شرح الموضوع
مشاركة النساء في الجهاد (حفظ وشرح)
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لمّا كانَ يومُ أُحُدٍ انهزم الناسُ عن النبيِّ ﷺ قال: ولقد رأيتُ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ وأُمَّ سُليمٍ، وإنّهما لمُشَمِّرتانِ أَرى خَدَمَ سُوقِهِنَّ، تنْقُزانِ القِرَبَ، - وقال غيره- تنقُلانِ القِرَبَ على مُتُونِهما، ثم تُفرغانِه في أفواهِ القومِ، ثمّ ترجعانِ فتملآنِها ثمّ تجيئانِ فتُفرغانِه في أفواهِ القومِ»^(١).
شرح الحديث:
يبيّن الصحابيّ الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه في هذا الحديث الشريف جزءاً من مشهد هزيمة المسلمين في أُحد، بعد مباغتة جيش المشركين لهم، وذلك أثناء انشغالهم بجمع الغنائم، وصوّر كيف تفرّق معظم الصحابة عن رسول الله ﷺ نتيجة ذلك، فلم يتبقَّ من الرجال والنساء سوى قلة معدودة، حيث أظهروا من البطولات والصبر والتحمل والمساعدة والمساندة صوراً مشرقة.
لقد كانت نساء المسلمين تحرص على مشاركة الرسول ﷺ في الجهاد، ولم تكن نساؤه ﷺ أقل حرصاً على الجهاد من باقي النساء، لدرجة أنّه كان يضرب بينهنّ بالقرعة للخروج معه.
وهنا يصف أنس رضي الله عنه مشهد أمّه (أمّ سُليم)، وعائشة رضي الله عنهما وهما تسارعان لنقل الماء للجرحى والعطشى من الصحابة، متحملاتٍ في ذلك مشقة عظيمة في سبيل الحصول على رضا الله ورسوله.
قوله: «وإنّهما لمشمّرتان، أرى خَدَمَ سوقهنّ»:
مشمّرتان: ترفعان طرفَ ثوبيهما؛ لتتمكنا من الجري.
الخَدَم: الخلاخيل، وهو ما تلبسه المرأة في ساقها من سلسلة أو حلقة تتزين بها، ويظهر الحديث أنّ هذا الانكشاف والتشمير كان قبل الحجاب، وقد يحصل هذا الأمر أحياناً من المرأة إذا دعت الضرورة لذلك، أو بغير قصد أثناء المعركة، أو الفزع الشديد، وإلا فإنه لا يجوز أن تكشف المرأة ساقها ليُرى موضع الخلخال.
^(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال.
قوله: «تنقُزان القِرَب على متونهما»:
تنقزان بضم القاف: معناها تحملان، وقيل: تنقزان: تَثِبان، والنَّقْز: الوثب والقفز، كنايةً عن سرعة السير، والقِرَب: جمع قِربة، والمقصود: تنقلان القِرب، حيث تتحرك هذه القِرَب من سرعة وثبهنّ.
على متونهما؛ أي على ظهورهما، حيث يذهبن لتعبئة القِرب، ثم يحملن هذه القِرَب على الظهور مسرعاتٍ لسقي المجاهدين والجرحى، ثمّ تعودان مرةً أخرى لفعل ذلك، وهكذا.
خروج النساء للحرب:
يتبيّن من هذا الحديث أنّ خروج النساء كان لعلاج الجرحى وسقايتهم، وقد ورد في روايةٍ أنّ النبي ﷺ سألهنّ عن سبب خروجهنّ في حُنين فأجبن بالقول: خرجنا نغزل الشَّعَر، ونعينُ في سبيل الله، ونداوي الجرحى، ونناول السهام ونسقي السويق؛ أي نحضر الطعام، والسويق: طعامٌ على شكل سائل. ولم يرد التصريح بأنهنّ قاتلن.
مباشرة النساء للقتال:
إذا كان خروج النساء للحرب لتقديم بعض الخدمات للمجاهدين، فهل يصح للمرأة أن تباشر القتال بنفسها؟
يجاب على ذلك من وجهين:
الأول: إنّ إعانة المرأة للمجاهدين في القتال لا يقل عن مباشرة القتال شأناً، ففي الإعانة على الغزو غزوٌ، والعون على الشيء ضَرْبٌ منه.
الثاني: لم يوجب الإسلام الجهاد على المرأة وجعل غزوهنّ تطوّعاً وفضيلةً؛ لما يتطلبه الجهاد من الكرّ والفرّ والقوة والجَلَد، ولما يترتب على ذلك من الأسر والسبي ونحوه، مما تعجز عن تحمّله النساء الضعيفات، تقول أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: قلت يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ فقال: جهادٌ لا قتالَ فيه؛ الحج والعمرة»^(١).
وفي المذاهب الأربعة: لا جهاد على المرأة والصبي؛ لأنّ بنيتهما لا تحتمل ذلك عادة، واستدل مَنْ قال بعدم وجوب الجهاد على المرأة بقوله تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾
[الأنفال: ٦٥]،
فدلّ أنه أراد بذلك الذكور دون الإناث.
^(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب غزو النساء. وللمرأة أن تقاتل عند الضرورة، فتدافع عن نفسها، أو دارها أو وطنها، وقد وقع عند مسلم أن «أمّ سُلَيم اتخذت خِنجَراً يوم حُنين فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ: ما هذا الخنجر؟ فقالت: اتخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه» (١).
وقد قاتل نساءٌ من قريش يوم اليرموك حتى دهمتهن جموع الروم، فضربتِ النّساء يومئذٍ بالسيوف، وذلك في خلافة عمر، وهذا يدل على جواز أن يقاتلنَ في حال الضرورة.
يستفاد من الحديث:
- مشاركة النساء في الجهاد تكون لمساعدة الجند ومداواة الجرحى.
- القتال ليس مفروضاً على النساء.
- يجوز للمرأة القتال والدفاع عن النفس.
التقويم
- أكتب حديث أنس رضي الله عنه: «لمّا كان يوم أحد ............ الحديث».
- أبيّن معاني المفردات الآتية: انهزم، خدم، سوقهنّ، تنقُزان
- أبيّن من خلال دراستي للحديث الشريف حُكْمَ مباشرة المرأة للقتال.
- أشرح قوله: «وإنهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهن تنقزان القرب على متونهما».
- أعلل ما يأتي:
- أ. قوله تعالى:
﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾
[الأنفال: 65].
- ب. حَمْل أم سليم خنجراً في غزوة حنين.
١ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير - باب غزو النساء برقم (٣٣٣٤).