مواكبة التطور، وإثقال كاهلها الاقتصادي؛ ما يعني عيشها في شظف وسوء حال. كذلك فإنَّ هناك مخاطر يشكلها الربا على المستوى الفردي؛ كتربية الأحقاد والضغائن بين الفقراء والأغنياء، وتكريس الثروة في يد فئة قليلة من المجتمع.
ما يستفاد من الحديث:
- كل زيادة مشروطة على رأس المال مقابل الوقت تعتبر ربا.
- لا يجوز بأي شكل من الأشكال التعاطي مع البنوك الربوية إقراضاً واقتراضاً.
- المال الناتج عن الربا (الفوائد البنكية) هو مال حرام لا يجوز للمسلم أن ينتفع به لنفسه.
- البنوك الإسلامية هي بدائل شرعية تغني عن البنوك الربوية.
التقويم
- أعرّف ربا النسيئة اصطلاحاً.
- أذكر ثلاثاً من صور ربا النسيئة.
- أوضح الحكم الشرعي في الفوائد البنكية.
- أبين خطر الربا على الأفراد والمجتمعات.
- أعلل ما يأتي:
- أ. يُسَمَّى ربا النسيئة بربا الجاهلية.
- ب. التعامل ببطاقة (الفيزا) حرامٌ في حالات معينة.
- ج. الربا يورث الضغائن والأحقاد بين الناس.